ابوت اباد (باكستان) ـ ا ف ب: في بلد يعد رسميا حليفا للولايات المتحدة في الحرب على الارهاب ويشتبه في نفس الوقت في دعمه لمجموعات متشددة، لا يزال العديد من الباكستانيين يشككون في ضلوع اسامة بن لادن في اعتداءات 11 ايلول/سبتمبر في الولايات المتحدة، او في حدوث تلك الهجمات من اساسه.
وحينما يسأل ضابط باكستاني شاب عن مقتل بن لادن في عملية امريكية داخل باكستان على مقربة من مقرات للجيش الباكستاني في بلدة ابوت اباد، يرد متنهدا حزنا ‘هل كان (بن لادن) هنا فعلا؟.. ان الامر مثل 11 ايلول/سبتمبر، لا نعرف اصلا ان كان قد وقع حقا ام لا!’. ويجلس الضابط عبد الله عند نهاية الطريق الذي يقود للمجمع الذي اقتحمته القوات الامريكية الخاصة لقتل زعيم القاعدة في الثاني من ايار/مايو، غير ان عبد الله يفضل عدم تذكر ما يعتبره لحظة حالكة لبلاده. ويقول الضابط ‘الامر هنا اشبه بعطلة مقارنة بماتاني او تشارساده’، مشيرا الى بقاع في الشمال الغربي من البلاد حيث قضى الكثير من زملائه في هجمات عدة نفذها مسلحو طالبان. ولا يختلف عبد الله عن ملايين الباكستانيين الذين يشككون في مسؤولية بن لادن عن هجمات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر، ما يعكس العلاقة الملتبسة لبلادهم مع التطرف والتوجه الانتقائي في التعامل مع المتشددين الاسلاميين في منطقة تصفها واشنطن بالمقر العالمي للقاعدة. ويبدو هذا الالتباس جليا بالنظر الى ان باكستان نفسها، القوة النووية التي تعاني من اعمال عنف تقول اسلام اباد انها اودت بحياة 35 الف شخص طيلة عقد من الزمن منذ الاحداث الهائلة التي شهدها الحادي عشر من ايلول. فقد فر القوام الاكبر من مسلحي طالبان والقاعدة من وجه الغزو الامريكي لافغانستان المجاورة ليستقروا في باكستان. ويقول الجيش الباكستاني — الحانق على الغرب لتشكيكه في التزامه بقتال الارهاب — ان اكثر من ثلاثة الاف من جنوده قضوا في قتال المسلحين الاسلاميين منذ ذلك الحين. فالجماعات الجهادية التي تناوئ التحالف الذي تتزعمه واشنطن قد تحولت الى حركة طالبانية محلية تتهم بالمسؤولية عن اكثر من اربع سنوات من التفجيرات التي طالت الباكستانيين، وهي نفس الجماعات التي رعتها الدولة الباكستانية يوما للقتال في افغانستان والهند المجاورتين. وفي بلد ينعدم شعوره بالامان ويخشى الهند، ويشعر بالارتياب من الولايات المتحدة ويريد الابقاء على نفوذه التقليدي في افغانستان كمعادل استراتيجي للثقل الهندي، تسود نظريات المؤامرة لدى ابنائه. يخرج عبد الوهاب خان مصيب، 20 عاما، لتوه بعد انتهاء محاضراته بكلية الطب في ابوت اباد، وهو باكستاني-امريكي عصري المظهر يرتدي الجينز وكان صغيرا في المدرسة في بروكلين بنيويورك ذاك اليوم قبل عشر سنوات وشاهد الرماد والدخان يتصاعد من البرجين المستهدفين. ولكن حينما تسأله هل كان الهجوم بفعل اسلاميين، يتهرب من الاجابة ويشير بدلا من ذلك الى انه شاهد شأنه شأن الكثيرين افلاما وبرامج تتهم عناصر من الحكومة الامريكية بتدبير الهجمات، واصفا تلك النظريات بانها ‘مقنعة’. وفي بلد يتأجج بالمشاعر المعادية للامريكيين والمعادية للسامية، عمدت الصحف الباكستانية الى تكرار روايات لا تستند الى اي اثباتات تقول ان اربعة الاف يهودي لم يذهبوا الى العمل في البرجين يوم الهجوم ومن ثم فان الهجمات ‘مؤامرة صهيونية’. تلك الافكار تروجها خطب المساجد والمدارس الدينية التي يلقن فيها الملايين من الاطفال المعدمين الدروس. وعلى الصعيد الدبلوماسي لم تكن الولايات المتحدة يوما تشعر باستياء من باكستان اكثر مما هي عليه الان لرفضها، او قل لعدم قدرتها على الامساك بحلفاء القاعدة في مناطقها القبلية الشمالية الغربية. ويشير الجنود الامريكيون الى شبكة حقاني التي يتمركز امراؤها في شمال وزيرستان باعتبارهم التهديد الاكبر للامن في افغانستان، ومع ذلك فمن المعروف ان المخابرات الباكستانية تحتفظ بعلاقات وثيقة مع الشبكة. ومؤخرا قال وزير الدفاع الامريكي ليون بانيتا ‘مع ذلك لا بديل عن الابقاء على علاقة مع باكستان. لماذا؟ لاننا نخوض حربا هناك’. ومع تردي العلاقات الامريكية مع اسلام اباد لادنى مستوياتها في اعقاب الغارة التي اودت بحياة بن لادن، يستشري بين كافة طبقات المجتمع الباكستاني الشعور بان امريكا هي المسؤولة عن جر باكستان الى كارثة. ويقول الصحافي زاهد حسين مؤلف كتاب ‘جبهة باكستان’ وكتاب ‘ذيل العقرب’ انه ‘حتى المتعلمين يعتقدون الان بتلك النظريات، بسبب عدم الثقة بالولايات المتحدة’. وكتب احمد رشيد في صحيفة نيو ريببليك هذا الصيف ان ‘موجة التعصب التي تكتسح البلاد تعود في الكثير منها الى نظريات المؤامرة التي روجتها المؤسسة الحاكمة وحلفاؤها في الاعلام’. ومن بين تلك الروايات الشائعة ان واشنطن تآمرت مع الهند واسرائيل لتدمير الاسلحة النووية الباكستانية والقضاء على المسلمين — دون اي اشارة الى الفساد المستشري والعجز الداخلي. فعلى سبيل المثال شجبت باكستان بعد العملية ضد بن لادن داخل اراضيها في الثاني من ايار/مايو انتهاك سيادتها بدلا من ان تكلف نفسها عناء ايضاح كيف ولماذا استطاع زعيم القاعدة العيش لسنوات على مقربة من كبرى الاكاديميات العسكرية للبلاد دون اي يلحظ او يعترض سبيله شخص. وبعد اربعة اشهر من ذلك لا تزال تلك الاسئلة دون اجابات ما يثير الشكوك حول التواطؤ بين عناصر من قوات الامن والقاعدة في باكستان. ويقول رشيد لفرانس برس ‘بالتأكيد ربما كان هناك عناصر متقاعدة او على مستوى متوسط بين اجهزة الاستخبارات ممن ربما كانوا يعلمون ان بن لادن في البلاد او كانوا يعرفون كيف يبلغونه اولا بأول’. وكتب رشيد في صحيفة نيو ريببليك انه بدلا من القاء اللوم على الهند او اسرائيل او الولايات المتحدة، على الباكستانيين ان يدركوا ‘ان تبني الدولة الانتقائي للتطرف هو حقا ما يدمر بلادهم’.