نهاية القذافي: هذه القصة معقدة

حجم الخط
0

صحف عبريةقبل لحظة مما يلوح كنهاية الدراما الليبية الكبرى والظهور المفاجيء لمن اعتبر معتقلا لدى الثوار، سيف الاسلام القذافي، يدل على أننا لم نصل بعد الى النهاية التامة ـ يبدو أن العالم يحتفل منذ الان لقصة ايجابية لجهد دولي في تحويل المعوج الى مستقيم. مع حلول الربيع العربي نهض معارضو النظام في ليبيا، ثاروا على الحكم المطلق، عرضوا حياتهم للخطر في مواجهات وحشية مع قوات وحشية، وفي لحظة الحقيقة جاءوا ليقفوا على يمين الديمقراطيات الغربية. هذه حاليا هي الرواية الدولية: في ليبيا وقعت حرب بين أبناء النور وابناء الظلام، حدث يضع العالم المتنور نفسه فيه بوسائله العسكرية المتطورة تحت تصرف الاقلية التي تكافح في سبيل حريتها. بل ربما يمكن المخاطرة والقول انه منذ الانتصار الغربي الكبير على صدام حسين، لم يحظَ الغرب بان يكون جزءا من تحرر وطني لشعب مقموع. وبالفعل، من منا لا يفرح شماتة على الطاغية من ليبيا؟ من منا لا يفرح حتى ولو للحظة قصيرة في أن يكون جزءا من قوى الخير، عضوا في اسرة الشعوب، التي ترى العدل يخرج الى النور؟

ولكن النظرة القريبة لاحداث الزمن الجديد تستدعي تعطيل الفرح. فالقذافي كان قصة معقدة: الزعيم الذي عرف كيف يخدع العالم الغربي ويتحول من كريه نفس زعماء بريطانيا، فرنسا والولايات المتحدة الى الابن الضائع التائب. حتى نهاية القرن العشرين كان القذافي هو الشيطان بتجسده، وتلطخت يداه بدم الارهاب في العالم بأسره. عمليات 11 ايلول كانت بالنسبة له فرصة رائعة للانقطاع والتطهر، شجب الارهاب ودق أبواب اسرة الدول المتنورة بنجاح فائق. بتهكم عبقري صرح في العام 2003 بانه كان في الماضي رجلا سيئا وطور سلاح الدمار الشامل، ولكن ها هو بحماسة تاب وهو يدعو مراقبي الامم المتحدة للوصول الى بلاده لنزع السلاح الشرير منها. خطته لاعادة التأهيل نجحت. رئيس وزراء بريطانيا عقد في ليبيا زيارة رسمية، والولايات المتحدة سارعت الى شطب ليبيا من قائمة الدول المؤيدة للارهاب. وسرعان ما تحول القذافي الى حبيب الاسرة الدولية. نوع من المجنون ذي سيماء ملونة، محاط بحارسات شخصيات. ارهابي متقاعد أقواله الغريبة لا حاجة لان تقض مضاجع مواطني الغرب.

وفجأة جاءت الثورة، جزءا من الموجة الهائلة في المجتمع العربي، والعالم الغربي ترجم ذلك فورا الى تعابير التسامح والتعددية. في البداية كمن تملكهم الشيطان، وبعد ذلك بحماسة زائدة، انضم زعماء الغرب الى تأييد الثوار على القذافي. الشيطان الذي نظف واصبح على مدى عقد واحد من الزمن شخصية ايجابية، عاد الى مضارب الكراهية لدى الغرب. ليس فقط بالاقوال، بالشجب او بالدعوات العلنية، بل بالسلاح وبالنشاط العسكري الموجه ضده. وعلى أي جانب توجد اسرائيل؟ في نظر نفسها، في جانب الاخيار. في جانب الغرب المتنور غير المستعد لان يقبل بالمظالم الاجتماعية. ولكن سجل حياة الزعيم الليبي، كما وصف اعلاه، يجب أن يشعل اضواء حمراء لدى كل اسرائيلي بصفته هذه. الخفة التي لا تطاق والتي يقرر فيها العالم المتنور من له ومن لمشاكله، من خير ومن شر، تثير الاشتباه بان الايديولوجيا الديمقراطية ليست البوصلة الحصرية لهذا العالم، الذي نرغب في الانتماء اليه. واذا كان لا سمح الله التقسيم الى أبناء نور وأبناء ظلام مصابا، لنفترض، بهذه المصالح أو غيرها، فمن يضمن لنا ان نجد أنفسنا دوما في الجانب الصحيح من المعادلة؟ أين الضمانة في أن تحويل القذافي من شيطان الى تائب وفي النهاية مرة اخرى الى تجسد كل الشر على الارض محفوظ فقط للزعماء العرب، وليس لا سمح الله، لدولة اسرائيل ايضا؟ أصحاب الشعر الشائب منا لا يزالون يتذكرون كيف نال مناحيم بيغن ‘الارهابي’ اعادة تأهيل، ولا سيما بعد أن صافح السادات؛ ولكن أليس الطريق ذا اتجاهين؟ وخطير بقدر لا يقل، فان العالم الذي يتدخل في النزاعات الداخلية ومستعد في هذا الاطار لان يتخذ عقوبات مختلفة، ناهيك عن خطوات عسكرية، من يضمن لنا الا يوجه في يوم من الايام سهامه المغلوطة بالذات الينا؟ التاريخ يفيد بانه عندما تفرك أمم العالم يديها رضاً فبالذات من اليهود مجدٍ، ربما، التصرف بأخذ جانب الحذر.’ محاضر في دائرة دراسات الشرق الاوسط، المركز الجامعي ارئيل في السامرةاسرائيل اليوم 24/8/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية