الروائي بهاء طاهر: لا أتصرف ككاتب محترف وإن لم تواتني الكتابة لا اكتب!

حجم الخط
0

عمان ـ ‘القدس العربي’ ـ من سميرة عوض: ‘بهاء طاهر ولد ميلادا جديدا يوم 11 شباط/فبراير 2011، وقلت في ذلك الوقت، وأقولها الآن، انني في ذلك اليوم فرحت فرحا يكفي عشرة أعمار، على الأقل، وأقول أن ما يصيبني من حزن أو قلق، سأخصمه من فرحة عمر واحد لا غير. وأعيش فرحة بقية الأعمار’. يدهشك ببساطته، وعفويته، فعلى مدار ساعتين جرى هذا الحوار، الذي كان يمكن أن يمتد لساعات أخرى، لولا أنه ـ كاتبنا وضيفنا- بهاء طاهر كان عائدا من يوم أمضاه بين شاطئ البحر الميت، ومدينة مادبا، مرورا بجبل نيبو، ويلفتك أن بهاء طاهر شاب متحمس وهو ـ في ثمانينه- أطال الله عمره- مؤمن بدور الشباب وبقدرتهم على التغيير، أسئلة كثيرة لم نسألها، وإن كنا كنا نشكر صبر ضيفنا العماني الهوى الكاتب المصري بهاء طاهر.. الذي جعلنا نتيقن من إيماننا بالكلمة بوصفها فعل تغيير.

طالب الروائي المصري بهاء طاهر بقبوله عضوا في رابطة الكتاب الأردنيين، فرحبت ‘الرابطة’ ملبية طلبه، ليعلن من فوره – وقد أصبح عضوا في رابطة الكتاب الأردنيين- عن تبرعه بقيمة جائزة ملتقى السرد العربي الثاني- دورة مؤنس الرزاز التي تسلمها في العاصمة الأردنية، لإنشاء صندوق لترجمة الأدب الأردني، جاء ذلك إبان احتفاء رابطة الكتاب الأردنيين بالروائي المصري بهاء طاهر الحائز على الجائزة والتي تبلغ قيمتها 5000 دينار أردني (زهاء 7000 دولار). فإلى تفاصيل الحوار مع المبدع الإنسان بهاء طاهر، علنا نضيء ‘عتمة اليأس’ وننشر بهاء الأمل، وطاهرة المحبة. أحب عمان كثيرا*تأتي لتكرمك عمان ولتتسلم جائزة ملتقى السرد العربي الثاني – دورة مؤنس الرزاز 2010، فتكرم عمان.. ماذا عن هذا التكريم المتبادل؟*عندما أكون في عمان فهذا تكريم بحد ذاته، لأن عمان بالنسبة لي مدينة عربية بمعنى الكلمة، ، فأنا رجل عروبي وناصري أيضا، ولا اخفي هويتي، وأنا أحب عمان كثيرا ولا اعتقد أنني قدمت بقدر ما قدمت لي.

واجبنا كمثقفين أن نرد لها هذا العطاء *بالعودة إلى مناسبة الزيارة.. وهي تسلم جائزة السرد- دورة مؤنس الرزاز.. وها أنت الآن عضو رابطة الكتاب الأردنيين تلبية لرغبتك… كيف قوبلت هذه العضوية وكيف ترى إليها؟*عمان قدمت في هذا السياق الذي نتحدث عنه للثقافة العربية الكثير، وأعتقد أنه من واجبنا كمثقفين أن نرد لها هذا العطاء. والحقيقة أتشرف بان يكون اسمي إلى جانب أسماء الكتاب الأردنيين شيبا وشبابا، وأشكر رئيس الرابطة سعود قبيلات الذي لبى الطلب مباشرة أثناء حفل التكريم معلنا: ‘باسمي وباسم الهيئتين الإدارية والعامة نتشرف بقبول عضويتك في رابطتنا’. هذه حلقة وصل بيني وبين عمان دائما*مارست عضويتك كما ينبغي لمبدع حقيقي، وها أنت تتبرع بالجائزة لإنشاء صندوق لترجمة الأدب الأردني.. وهو ما اعتبره كثيرون نبلا حقيقيا؟*هذا شرف لي في الواقع أنا تشرفت بأن أصبح عضوا في رابطة الكتاب الأردنيين، وقبل طلبي للانتساب للرابطة وأنا سعيد بهذا وستكون هذه حلقة وصل بيني وبين عمان دائما إن شاء الله، هذه الرابطة التي تشرفت رئاسة مؤنس الرزاز في وقت من الأوقات وتتشرف بان ينضم إليها كثير جدا من المبدعين الأردنيين، اعتقد انني سعيد أن أكون فردا من أسرتها.

أنا لست من ذوي الثراء أبدا، لكنني أعتقد أن الثراء لا يكون ماديا فقط، ممكن جدا الواحد يقنع بما يكفي لإقامة أوده وأن يقدم عطاء بما يتجاوز هذا، يعني أنا في مصر قدمت جائزة لمدينة الأقصر – التي هي مدينتي- وتبرعت أيضا لإقامة قصر ثقافة هناك، بقطعة الأرض الوحيدة التي أملكها ما عندي غيرها، يعني هذه قطعة الأرض التي ورثتها عن أبي قدمتها إلى مدينة الأقصر لكي يقام عليها قصر ثقافة، ولكن العطاء المادي الحقيقة ليس كل ما يمكن للكاتب أن يقدمه ولكن من المهم أن يقدمه، بمعنى أن الكاتب يقدم لوطنه ولمجتمعه ما هو أكثر بكثير من المادة ما هو أكثر بكثير من الأشياء المحسوسة، كنت أقول منذ فترة قريبة يعني أن المجتمعات العربية على وجه التحديد مدينة لمثقفيها بالكثير وأنا الفت كتابا عن هذا اسمه ‘أبناء رفاعة’ اقول ماذا قدم المثقفون لوطنهم؟ بخصوص هذا السؤال، فالمثقفون في الواقع منذ بداية عصر النهضة وحتى الآن قدموا تضحيات من حرياتهم وحياتهم وإحساسهم بالغربة ونفيهم من أوطانهم، وقد آن الأوان في تقديري أن تقدر المجتمعات العربية مثقفيها ليس فقط تقديرا ماديا وإنما أن تقدر لهم أدوارهم وإعمالهم بان تضع رسائلهم التي ظلوا يبثونها على مدى عشرات السنين موضع التطبيق، هذا هو التكريم الحقيقي للأديب والمثقف والإعلامي، يعني ما جدوى أننا نقرأ مثلا قصيدة لدرويش ونعجب بها جدا، وبعدها لا نقدم شيئا للقضية الفلسطينية، ماذا يعني؟ ماذا أفاد درويش من إعجابنا… بالقصيدة، أي لا بد أن نكون فاعلين- هذا مثال جاء لي عفو الخاطر- لكن كثيرين جدا من المثقفين ضحوا بحرياتهم واستقرارهم وحتى بوجودهم في أرضهم، أفقدوهم الانتماء إلى أرضهم بسبب رسائلهم التي تضمنت أعمالهم، وأنا أحد من تعرضوا لهذه التضحية، ذلك أنني أرغمت على أن اترك بلدي لحوالي خمسة عشر عاما، بل عشرين عاما تقريبا، بسبب خلاف سياسي مع نظام السادات، في الواقع لا يرضيني عوضا عن هذا العمر المهدر أن يكرمني المجتمع بأي صورة من صور التكريم… شكرا.. شكرا للتكريم… ولكنني أشعر بأنني قد لقيت تعويضا مجزيا عندما اشعر أن ما كتبته يوضع موضع التطبيق، هذا التكريم الحقيقي للكاتب، أي كاتب يعني، وكما قلت لك، يمكن هذه مغالاة مني، لكنني اعتقد أن المجتمعات العربية، مدينة لمثقفيها بهذا الدين. أكبر مجد حصلت عليه من الكتابة*ماذا عن سيرتك الإبداعية الأولى.. متى عرف الطفل بهاء طاهر أنه سيكون ما هو عليه الكاتب بهاء طاهر الآن؟ *ولا عمري عرفت، لكنني فوجئت، وأنا تلميذ في المدرسة الابتدائية بان قصة ما كتبتها في ذلك الحين، كنوع من الرد على امتحان من الامتحانات طلب منا المدرس لم أعد أذكر على الإطلاق هل حدد موضوعها أم لم يحدد، أعجب بها المدرس وناظر المدرسة، وكان في ذلك الوقت ما يسمى بطابور الصباح ونادى الناظر على أسمي، وقال لزملائي الطلبة المصطفين في الطوابير، وقدمني للطلبة وقال لهم إن زميلكم بهاء كتب قصة، وقررنا أن تكون القصة موضوع إملاء على كل فصول المدرسة، فأنا وصفت هذه الحكاية بأنها أكبر مجد حصلت عليه من الكتابة. لا أعتقد أن أي شيء كان يوازي السعادة التي سعدت بها في ذلك الوقت، لكنني لم أقرر في حينها أنني سأحترف الكتابة في ذلك الوقت، فهذه عملية تمر بالتدريج من خلال ممارسات، على أيامنا لم يكن لا تلفزيون، وكانت الإذاعة اختراعا مهما في ذلك الوقت، فلم يكن هناك حاجة تسلي الإنسان أكثر من القراءة، ووالدي – رحمة الله عليه- كان عنده مكتبة كبيرة في المنزل، ففتحت عيني على القراءة، وبعدين كان عندنا العطلة الصيفية اللي كانت تستمر لشهور على أيامي، فكانت التسلية لنا – لي ولغيري من التلاميذ- بأننا نكتب، بعضنا يكتب خواطر، وبعضنا يكتب شعرا، وهكذا العملية استمرت بالتدريج، إلى أن انضممت بعد ذلك إلى الجمعية الأدبية في كلية الآداب اللي كانت تضم الكثير من الشعراء اللي صاروا مشهورين في الساحة الأدبية بعد ذلك، ومن النقاد والقصاصين، ودي كانت المدخل لأي الواحد لاحتراف الأدب، لم يكن في ذلك الحين أي شيء يساعد أو يشجع الواحد أن يمتهن الأدب، وعملية النشر كانت في غاية الصعوبة، لم يكن يمكن للواحد أن ينشر قصة قصيرة إلا بشق الأنفس، ولم يكن يقبل هذا النشر إلا رؤساء تحرير معدودين ولم تكوني تحصلين على عائد مادي من هذه الكتابة، ولكن في كان أحد الكلاسيكيين العرب يقول ‘أصابته حرفة الأدب’ فكانت تصيبنا حرفة الأدب من غير مناسبة. كما لو كنت لم أغادرها قط…*وأنت المولود في الجيزة قرب القاهرة بدايات عام 1935.. ماذا عن الجيزة بوصفها المكان الأول للطفل والكاتب بهاء طاهر؟*يحضر باستمرار في الواقع وأنا كتبت رواية ‘خالتي صفية والدير’ بعد إقامتي في الغرب في مدينة جنيف، لمدة عشر سنوات ولم أكن قد رجعت إلى قريتي، في الكرنك قط، خلال هذه السنوات العشر ففوجئت ـ بمعنى أنني فوجئت وليس ادعاءا- بان صورة القرية حية في ذهني، كما لو كنت لم أغادرها قط، فسألوني الناس كيف هذا يعني، فقلت لهم في الغالب الشيخوخة هي الإجابة، لان الواحد مع الشيخوخة يرجع لعالم الطفولة، بشكل تصبح صوره أوضح في ذهنه مما كانت وهو معاصر لها، يعني شيء غريب، يعني، شيء أنا شخصيا فوجئت به، الجيزة ماثلة في ذهني كما لم أغادرها قط، بهذا المعنى، قضيت فيها فترة متصلة حتى سن الثلاثين، وكانت نزهاتنا الأسبوعية مع الأسرة إما أننا نذهب إلى الأهرام، ومنطقة الأهرام وأبو الهول والمنطقة الأثرية المعروفة عالميا، أو أننا نذهب كأسرة إلى حديقة الحيوان القريبة أيضا، لذلك يمكن أن تلاحظي وقد لاحظ كثيرون، أن الحياة العضوية ماثلة جدا في كتاباتي، النبات والحيوان تلعب دورا في المجموعة الاخيرة واسمها ‘لم أكن أعرف أن الطواويس تطير’، وهي ليست ‘كليلة ودمنة’، لكن الحيوانات القطط والكلاب وغيرها تلعب دورا كبيرا فيها، وفي روايات أخرى يلعب الحصان دورا رئيسيا لأني أيضا في القرية كل شيء يلفت النظر تماما ويعشقه الإنسان، فالحياة العضوية كانت دائما تلعب فيما اكتب وأعتقد أن هذا بسبب انني كنت أذهب كثيرا في الجيزة إلى حديقة الحيوان، طبعا أيضا منطقة الأهرام وأبو الهول ربما تمثلت في كثير من كتاباتي التي تعرضت فيها للثقافة المصرية القديمة، ولمصر القديمة مثل رواية ‘قال الضحى’ أو رواية ‘واحة الغروب’ أخر رواية كتبتها، وفيها الكثير من الأحاديث عن الآثار المصرية القديمة، ويمكن أيضا الجيزة لعبت دورا أساسيا في حياتي لأننا كنا نسكن في جوار النيل وكنا نتحدث الى النيل، وكانت النزهة أن نتمشى على ضفاف النيل وما زال تأثري بهذا النهر العظيم موجودا في كل ما اكتب.

يوسف إدريس العظيم قدمني للقراء *كيف تستذكر البدايات الإبداعية الأولى؟ وأوائل القصص المنشورة؟*كانت من أوائل القصص، وكنت قد كتبت قبلها الكثير من القصص، ولكنها تميزت بميزة هائلة، وهو أن من قدمها في مجلة ‘الكاتب’ هو عملاق القصة القصيرة المصرية والعربية الدكتور يوسف إدريس – رحمة الله عليه- ولا استطيع أن اشرح لك مدى اعتزازي منذ حينها وحتى هذه اللحظة بان يكون يوسف إدريس العظيم هو من قدمني ككاتب للقراء، وأشعر أيضا بدين أحاول أن أرده بأن أقدم للكتاب الشبان قدر ما أستطيعه بمثل ما قدم لي يوسف إدريس حين قدمني. الإذاعة وبرنامج ثقافي لم يكن له أي سابقة… *وأنت روائي وقاص، إضافة إلى كونك مسرحيا ومترجما، وإذاعيا عتيقا، وكاتب مقالة، ودراسات أيضا، وناقدا مسرحيا، وخبيرا في شؤون السيناريو والدراما.. كيف تمكنت من إتقان كل هذه ـ الخبرات المهنية- التي تتكامل أحيانا.. وتتقاطع في أحيان كثيرة؟*أتقنت هذا حكم قيمة، أنا لا أحكم على نفسي، لكنني عملت في هذه المجالات أما أتقنت أو فشلت فهذا موضوع آخر، لكنني أحببت جدا العمل في الإذاعة لأنه كان عملا رائدا، نحن كنا مجموعة صغيرة كلفنا بإنشاء أول إذاعة ثقافية في الوطن العربي، كنت حديث التخرج، كان عمري في أول العشرينات، 21-22 سنة في ذلك الوقت، كان لنا رائد هو رحمة الله عليه الأستاذ سعد لبيب كلف من إدارة الإذاعة بإنشاء إذاعة ثقافية، وكان ذلك في وقت كانت مصر كلها تبحث فيه عن الجديد، كان في بداية الثورة المصرية، ثورة 23 يوليو، وكان العمل في أي مجال مثلما كان في السد العالي مثلما كان في الإذاعة مثلما كان في قناة السويس، العمل نوع من كشف الهوية، أي اكتشاف الهوية، فكنا نعمل بحماس منقطع النظير، اذكر أننا كنا نبقى في الإذاعة من بدء الصباح حتى آخر الليل، لسنا مكلفين من احد، ولكن كنا نعمل لأننا كنا نشعر أننا نحقق شيئا أننا نعمل شيئا، كنا نخلق برنامجا ثقافيا جديدا لم يكن له أي سابقة، ما كان هناك ‘سابقة’ نقلدها، لكننا بالتدريج اكتشفنا ما هو البرنامج الخاص، ما هي التمثيلية الإذاعية الثقافية، ما هي المائدة المستديرة، كل هذا اكتشفناه اكتشافا، ما من أحد قال لنا قبل ذلك ماذا نفعل، وفي الحقيقة أن هذا البرنامج ترك تأثيرا هائلا في الحياة الثقافية المصرية، طبعا هو كان برنامج صفوة، بمعنى انه مش موجه للجمهور العام ولكنه موجه للمثقفين ولكنه بدوره في خدمة الثقافة استطاع أن يحقق تأثيرا كبيرا، هذا عن الإذاعة، أما عن الترجمة فقد كانت بالنسبة لي في المقام الأول مصدر رزق لأني عملت في بداية حياتي مترجما في مصلحة الاستعلامات المصرية، ثم بعد ذلك عندما تعرضت للمتاعب لأسباب سياسية وأرغمت على ترك العمل في الإذاعة – في عصر السادات- كانت ملاذا لي أن اعمل في الترجمة في المنظمات الدولية، يعني اتقاني للترجمة خدمني في معيشتي، وفي الترجمة الهواية، بمعنى أنني ترجمت عددا كبيرا من القصص، وأنا ترجمت عددا منها وأنا أعمل في البرنامج الثاني وأذيعت وأنا حزين جدا لأن معظم هذه القصص التي ترجمتها أثناء عملي في الإذاعة فقدت.

لكني ترجمت على الأقل كتابين باقيين في تلك الفترة، مسرحية أمريكية بعنوان ‘فاصل غريب’ لرائد المسرح الأمريكي يوجين أونيل، وكتاب ‘ما هو المسرح’ للناقد إيريك بنتلن، ونشرا، بعد ذلك ترجمت رواية لباولو كويلهو أسمها ‘الخيميائي’ لكن المجلة التي نشرتها بها أعطتها اسم ‘ساحر الصحراء’. وأعتقد أنها كانت مؤثرة جدا، لأن الكاتب نفسه باولو كويلهو جاء مصر بعد ذلك، وقابلني بكل ترحيب، وقال لي انه سمع أن سبب نجاح هذه الرواية في السوق العربية هو الترجمة التي قمت بها، فشكرته. ‘أيها المترجم.. أيها الخائن’…*ماذا عن الإخلاص لفكرة الترجمة.. وهل تفقد الترجمة روح النص.. ما دور المترجم في المحافظة على روح النص الأصلية.. خصوصا وأنك قمت بترجمة واحدة من الروايات المهمة وهي ‘ساحر الصحراء’ – ترجمة لرواية ‘الخيميائي’ لباولو كويلهو؟

بالتأكيد أنت تعرفين المثل اللاتيني المشهور ‘أيها المترجم.. أيها الخائن’، لأنه مهما بلغ إتقان المترجم للغة المنقول إليها واللغة الناقل عنها، من المؤكد أن هناك شيئا سيضيع، ولكن مع قدر من التفاوت في درجة الخيانة، ممكن يعني تكون خيانة بسيطة، وممكن تكون خيانة ثقيلة، لكن كما قلت حضرتك، انه عندما يكون الإنسان له علاقة بالإبداع هو الذي يقوم بالترجمة يصبح أحرص ما يكون على أن ينقل روح النص الذي يترجمه. مثل أستاذي.. أغني للبساطة وبالبساطة*جميل ما قلت، ولكن دعني أسألك كيف يختار بهاء طاهر عناوين قصصه ورواياته.. وما الفلسفة التي تضمنها لعناوينك؟*والله يا أستاذتي أنا أكره جدا الافتعال، وقلت انني عندما اكتب إذا وجدت أن هناك كلمة أبسط من الكلمة التي استخدمتها فأنا الجأ إلى الكلمة الأبسط، يعني أنا أحب جدا أن يكون ما اكتبه قريبا إلى عين القارئ وقلبه في نفس الوقت، فلذلك ابتعد تماما عن المفردات الثقيلة، وعن التعبيرات المستهلكة، ولي أستاذ راحل عظيم -رحمة الله عليه- أكن له كل التقدير والإعجاب الكبير وهو الأستاذ يحيى حقي، له كتاب صغير أنا أعشقه اسمه ‘أنشودة للبساطة’ فأنا مثل أستاذي الراحل يحيى حقي، أغني للبساطة وبالبساطة.

