رأي القدس الثورات الشعبية العربية، والحكومات التي تنبثق من رحمها، تظل افضل عشرات المرات من الانظمة الديكتاتورية القمعية التي جاءت للاطاحة بها، وانهاء فترات حكمها القمعي الفاسد حتى لو رافق بعضها، او ترتب عليها، بعض السلبيات، واعمال الفوضى والفلتان الامني. فالثورتان التونسية والمصرية ادلة ساطعة عما نقول.
فيوم امس كشفت صحف اسرائيلية عن قيام النظام الانتقالي في مصر بتوجيه تهديد صارم الى الحكومة الاسرائيلية بقطع العلاقات وتجميد اتفاقات كامب ديفيد اذا ما اقدمت القوات الاسرائيلية على اجتياح قطاع غزة، وارتكاب مجازر فيه على غرار ما حدث في عملية مماثلة اطلق عليها اسم ‘الرصاص المصبوب’ في اواخر عام 2008 واستمرت لاكثر من ثلاثة اسابيع استشهد خلالها اكثر من 1400 شخص نصفهم من الاطفال تقريباً.
هذه اللغة غابت من القاموس المصري الرسمي لاكثر من اربعين عاماً، اطمأنت خلالها اسرائيل على امنها واستقرارها، وغياب اي رد فعل مصري غاضب، ولهذا اطلقت العنان لقواتها لكي تعتدي على لبنان عدة مرات كان آخرها عام 2006، وتجتاح قطاع غزة وقتما تشاء، وتقتل ما طاب لها من رجال المقاومتين اللبنانية والفلسطينية.
النظام المصري الجديد يستمد قوته من دعم الشعب المصري وثورته، ومن معايير المحاسبة والشفافية، والتزامه بالقيم العربية والاسلامية، وسقوط ثقافة الخوف من اسرائيل والدول الغربية الداعمة لها، والولايات المتحدة الامريكية على وجه الخصوص.
فعندما يكون رئيس مصر، الدولة الاقليمية العظمى، مرتشياً، ونظامه يعتمد على مافيا رجال الاعمال الفاسدة، ونجلاه لم يتفوقا الا في ميادين الطمع ونهب المال العام والتربح من مركز والدهما في قمة السلطة، وبيع الغاز المصري بسعر التكلفة لاسرائيل مقابل عمولات ضخمة، عندما يكون هذا هو حال الطبقة الحاكمة في مصر في العهد السابق، فانها لا تستطيع ان تهدد اسرائيل، او تعارض حروبها على العرب والمسلمين في لبنان وقطاع غزة، بل تفعل عكس ذلك تماما، اي تأييد مثل هذا العدوان بطرق غير علنية وغير مباشرة.
مصر الثورة تستعيد مكانتها، مثلما تستعيد دورها بشكل تدريجي، ولكن بوتيرة متسارعة، ويتمحور التحول الجديد في مواقفها حول العداء لاسرائيل، والرفض المطلق لكل نزعاتها العدوانية ضد العرب والمسلمين، خاصة في قطاع غزة المحاصر.
الشعب المصري يلعب الدور الاكبر في هذا التحول، بل ويدفع باتجاهه بقوة، وما شاهدناه ونشاهده من مظاهرات صاخبة امام السفارة الاسرائيلية في القاهرة وانزال علمها بالقوة وزرع العلم المصري مكانه، والمطالبة باغلاقها فورا، هو الدليل الابرز على هذا الصدد.
القيادة الاسرائيلية بدأت تدرك مدى جدية التحول المصري المذكور، والتهديدات المصرية بقطع العلاقات بالتالي، وهذا ما يفسر ‘تجميدها’ كل خططها العدوانية لاجتياح القطاع، انتقاماً للعملية الفدائية التي ادت الى مقتل ثمانية اسرائيليين قرب ايلات.
اسرائيل التي قتلت السلام، لا تفهم الا لغة واحدة، هي لغة القوة، وهي لغة انقرضت في عرف الحكام العرب منذ اربعين عاما، وجاءت الثورات العربية لتعيدها بقوة وبلغة واضحة.