الوعد والشرارة في قصائد ألسكندر فيدنسكي أحمد محمّد أمينأحياناً، وربّما مصادفة ً، تنهالُ التعليقاتُ على كتابة ما: قصيدة أو مقالة أو قصّة. وقد يبلغ عددها الخمسين. لكنّ ما كتبهُ الجنابي عن الشاعر المستقبلي فيدنسكي برغم ثرائه الإبداعي والجمالي لم يحظ سوى بأربعة تعليقات. وأظنّ كلّ الظنّ أنّ شعر فيدنسكي يستدعي حالة مُغايرةٌ من القراءة، ليست كقراءة أيّة قصيدة عابرة.. فما ان تقرأ فقرات منها حتى يتملكك الضجر والتعبُ. فنحن اعتدنا السهلَ المُيسّر والوجبات السريعة من القراءة من دون أن نرهق واعيتنا في الفهم والاستيعاب والتحليل والتأمل. فقصائدُه تستدعي منا الصبرَ والمطاولة والغور في ما وراء الجملة الشعرية. كما أنّ شعره جاف صادم غير مألوف لمعظم قرّاء العربية. ولعل أكثر من مترجم نأى بنفسه عن ترجمة أشعارهذا الشاعرالذي لم نسمع به الا مؤخراً، بسبب اليد الحديد التي قمعت مبدعي روسيا المُجددين في مبتدأ الحكم السوفييتي. ما عدا قلة ً قليلة ممّن يُتقنون اللغة الأجنبية.. والمترجمون لا يُغامرون في ترجمة أيّ شاعر الا اذا كان ذائع الشهرة. اذكر أنّ قصائد اليوت تُرجمت عشرات المرّات، وآخرون مثله لا يتسعُ المجالُ لذكرهم. بيدَ أنّ الجنابي بجَلده واصراره وبصيرته الحداثية خاض هذه المغامرة ونجح أيّما نجاح. اعترفُ، وأنا قارىء مخضرم صبور أبحث عن خيوط الحداثة فيما أقرأ، ألهثُ وراء المجازات والصور غير المستهلكة، التقطُ منها ما يبلورُ عدتي الكتابية، أن قصائد فيدنسكي اتعبتني وصدتني مراراً عن مواصلة القراءة. لكني عنيد، وهذه فرصة لا تتوفر لي في كلّ أوان. لذلك تمسكت بتلبية رغبتي ولم أندم أبداً. كما أعتقدُ أن المترجمين، وبضمنهم المبدع المثابر الجنابي، قلما يوفقون في ايصال صوت فيدنسكي الى القرّاء على حقيقته. هذا الشاعر فيه مسٌّ من الجنون والعبقرية والغموض يُحلقُ في حلم سريالي يستقدم من سديم المستقبل ما نعجزُعن قبوله واستيعابه. فهوعبثيّ وجاد ومشاكس يحزّ صبرَ قارئه مثل سكين ظامئة مستفزّة تجرحُ البصر والبصيرة. تُذهل وتخربُ الذائقة. فاذا كان شعرُه مثلَ وجبة طعام يستحيلُ على الجائع تناولها، فما أصعبَ على الجنابي ترجمته، وما أوسعَ مُطاولتَه حين ترجم بعضَ قصائده المغلقة والعصية على الفهم. آناً تكون قصيدته شظية جغرافية أو معادلة رياضية أو كيميائية. تُذهلُ قارئها، أو سباحة ضدّ التيار الجارف يستغرقُ مستهلكه في الغرق. وبصعوبة يفلتُ من سطوة التيار ثمّ يصحو ويتنفسُ. وحيناً تُتخمُ بالرموز والإشارات والتماهيات المُلغزة، تقفزُ الصور فيها من وضع الى وضع مُغاير، ومن حال الى حال. لنسمعْ بعض هذياناته المستحبة / الأرضُ تطيرُ / النجوم تتوثبُ / الليلُ يجلسُ على سجادة السماء/ مقطع من:’الثلوجُ تتمدّدُ’ الغريبُ هنا جلوسُ الليل على السجادة. وطيران الأرض: مأوانا ومستقرّنا. وكذا:/ ينامُ النهرُ الطائشُ، غير واع الى أن القمرَ في كلّ مكان / من المقطع نفسه: فالنهر، أبداً لا ينامُ، لكنه يموتُ أوانَ الجدب.. والبشرُ ينامون ليلاً حتى ولو كان القمر في وسط السماء. كأني به يطلب من النهر أن يسهر مادام القمرُ طالعاً. فلربّ ظانّ ٍ يظنّ أنّ الشاعر يائسٌ وميؤوسٌ منه، يتخبّطُ ليُمشّط َ خيوط َهذيانه. وليس يعنيه أن يفهمه ويسمعه أحدٌ، حسبُه أنه يُنصتُ لصوته فيرتاحُ اليه، حتى لو أربك قارئه. ومن الصور التي ما اعتدناها: / كنتُ نائمة ً، تثاءبتُ زاعقة ً، فأرعبتُ الموقدَ / هنا فيدنسكي يستنطقُ الجماد أو يُضفي عليه صفاتٍ بشرية، فيمنح الموقد روحاً ليرتعب. / المقطع نفسه / ويذكرُ في مكان آخر: / أمّا أنا فطرتُ كنقّارأخضر. مُتخيّلاً أني أطيرُ /لقد كانه فعلاً، الا أنه يستدركُ، ولا يُصدّقُ نفسه. ليقول: متخيًلاً أني أطيرُ./ من مقطع: دعوةٌ اليّ للتفكير.
ومن العبارات الشعرية التي تفاجئنا وتصعقنا في آن: والخيولُ الغسقية ترقصُ، في يد العشب المُتحكم /… الموتَ غنّينا، غنّينا العارَ، واعتبرنا التذكّرَ وقاحة، لهذا نحنُ نحترق /…… فعند تنفس ِاللحن الموسيقى، تتنفسُ أيضاً القصيدة ُ /. .. دعِ الجدولَ البلوري يَسِلْ، وليُزدْ خببَه حصانُ المرأة /. … نجهلُ البهجة َ، نشعرُ بالقسوة والضيق نحو أصدقائنا / من مقاطع مرثية.
ألا يرى القارىء في هذا الشعر جنونا حلّ بالشاعر، فالتناقضات المتنافرة فيه مثل صدام بين نيزك وآخر، مأهولة بغرائبية مقبولة على صعيد الشعر.
لكن المنطق يرفضها، فله حساباته الجدلية العاقلة. وعلى الرغم من تفكك بنائية شعر شاعرنا وتخلخل العبارة الشعرية، وافتقارها التلاحم والنسق أحياناً، فإنّ الدفق الشعري فيها جارفٌ ومُحيّرٌ مُربك: / الزهرةُ أكثرُ حكمة ً من الإنسان، تُريدُ اسماً لها / من حوارية في نفي الزمن، القصيدة الاُولى. / يحومُ هذا الطائرُ الضوئي…. غالباً ما يأخذُ مظهر مزمور / من مقطع: كولوكولوف../ أيّها الطائرُالصغير إنك انتحارٌ أو تخلّ ٍ./. . سألتقطُ جزءاً من هذا الليل، لكن سيان عندي / مقطع كوخارسكي. … ألمْ تُفرّطْ بالأثير؟ / كوخارسكي 1 / لتلمع ِ الشمسُ في السماء كنخلة ٍ، لكنّ الضوءَ لا يُضيئني /. .. كلّ واحد باهتٌ الآنَ والباقي كما هو / كوخارسكي 2 /… لنغنّ ِسطحَ الاُغنية / كوخارسكي 3 /. … الأشياءُ كالموسيقى، تقفُ ساكنة /. .. من الظلام طلع الضوءُ /. … من مقطع أغنية الدفتر.
انّ قارىء هذا الشعر ليحتارُ ويُصدَمُ، تعروه الصدمة. وربّما يتساءلُ، وهو مُحقّ: الى أيَ جنس ينتسبُ هذا الشعرُ أهو نثرٌ خالصُ أم شعرٌ؟ ولعلّ سؤالَه يذهب به بعيداً: فيمَ يتكلمُ فيدنسكي: انه يتعاطى تارة الفلسفة، وآناً سريالي مُتمرّد غير مهم لديه أن يكون واضحاً مفهوماً. وفي حين آخر يتحدّثُ عن معلومة فيزيائية أوجغرافية. ويقول أيّ شيء في كلّ شيء. فايّ عاقل سيقولُ: لأنّ الموت هو توقف الزمن، المعجزةُ مُمكنة ٌ لحظة َ الموت /. .. الزمنُ يأكلُ العالم / اننا نعرف علمياً أن الزمن لا يتوقفُ أبداً، بل الميتُ سيكون بلا زمن. كونه خرج من ساحته الى المتاه العدم. عموماً، يبدو لي من خلال هذا العرض الموجز، ان شعره تارة ً يتصعلكُ في المجهول وفقاً لحالته الإنفعالية معبّرأ عن شجنه ويأسه وسخطه على الوضع السياسي أيامئذ ٍ، مُجرّداً من ومضات الفرح والأمل، هنا يكون تحت سطوة عاطفية ذاتية يُحدّثُ نفسه كما لو كان شخصاً غريبا أو يغتربُ بعيداً فيُصرّ على مشاغبتنا بتماهياته وتورياته المسكونة باللامبالاة. وفي تارات اُخرى تبهتُ الشعرية ُ لتخرجَ عن سياق الهمّ الإنساني وتنحو منحىً علمياً وفلسفياً بعيداً عن الشعر، لكن لا تخلو من انثيالات وجدانية تلامسُ الشعرية. فيا حبذا لو قام الجنابي بطبع هذه الأشعار ويُضيف اليها ما يُمكنُ التقاطه من مصادر لم يصل اليها بعدُ. كما انّ الترجمة تعاني من ترهلات لفظية، جرّاءّ طغيان حروف العطف والجرّ التي لا مبرر لها. لكني واثق أن هذا العمل امتدادٌ لجهود الجنابي المستمرة التي ظلت تعزز مكانته الثقافية من دون كلل أو يأس. لقد أثبت فكراً وابداعاً، في منجزه هذا، انه ما زال عشبةً طرية تتحدّى المستحيل العويص وتُثري ساحة الإبداع.