النقد في محنة… والقراءة من ‘البق للودن’*دعنا نستفيد منك وأنت في حضرة عمان، ونحن في حضرتك، كيف على دور حركة النقد العربية.. هل تقوم بدورها في الحراك الإبداعي.. هل تراجع دورها… ؟ ما هو دورها بالضبط؟*أوافقك عليه، وهو شيء محزن للغاية، وهذا بسبب أنني تربيت في مناخ كانت فيه حركة نقدية في غاية الازدهار في مصر كان هناك الدكتور محمد مندور، والدكتور عبد القادر القط ـ رحمة الله عليهما- كان هناك الأستاذ الكبير أنور المعداوي، الذي كان أول من قدم نجيب محفوظ أدبيا، بعد سيد قطب، وطبعا سيد قطب، وكان هناك من أساتذة النقاد المشهورين في ذلك الحين، عدد كبير من أساتذة الجامعة ومن النقاد الين علموا أنفسهم بأنفسهم مثل أنور المعداوي، فكانت حركة نقدية في غاية الخصب وكانت هي حلقة الوصل ما بين المبدع والقارئ، والقارئ كان يثق بأحكام النقاد، لأنه يعرف بأنهم لا يصدرون عن الهوى، ولا يدعونك إلى ما قد تلومينهم عليه، الآن لا اشعر بهذا، ولا اشعر أساسا أيضا بان هناك حركة نقدية، يعني كانت صحيفة الأهرام المعروفة كانت تفرد صفحة، كاملة أسبوعية لناقد عظيم مثل لويس عوض كي يكتب فيه نقدا، وكان الجمهور، جمهور الأدب يتتبع هذه الصفحة بكل شغف واهتمام، أيضا كان الدكتور مندور يكتب في صحيفة ‘الجمهورية’، وكان الأستاذ أنور المعداوي يكتب في مجلة ‘الرسالة والثقافة’، كان لهم منابر محترمة ومقروءة، هم وغيرهم في ذلك الحين، الآن لا يوجد لا المنابر ولا النقاد، واكتفوا في الصحافة الأدبية وغير الأدبية بإعطاء مساحات محدودة جدا في النقد لأقلام لم تثبت وجودها كأقلام نقدية تحظى بثقة القارئ أو بثقة المبدع، النقد في مصر في محنة، ولذلك ينعكس هذا على الإبداع طبعا، ومن المدهشات أنه رغم هذا التراجع في الحركة النقدية، فان حركة إقبال الشباب على القراءة تزيد في اطراد، وبشكل يدهش حتى الناشرين أنفسهم، بمعنى أنني كنت باستمرار يعني على مدى عمري التقي بالناشرين فيشتكون من أن الأعمال الأدبية تخسر ولا تحقق عائدا يبرر نشرها، ويبرر الإنفاق عليها، الآن كلهم يعترفون بان الأدب له جمهوره الكبير، والكتاب الواحد يطبع طبعة أولى وثانية وثالثة ورابعة وخامسة، وأصبح مصدر دخل محترم للناشرين، يعني الناشرين، ‘بقوا’ أغنياء جدا….. (يضحك…..)، يعني كفوا عن الشكوى من أن الكتب لا تباع، وهذا التطور حدث برغم غيبة النقد، كما يقال ‘من البق للودن’. القارئ يقول لزميله القارئ أنا قرأت كتاب ‘كويس جدا لفلان الفلاني’، لكن لم يعد النقد موضع ثقة القارئ على الإطلاق.

راهنت على الشباب ولم يخذلوني*هل لا تزال للكلمة كلمة… بمعنى هل فعلا الكلمة قادرة على فعل التغيير في حياة الفرد والمجتمع؟*دوري محدود، لا يساوي قطرة من دم شهيد، ممن استشهدوا في سبيل الثورة، لا يساوي قطرة من دم أي منهم، هو كان دورا محدودا للغاية، وأنا ضد – وكتبت عن هذا- ضد من يتاجرون بوجودهم في ميدان التحرير، ليست هذه منة ولا تجارة، من قدموا أرواحهم هم كما قلت لك قطرة دم منهم تساوي عشرات أصحاب الكلمات، أنا اعتقد أنا الحاجة التي اعتز بها في هذا الموضع أنني راهنت على الشباب وان الشباب لم يخذلوني، بمعنى أنني كنت من المبشرين بان الشبان، الشبان المثقفين، يمثلون نقلة نوعية جديدة في تطور الثقافة المصرية والعربية، وقدمت عددا من هؤلاء بأسمائهم وبأعمالهم، ولم يخذلوني، بمعنى أن ما حدث في ميدان التحرير كان دليلا أن هذه الثقافة الجديدة التي أعتنقها الشباب كانت هي الثقافة الثورية الحقيقية التي عملت من اجلها أجيالنا منذ عشرات السنين. حركة الشباب لا يمكن التراجع عنها*كيف ترى إلى المستقبل؟ مستقبل الشباب تحديدا؟*بعين التفاؤل الشديد، في الواقع بمعنى أنه قد يكون هناك بعض عناصر القلق في تطورات الأحداث اليومية ولكن هذا لا يهم، إذا كانت تطورات الأحداث اليومية تحمل بين الحين والآخر ما يبعث على القلق أو يدعو إلى القلق فان المجرى الرئيسي للأحداث، المجرى الرئيسي لحركة الشباب لا يمكن التراجع عنها، لا يمكن، لن يسمح بالتراجع عنها، لن يسمحوا هم لأنفسهم، ولا يزال يشهد ميدان التحرير مظاهرات مليونية من هؤلاء الشباب أنفسهم، للمطالبة بالتعجيل في تنفيذ أهداف الثورة، أنا مراهن على هؤلاء الشباب وواثق بقدرتهم على أن يحققوا ما كنا نصبو إليه جميعا، وما كنا نحلم به. الشباب: هذا هو ما يجعلنا نقرأك.*كيف هي علاقتك مع جيل الشباب؟ وكيف هي علاقتهم مع أدبك.. هل يقرأ الشباب نتاجك الإبداعي؟ حدثنا عن هذه العلاقة وآفاقها؟*هذا أكثر ما أفخر به، وقد كانت مفاجأة بالنسبة لي، لأنني كما قلت كنت خارج مصر عشرين سنة، ورجعت، فكان بعض الأصدقاء في اتليه القاهرة عملوا ندوة عن إحدى مجموعاتي القصصية، فذهبت لأحضر هذه الندوة ففوجئت بأن القاعة مكتظة وبأن الناس واقفين على السلالم، وقالوا لي ان هذا حدث نادر جدا، وبعد ذلك، لا أستطيع أن اجري إحصائية لكن ألاحظ أن معظم قرائي من الشباب، وهذا يدهشني للغاية، بقدر ما يسعدني بقدر ما يدهشني، لأنني اكتب عن قضايا، في تصوري، لا تنتسب في المقام الأول إلى جيلهم، وإنما تنتسب إلى جيلي، والشخصيات الشابة ليست متكررة بكثرة في رواياتي، لأني لا اكتب إلا عما اعرف، بالرغم من هذا، كما قلت لك، أشعر بأنني محظوظ مع الجمهور الشاب، لا أحب مديح الذات، لكن احدهم قلت له هذه الملاحظة، أنني استغرب أن الشباب يقرأونني بهذه الطريقة وأنا لست من جيلهم، ولا أكتب عن همومهم الخاصة، قال لي: لكن نحن نشعر فيما تكتبه بنبرة الصدق، وهذا هو ما يجعلنا نقرأك.

