‘رواية السيرة الذاتية’: دراسة في التأصيل والتشكيل

حجم الخط
0

القاهرة ـ ‘القدس العربي’: من منطلق ما أفرزته النظرية الأدبية عن جنس الرواية واعتبارها نوعاً مفتوحاً، وفي بعض الأحيان جنساً لا شكل لها، إلا أن هذا لم يمنع من اعتبارها في بعض الأحيان أصولاً تاريخية لأنواع مثل (الملحمة / الخطابة / السيرة / الرحلة) وغيرها من أنماط السرد الأدبي. والعجيب أنه مع هذه الأهمية إلا أنها لم تأخذ تعريفاً جامعاً يحدُّ من مسألة التداخل حيث صارت بهذه المرونة والانفتاح واحدة من الأجناس الأدبية التي تآخمت مع حدودها أجناس أدبية مختلفة، فتداخلت الرواية مع السيرة وغيرها من الأجناس القريبة كالمذكرات واليوميات، وفي ظل هذه الحالة بدأت النظرية الأدبية تنظر للأجناس المتداخلة مع جنس الرواية كجنس مستقل، فظهرت مسميات كثيرة تحت عباءة النظرية.

في ضوء هذه الإشكالية جاء هذا الكتاب والصادر حديثاً، عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة كتابات نقدية، عدد 200 كتاب ‘رواية السيرة الذاتية: دراسة في التأصيل والتشكيل’ للناقد ممدوح فراج النابي. ويقف الكتاب عند المنطقة الوسطى التي سمحت بإمكانيات خروج أنواع وليدة تحمل من صفات الجنس المستقلة عنه، وفي ذات الوقت لها سمات مستقلة، تحدو بها لأن تكون بذاتها جنساً مستقلاً. كما يتناول الكتاب بالتحليل مصطلح رواية السيرة الذاتية، هذا المصطلح الذي أخذ أشكالاً عدة حسبما أرتأى النقاد، فهو تارة السيرة الذاتية الروائية، وأخرى الرواية السيرية، وإن كان المؤلف أرتضى مصطلح رواية السيرة الذاتية ويعرفها بـ’ ‘كل عمل فني متخيّل تتقابل فيه [الأنا الساردة ]مع [الذات المستعادة ]جزئياً أو كلياً بحيث ينهض – أساساً – على التجربة الذاتية والوقائع والأحداث، بعد صياغتها فنياً في إطار [ تخييلي روائي ] ويمكن للقارئ من خلال قرائن ميثاقية أن يتحقق من التشابهات و الأصداء، دون حاجة إلى اعتراف أو إقرار من المؤلف’. كما تناول المؤلف في الباب الأول الذي جاء تحت عنوان تداخل الأنواع وتوالد السرد، علاقة الأجناس الأدبية ببعضها البعض كتفاعل الرواية مع غيرها، وعلاقة الرواية بالسيرة الذاتية، والنتاجات الروائية الأولى واستثمارها للتجارب الذاتية في العالمين الغربي والعربي، وأسباب نشأة المصطلح التي ردها المؤلف إلى صعوبة تحقق السيرة الذاتية في العالم العربي، نتيجة الخجل والحياء اللذين هما سمة من سمات المجتمعات الإسلامية والشرقية، وبالتالي انتفاء الشرط الرئيسي لكتابة السيرة الذاتية وهو الصدق الذي يتنافى مع الحياء. كما تطرق الكتاب إلى مرونة النوع الأدبي التي أتاحت الفرصة لخلق أنواع جديدة في المنطقة الوسط يسعى هذا الكتاب ـ ضمن جملة الأهداف التي حدَّدها – لاكتشاف ملامح نوع أدبي جديد، تولَّد عن نوع الرواية، التي استقر الرأي ـ منذ نشأتها ـ على أنها جنس أدبي مفتوح، وقابل لكافة أشكال التفاعل أو التداخل، التي فرضتها طبيعة النوع، التي وُصفت بأنها ‘مرنة’ ومع تولد هذا النوع الجديد ‘رواية السيرة الذاتية’، عن نوع ‘الرواية’، إلا أنه يطمح ـ هذا النوع الوليد الهجين ـ لأن يكون نوعاً أدبياً مستقلاً، يقف بسماته المائزة – التي يفترض البحث والباحث أن تكون هكذا، تفرقه عن كافة الأجناس القريبة مثل الرواية أو السيرة الذاتية – بطرائقه السردية التي ينتهجها، وخصائصه الأسلوبية. وأيضا بدوافع الكُتّاب الذين يميلون إليه دون غيره من الأنواع السردية القريبة.

ومن ثم يتأسس الكتاب، في ضوء ما سبق، على مجموعة من الفروض / والتساؤلات التي تحيط بعلاقة الرواية، والأجناس القريبة من خلال إمكانية التفاعل بينها، وبين غيرها هذا من جانب، كما تتصل هذه التساؤلات بمفهوم النوع الجديد (رواية السيرة الذاتية)، وميثاقه الذي يُخْرج ما لا صلة له بهذا النوع من حدود. من جانب ثانٍ. كما ترتبط هذه الفروض / والتساؤلات بملامح العلاقة بين رواية السيرة الذاتية، ورواية المرأة، ورواية الغربة، ورواية السجن. ومدى إمكانية هذه التمثيلات، استيعاب هذا النوع، وأيضا القدرة على تمثيله، من جانب ثالث. وكذلك تتعلق هذه الفروض / والتساؤلات، من جانب رابع، بالمكونات الفنية والسمات الأسلوبية، التي تَسِمُ هذا النوع، وتفرقه عن الأجناس القريبة، مثل الرواية أو السيرة الذاتية. ومن هذه المكونات، دراسة وضعية الراوي في الكتابة السير ذاتية، وأيضا دراسة الزمن وطبيعته داخل الخطاب السيري، وكذلك دراسة السرد وطرائقه داخل بنية رواية السيرة الذاتية وأخيراً دراسة وضعية المروى له، ودرجة حضوره داخل النصوص، مادة الدراسة. وقد جاء الكتاب ـ بناء على ما تقدم (اختبار الفروض والتساؤلات) في بابين أساسيين: الباب الأول: تداخل الأنواع الأدبية، وتوالد السرد. وقد احتوى على فصلين الأول: ‘التشكيل السير ذاتي، وتحولات الذات وحدود النوع’. وناقش فيه المؤلف مباحث عديدة هي (الرواية وتفاعلها مع الأنواع، السيرة الذاتية وتداخلها مع الرواية، مفهوم رواية السيرة الذاتية، الرواية واستثمار التجارب الذاتية، رواية السيرة الذاتية وتداخل الأنواع، تمثيلات ونماذج لرواية السيرة الذاتية، وأخيراً اهتم الفصل بمناقشة تحولات الذات، وتحولات الواقع عبر المتخيل السردي). ونهض الفصل الثاني من الباب الأول:’الميثاق وقرائن العقد السير ذاتي’ على التفرقة بين الميثاق السير ذاتي، والميثاق الروائي، ففي الميثاق السير ذاتي يجب الإقرار من قبل المؤلف بأن النص سيرة، في حيان في رواية السيرة يكون الغياب والنفي قرينة، ثم تطرّق لدراسة القرائن الدالة على ماهية النوع، باعتبارها علامات / إشارات تشي ببعض التوجيهات / لانتماء النص للجنس السيري. أما الباب الثاني، فقد جاء بعنوان ‘المكونات الفنية في رواية السيرة الذاتية’، وكان بمثابة اختبار للفروض السابقة من خلال تحليل النصوص، وانقسم الباب إلى فصلين الأول ‘أنماط التشكيل في رواية السيرة الذاتية’، درس خلاله أنماط / أشكال (الرواية، السيرة الذاتية، السير الروائي، اليوميات، الحلقات القصصية، النص الرحلي). وأختتم هذا الفصل بدراسة تمثيلات الكتابة السير ذاتية، وناقش فيه علاقة رواية السيرة الذاتية برواية المرأة، ورواية الغربة، وأخيراً رواية السجن. أما الفصل الثاني من (الباب الثاني) فجاء بعنوان ‘بنية رواية السيرة الذاتية’، ودرس خلاله تحليل بنية رواية السيرة الذاتية، في ضوء العناصر الأساسية مثل (الشخصيات، ووضعية الراوي، والسرد وطرائقه، والزمن وطبيعته، وأخيراً المروى له ودرجة حضوره). هكذا سعى المؤلف للوقوف على حدود نوع أدبي، أضحى الآن رائجاً لكثير من المبدعين حيث تصبح الذات موضوعاً للكتابة، وقد تكون في أحيان كثيرة ملاذاً للخلاص والنجاة ولا نقول تحقيقاً للوجود كما أرادها الكثير من الكتاب بمختلف أجناسهم ذكورا أو إناثا، فكانت كتابة الذات كرقش لهذه الذات، في النهاية نقول إن أصل هذا الكتاب هو رسالة دكتوراة تقدم بها المؤلف لقسم اللغة العربية بجامعة القاهرة، ونال عنها مرتبة الشرف الأولى تحت إشراف الأستاذ الدكتور طه وادي رحمه الله والدكتور أحمد عبد العزيز، والناقد الدكتور حسين حمودة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية