رام الله ـ من توفيق العيسى: لفانوس رمضان وقع خاص في النفوس والعقلية الجمعية العربية لبلاد الشام ومصر، فلقد ارتبط هذا الشكل المادي للتراث بشهر رمضان، وإن كان معظمنا لم يعش تلك الحقبة الزمنية التي كان للفانوس والمشاعل فيها ذلك الدور الوظيفي الهام في حياة الناس إلا أننا تعرفنا إليهما عبر الأعمال الدرامية المصرية والسورية والذاكرة الشفاهية، ولذلك بات الفانوس طقسا رمضانيا يضاف إلى الطقوس المتعددة في كثير من البلدان العربية، وهو جزء من سهرات واحتفالات سنوية لها بهجتها وحميميتها ومتعتها الخاصة، الأمر الذي حذى بعدد من البلدان العربية كمصر والأردن وسورية إلى احياء هذه الاحتفالات بل والتسابق إلى تميزها وتكريسها عادة رمضانية وتقليدا سنويا يضفي على المجتمع رونقا خاصا. في هذا العام أقام المسرح الشعبي في مدينة رام الله فضاء احتفاليا رمضانيا، في حرش العمري بشارع الارسال، لتدخل فيه فلسطين إلى سباق المدن في هذا الشهر، حيث يستضيف عددا من الفرق الفنية والمسرحية في جو عائلي عارضا التراث من أغان ورقصات وحلويات رمضانية ومعارض للصناعات التقليدية.
وفي هذا الإطار يتحدث المخرج فتحي عبد الرحمن مدير جمعية المسرح الشعبي عن هذا المهرجان بقوله: فوانيس رمضان تظاهرة ثقافية فنية تراثية تأتي في شهر رمضان الذي تتجمد فيه غالبية النشاطات الثقافية والفنية وذلك لانشغال الناس بطقوس رمضان، ونحن نرتأي بانه لا يوجد تناقض بوجود نشاطات ثقافية وفنية وتراثية كجزء من هذه الطقوس، فعبر التاريخ في شهر رمضان كان هناك أشكال من الفرجة الشعبية والفنون الشعبية التي كانت تقدم في العواصم العربية سواءا في مصر أو دمشق وبغداد وغيرها اضافة إلى أشكال الفنون الأخرى المسرحية وعروض الرقص والدبكة والغناء، وهي فرصة أيضا لتقديم معرض شامل للحرف والصناعات التقليدية وهو جزء من التعبير عن الهوية الثقافية العربية والاسلامية.
أما الفنان وليد عبد السلام فيرى أن هذه الأجواء الرمضانية مفقودة في فلسطين، فلرمضان الجانب الديني الصلاة والتراويح صلة الرحم وهذا واضح أما الجانب الآخر وهو الجانب الترويحي الذي يشعرك الانسان بالاختلاف في هذا الشهر عن بقية أشهر السنة، وهذا المهرجان يؤسس لمثل هذه الأجواء الموجودة في كثير من الدول العربية، ويضيف عبد السلام، وجود معرض للحرف التقليدية، الحلويات، والطابع التراثي بشكل عام شيء مهم ويجيب تعميمه على باقي المدن الفلسطينية ليصبح رمضان شهر للحياة والفرح وليس للطبخ والعزائم فقط، اضافة إلى أن مثل هذه الأجواء تعزز القيم الجمعية واختيار هذا المكان جميل جدا ومناسب لمثل هذه الاجواء الذي يتيح مساحات للجلوس والمعارض والعروض الفنية، ومن المهم تعزيز مثل هذه التجربة واستمرارها.
السيدة نادية كنعان مقدمة برامج ثقافية في تلفزيون فلسطين فقد رأت في هذا المهرجان خرق لجميع العادات في فلسطين، ففي فلسطين ورام الله تحديدا تعودنا على المهرجانات في فترة الصيف وقبل شهر رمضان تحديدا، فجاء هذا المهرجان لكسر هذه العادة بعمل شيء مفيد وممتع ثقافيا وفنيا وليجد الناس مكان جميلا للسهر، فوانيس رمضان مهرجان يقدم عروض يوميا وباستطاعة العائلة أن تحضره جميعها ليشاهدوا الصناعات التقليدية وليتعرفوا على الحلويات الفلسطينية ويتابعوا العروض الفنية والثقافية وبامكانهم الجلوس بجو عائلي حتى أن الاسعار رخيصة وليست باهظة وتضيف كنعان الاجواء الرمضانية وهذه الطقوس الاحتفالية ليست جديدة هي موجودة ولكن بمطاعم ومقاه مكلفة جدا، الجو الموجود في هذا المهرجان مختلف بمعنى ان هناك فرق مميزة معروفة على الساحة الفنية تؤدي أغاني وطنية وفنية وطرب عربي، واحياء للتراث الفلسطيني والعربي، ووجود السهرات الرمضانية التي يحاول المهرجان أن يرسخها.
في رمضان تعود المشاهد على متابعة الأعمال الدرامية، ويعتبر جهاز التلفاز هو سيد الامسيات والسهرات الرمضانية، حيث توفر وفرة الأعمال وكثافتها مساحة واسعة من المشاهدة المتنوعة، الأمر الذي يجعل من هذا الجهاز وهذه الأعمال الفنية مؤثرا إلى درجة كبيرة وسارقا لأفئدة المشاهدين، ليصلوا إلى حد الاستغناء عما عداه في كثير من الأحيان، وهذا ما يفرض تحديا على هذا النوع من المهرجانات في قدرتها على اجتذاب الجمهور، وفي هذا الموضوع يتسائل وليد عبد السلام، كم مسلسل يمكن أن يتابع الشخص؟
، فرصة المهرجان أهم من فرصة متابعة المسلسلات، والتي يعاد بثها أكثر من مرة في اليوم الواحد و يعاد بثها حتى بعد رمضان وعلى طول السنة المسالة أن هناك تسويق تجاري ذكي لها وحشر جميع المسلسلات في رمضان لدرجة أن المشاهد لا يستطيع متابعتها كلها الأمر الذي يؤثر على كثير من الاعمال التي لا تأخذ فرصتها في هذا الشهر، وجود مهرجان رمضاني في رام الله أهم من حضور مسلسل.
ونادية كنعان ترى أن أمام التلفاز الجمهور يتعلم الكسل، فقط يشاهدونه ويأكلون فقط حتى أن هناك أناس لم يعد لديهم وقت للعبادة في ظل المتابعة المحمومة للبرامج التلفزيونية ونحن نتحدث عن فئة من الناس وليس الكل طبعا، المسرح الشعبي تحدى فعلا التلفاز بأنه خلق مثل هذا المهرجان وأتمنى من الناس أن تتعود الحضور وعن الأجواء الرمضانية الاحتفالية وهل هي موجودة وعادة في المجتمع الفلسطيني أم لا يعتقد وليد عبد السلام أن هناك أجواء احتفالية رمضانية في القرى، لكن هناك مهرجانات تنظم خلال العام والكل حريص أن ينهيها قبل رمضان، وكأن اقامة أمسيات في رمضان أمر غير مقبول، على الرغم من ان هذه المهرجانات في دول أخرى مناسبة وفرصة لمنافسة التلفزيون، فعندما يكون هناك كثافة سكانية وتقليد وعادة للمشاركة ولحضور هذه المهرجانات يصبح هناك تعزيز ومن هنا أشعر انه اذا كان نجاح هذا المهرجان يصل إلى مستوى معين ومهما كانت نسبة نجاحه فهو ناجح لأنه فرض هذا التقليد وضرورة وجود أمسيات في رمضان وضرورة أن تكون هناك فضاءات ثقافية وايجاد مساحة للعائلة لترفه عن نفسها بعد تعب الصيام والعمل. في القدس أصبح هناك تقليد سنوي لمثل هذه المهرجانات وتم ترسيخه في البلدة القديمة ومنذ سنوات، في رام الله وهي المدينة ذات الطابع الثقافي يمكن أن يتحول بها هذا العمل إلى تقليد وينجح لكنه بحاجة إلى مثابرة وتصميم على تثبيت الفكرة في وعي الناس.
ويضيف فتحي عبدالرحمن حول فكرة المهرجانات وتغيبها عن شهر رمضان أن الفاعلين في حقل الثقافة والفنون عادة ما ينشطون في شهري 6 و7 وكانت ذروة النشاطات في هذا الشهر تحديدا، فهناك عدم توزيع عقلاني للأنشطة في فلسطين ورام الله تحديدا، حيث تتكثف النشاطات والمهرجانات في شهر أو شهرين وباقي السنة تكون النشاطات ضعيفة ومتفرقة، في حين لو توزعت هذه المهرجانات والفعاليات على طول السنة فستكون الحياة الثقافية انشط، ولو توزعت بين رام الله كمدينة رئيسية ومدن أخرى فسيكون هناك عدالة في توزيع المنتجات الثقافية، وهذه التجربة تستهدف ترسيخ العمل والنشاط الثقافي والفني في شهر رمضان وأن يكون مساهمة الفرق الفنية والمبدعين في احياء طقوس ثقافية في شهر رمضان.
ويذكر أن مهرجان فوانيس رمضان يقام للمرة الأولى في مدينة رام الله، وقد استضاف المهرجان عددا من الفرق الفنية كفرقة وشاح وأوتار الفن وبراعم الفنون وراجعين للغناء وفرقة مقامات القدس وجوقة القدس للانشاد الديني وسيقدم المهرجان في الايام القادمة عددا من الفرق الفنية والعروض المسرحية كمسرحية لعبة الشاطر وخطايا لفرقة المسرح الشعبي وعروض لمسرح يويا.