لا أعرف ما هو الفيسبوك.. ولكن…*ونحن نرى روحك الشابة.. نود أن نعرف كيف هي علاقتك بأدوات العصر الشبابية، اقصد التكنولوجية؟

يخجلني أن أقول لك انني لا أعرف حتى الآن ما هو الفيسبوك، ولا كيف يستعمل، بناتي يعرفون هذا جيدا ويستعملونه، أنا أقصى ما أستطيعه أنني أتلقى رسالة على الايميل، وأن أرسل رسالة ببطء شديد جدا، لكن هذا الشباب أثبت أن استخدامه لهذه الوسائل التنكولوجية استخدام خلاق ومبدع، يكفي ان الاتصالات كانت بينهم في بداية انطلاق الثورة لتنظيم هذه الثورة كانت من خلال هذه الوسائط التقنية الفيسبوك وتويتر وغيرها. وأظنك تعلمين أن من أول الإجراءات التي اتخذها نظام الرئيس المخلوع لماقومة الثورة هو قطع الإرسال عن الهاتف المحمول، وعن الانترنت ولمدة ليست بالهينة، وليست بالقليلة، لحسن الحظ قد فشل مسعاه، لكن حضرتك تسأليني عن علاقة الشباب بالتكنولوجيا، فأراه استخداما خلاقا ومبدعا، وأتوقع أنه سيكون له تأثيره أيضا على مضمون الإبداع مستقبلا، على موضوع إبداع هؤلاء الشباب مستقبلا، أنا قرأت بعض الأعمال التي كتبت مباشرة عن العلاقة بالتكنولوجيا، لكني لم أحبها، إنما الأهم، من كده بتقديري، ما الذي يمكن أن تحدثه في الحياة العادية، هذه الثورة التكنولوجية والتعامل معها، لكن انه حد يكتب عن علاقات من خلال الوسائط التكنولوجية، هذه لم تترك في نفسي أثرا.

أتمنى أن تصل البوكر لمستوى جائزة العويس*وأنت الفائز بجائزة البوكر العربية في دورتها الأولى عن روايتك ‘واحة الغروب’… أي تحد تضعه هذه الجائزة أمام المبدع.. وكيف تؤثر على نتاج الروائي المرشح للجائزة أو الفائز بها؟*أعتقد أنها أسهمت بشكل كبير جدا، بشهادة هؤلاء الذين كانوا في القائمة الطويلة، وفي القائمة القصيرة، بعضهم يقول ان إدراج اسمه في القائمة الطويلة لجائزة البوكر روج كتابه رواجا شديدا، ولفت نظر النقاد إليه ولو كان ولا حاجة بتلفت نظر النقاد يعني- مش مهم- لكن المهم عملت هذا النوع من الرواج وحظيت باهتمام القارئ، وفي بعض الجوائز الأدبية جيدة السمعة جدا مثل جائزة العويس، وجائزة ملتقى الرواية العربية في القاهرة لها سمعة طيبة، ومن حصلوا عليها دائما هم كتاب موهوبون، أتمنى أن تصل البوكر إلى هذه الدرجة لأن بعض الدورات لم تحقق هذا المستوى الذي حققته بعض الجوائز الأخرى مثل جائزة العويس. ‘خلاص تنازلت عنها’….*أنت زاهد في الجوائز.. ومنها رفضك لجائزة مبارك.. لماذا هذه النزعة البعيدة عن حب الجوائز؟ *أنا أيضا لا انسب الفضل بهذا لنفسي أنا انسب هذا الفضل لأحد الشبان الذين كانوا معتصمين بشكل مستمر في ميدان التحرير، أديب شاب أتصل بي ووجه لي سؤالا: أنت ما رأيك في جائزة مبارك!! ، ففهمت الرسالة على الفور، وعلى الفور، قلت له ‘خلاص تنازلت عنها’، وأعلنت تنازلي عنها في نفس اليوم، وكان هذا في عز سطوة مبارك، عندما كان يستخدم الرصاص الحي، وكل شيء ضد معارضيه، واستقبلت استقبالا حسنا جدا من الشباب ومن الجمهور حكاية هذا التنازل، لكني لا أتاجر به، بمعنى أنني لا أحب أن أتحدث أبدا عن أنني تنازلت عن جائزة مبارك، لم اذكرها قط حتى احد الكتاب المرموقين أنتقد وهو كان حاصلا على جوائز قيمتها المادية أكثر بكثير من جائزة مبارك- أنتقد تنازلي عن الجائزة ووصفها بأنها حركة، فقررت أن لا أرد عليه على الإطلاق.

بناتي القارئ الأول لنصي*نود أن نعرف من القارئ الأول لنصك؟ وهل للعائلة نصيب في هذه القراءة؟

يضحك قائلا: بناتي.

وإذا لم يعطونني الإذن بالنشر.. لا أنشر*وهل تأخذ فعلا بآرائهم النقدية؟*اخذ بآرائهم النقدية، ذلك أنهما قارئتان متذوقتان جدا، وإذا لم يعطوني الإذن بالنشر، لا أنشر، (يضحك)… إن لم تواتني الكتابة لا اكتب*لكن ماذا عن طقوسك في الكتابة؟*لا أتصرف ككاتب محترف على الإطلاق، إن لم تواتني الكتابة لا اكتب، عملا بمقولة ابن المقفع الشهيرة: ‘سألوه لماذا لا تكتب كثيرا؟’، فقال: ‘ما يعجبني لا يواتيني، وما يواتيني لا يعجبني’، فانا في لحظات كثيرة جدا أشعر بهذا الشعور فلا أكتب، لكن في لحظات كثيرة يواتيني ما يعجبني فاكتب’، أما إذا لم يواتني ما يعجبني فلا اكتب، لست حريصا على مجرد البقاء في الساحة على غزارة الإنتاج، لا تعنيني هذه الأمور بكثير أو قليل، رب كتاب واحد يعدل كتبا كثيرة، إذا كانت له قيمة. أنا في كل كتاباتي.. ولكن…*هل نجد بهاء طاهر في كتاباته؟ وهل تتسرب السيرة الذاتية للمبدع في كتاباته أحيانا؟

في كل كتاباتي ولكن ليست السيرة الذاتية خالص.

لم أكتب سيرة، ولو كتبت سيرة، سأقول هذه سيرة، ولو كتبت سيرة روائية سأقول هذه سيرة روائية، لكني لم أكتب أي سيرة، ولكنني اعتقد أن كل كاتب في العالم هناك شيء من حياته يتسرب إلى ما يكتب، ليس بالضرورة وقائع ولكن مشاعر ولكن حالات نفسية وأحكام ـ ليست بالضرورة أحكاما أخلاقية- ولكن أحكام على مواقف معينة، أظن كما قيل كثيرا أن الأسلوب هو الكاتب، وكذلك الإبداع هو الكاتب.

أقرأ لكل الناس*ماذا يقرأ بهاء طاهر؟ ولمن يقرأ؟*لكل الناس.

أقرأ أساسا للمبدعين العرب والمصريين أساسا، وأنا صغير كنت أقرأ كثيرا للكتاب الغربيين، الآن أقرأ أكثر للكتاب العرب، المعاصرين أكثر مما اقرأ للكتاب الغربيين.

من الغربيين كاتبي المفضل هو ساراماغوا ـ رحمة الله عليه- مات منذ شهور، الكاتب البرتغالي الحاصل على جائزة نوبل، وغارسيا ماركيز، وكثير من المبدعين الغربيين.

ومن المبدعين العرب لو ابتدأت ‘أحكي’ ستكون القائمة طويلة جدا جدا، ذكرت لك منهم: يوسف إدريس، نجيب محفوظ، يحيى حقي، وحنا مينا، الياس خوري، مؤنس الرزاز، وكل الكتاب الذين عاصرتهم أقرأ لهم. أم كلثوم في المقام الأول فيروز في المقام الثاني*هل لنا أن نتعرف إلى نوعية الموسيقى والغناء الذي يستمع له ضيفنا.. فلمن يسمع بهاء طاهر.. ؟’زي’ كل المصريين والعرب لأم كلثوم في المقام الأول، ولفيروز في المقام الثاني، وطبعا لعبد الوهاب، وبشكل شخصي جدا، أنا اعشق فايزة أحمد جدا، ولدي كل أغانيها، محمد عبد المطلب، ومن المحدثين أسمع لمحمد منير، ووديع الصافي، أنا اسمع الموسيقى والغناء طول النهار، يعني الراديو مفتوح عندي طول النهار على إذاعة الأغاني المصرية التي تقدم روائع الغناء العربي، في الصباح نصف ساعة لفيروز، من 11-11:30، وفي الليل من 11-12 أم كلثوم، لي خانات معينة، لي عبد الحليم حافظ من 7-8، وهكذا. روما وجنيف كانتا مسرحين لأحداث روايتين..*ونحن نلج باب الذاكرة معك، أستاذ بهاء، وقد حملتك الظروف لأسفار كثيرة، فزرت الكثير من المدن العربية والغربية، كيف هي علاقتك مع المدن؟ وكيف تحضر هذه المدن في البال؟*في الواقع أنني كتبت عن مدينتين أوروبيتين تأثرت بهما جدا، وهما: روما في رواية ‘قال الضحى’، وجنيف في رواية ‘الحب في المنفى’، وإن كنت لم اسمها، أسميتها مدينة نون فقط، ولم اقل أنها مدينة جنيف، ولكن كثيرا من الناس لاحظوا أن هذه البيئة هي بيئة جنيف، فالمكان يترك بصمته وأثره على الإنسان مهما كان تعلقه بمسقط رأسه، وبالمكان الذي نشأ وترعرع فيه، لكن ممكن بقدر الحنين إلى مسقط الرأس ممكن أيضا، يوجد نوع مختلف من الحنين إلى الأماكن التي يقضي فيها الإنسان عمرا طويلا، أنا قضيت في روما وقتا طويلا، وقضيت في جنيف وقتا أطول، لهذا كانتا مسرحين لأحداث الروايتين اللتين ذكرتهما لك.

أتعرف على المدن من مقاهيها*بالتأكيد لكل منا أسلوبه في التعرف على المدن، فهناك من يقرأ عنها، أو يمشي فيها، أو يتعرف عليها من المقهى، كيف يتعرف بهاء طاهر على مدينة جديدة؟*من مقاهيها، ولا سيما أن روما مثلا مليئة بالمقاهي، والجلوس في مقاهي روما متعة بحد ذاتها، أن تجلسي وأمامك الكوليسيوم، أو أمامك الملعب الروماني، أو أمامك بعض الآثار القديمة الأخرى، أو بعض المعالم الحديثة للمدينة.

فربما المكان أو البؤرة التي أتعرف بها على المدينة هي المقهى، وكما قلت قبل قليل، وأنت يمكن قلتيها عفو الخاطر. لكنها صادفت مرماها الحقيقي.

أيضا جنيف فيها مقاه كثيرة تطل على البحيرة الشهيرة بحيرة ليمان، أو على الأنهار الصغيرة التي تتفرع من بحيرة ليمان ولذلك كتبت كثيرا عن هذه البحيرة، وعن هذه الأنهار في رواية ‘الحب في المنفى’، وربما في روايات أخرى، المكان تلقين نظرة من بؤرة معينة، وأنت قلت المقهى، وبالفعل هو المقهى كان البؤرة التي من خلالها رأيت إلى أو نظرت على المدن الأجنبية التي عشت فيها.

نحن قبيلة الكتاب….*كيف ترى إلى العلاقة بين الأجيال وكيف ينبغي لهذه العلاقة أن تكون فعلا؟*علاقة التواصل بين الأجيال على الأقل في مصر، علاقة حميمة جدا، ووثيقة جدا، يعني طه حسين قدم نجيب محفوظ، يعني تواصل حميم بين الأجيال في الثقافة المصرية، لما حاول يعتدي علي الضابط، عند المظاهرة التي كانت عند كنيسة القديسين في مصر، قبيل الثورة بأيام، كنا نقف في مظاهرة احتجاجية في ميدان طلعت حرب، كون الأدباء درعا بشريا لحمايتي، يعني أحاطوا بي، وربما يكون بعضهم غضبان مني، أو له ملاحظات علي، لكن في لحظة الجد، تجمعوا وعملوا حولي درعا بشريا لمنع هذا الضابط من الاعتداء علي، فهي علاقة – كنت أنا أقول دائما أننا نحن قبيلة- كنت أقول دائما لرحمة الله عليه أمل دنقل، ولغيره من الكتاب والشعراء الذين كانوا يكثرون من الشجار في مقهى ريش، كنا كلنا نلتقي في مقهى ريش، وتحدث شجارات لا حصر لها، كنت أقول لهم، ‘إحنا قبيلة برضه’، (يضحك) مهما حصل من خلافات، فالقبيلة لبعضها في النهاية.

يوم فرحت فرحا يكفي عشرة أعمار… في حوارات القصّة التي تحمل عنوان ‘بالأمس حلمت بك’، تقول الفتاة للشاب: ‘قل لي أرجوك ماذا تريد؟ ماذا تريد؟- ما أريده مستحيل.- ما هو؟- أن يكون العالم غير ما هو، والناس غير ما هم، قلت لك ليس عندي أفكار، ولكن عندي أحلام مستحيلة’. والسؤال ما الذي يريده بهاء؟ وبماذا يحلم الآن؟*بهاء طاهر ولد ميلادا جديدا يوم 11 شباط /فبراير 2011، وقلت في ذلك الوقت، وأقولها الآن، أنني في ذلك اليوم فرحت فرحا يكفي عشرة أعمار، على الأقل، وأقول أن أي ما يصيبني من حزن أو قلق، سأخصمه من فرحة عمر واحد لا غير. وأعيش فرحة بقية الأعمار.

في عمان أشعر أنني في بيئتي الطبيعية*وعمان بابها مشرع دائما للأصدقاء.. ماذا يقول بهاء طاهر لعمان المدينة؟*جئت المرة الأولى إلى عمان، بدعوة من دار المجدلاوي للنشر، وكانت أقامت لي أسبوعا ثقافيا أو أياما ثقافية في المركز الثقافي الملكي، ثم كانت زيارتي الثانية في ملتقى السرد/ دورة غالب هلسا، وأنت تعلمين أن غالب هلسا كان ـ رحمة الله عليه- اعز أصدقائي، أثناء إقامته في مصر، ونحن نعتبره كاتبا مصريا، رغم اعتزازكم به في الأردن، إلا أننا نعتز به أيضا، ككاتب مصري جدا، فهلسا أسهم في بلورة الكتابة المصرية الجديدة وله تقدير ومكانة عظيمة لدى الكتاب المصريين. عمان في مخيلتي، مدينة عربية، بمعنى أنك تشعرين حين التقائك بأهلها أنهم عرب حقيقيون، وان انتماءهم لامتهم، ليس موضع شك، وليسوا مستغربين، وليسوا مستشرقين ولكنهم عروبيون، ولذلك أنا أحب عمان جدا. أحب عمان لأني أيضا أنا عروبي، لأنني اشعر عندما التقي بقوم يعتزون بقوميتهم، أنني في بيئتي الطبيعية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية