امريكا تحركت في مصر وصمتت في سورية

حجم الخط
0

صحف عبريةنهاية 42 سنة من حكم القذافي في ليبيا، والانصراف القريب (ان شاء الله) للرئيس الاسد سيسقطان قاتلين منكرين عن مسرح التاريخ. لا ريب، هذا هو نصر كبير لموجة الثورات التي تجتاح الشرق الاوسط، غير أن هذا النصر يؤكد الهزيمة الكبرى في حرب الانسانية على القيمة الأهم، تلك التي توجد فوق حرية التنظيم وحرية التعبير وحرية العبادة: الحق في الحياة.

في محاولة للدفاع عن هذا الحق بذلت أسرة الشعوب محاولات عديدة للاتحاد، لايجاد اطار قيمي وقانوني ملزم بل والتدخل هنا وهناك بالقوة لانقاذ الحياة. في الاشهر الاخيرة وقفت هذه الجهود مرة اخرى أمام الاختبار ومرة اخرى باءت بفشل ذريع. فالعالم بقيادة الولايات المتحدة لا يعرف أو لا يرغب أو ليس قادرا على أن يهرع الى نجدة من يُذبحون بلا رحمة.

بعد الكارثة ادعى كثيرون بأن هذه كانت اشارة تحذير، وأن الدرس سيُستخلص ومرة اخرى لن تسر الجموع كالخراف نحو الذبح. العالم قد يكون يتذكر الكارثة، ولكن قصتها مكوية بالوعي الجماعي كشيء فظيع حصل في الماضي وليس كحدث يبث ويؤثر على عملية اتخاذ القرارات في الحاضر والمستقبل.

هكذا، مثلا، جرت بلا عراقيل حملة الذبح التي ارتكبتها منظمة ‘الخيمر روج’ في كمبوديا (مليونين)؛ وحدات تصفية فرقة اللهيب في قيادة هيلة مريم منغستو ذبحت بضع مئات الآلاف في اثيوبيا؛ المسيحيون انطلقوا لتطهير يوغسلافيا السابقة من المسلمين؛ في روندا كانت وتيرة الابادة اليومية أعلى من وتيرة كارثة يهود اوروبا وبلغت نحو مليون نسمة؛ في دارفور مات نحو 400 ألف، دون الحديث عن انظمة الرعب التي أقامها ستالين في الاتحاد السوفييتي والحزب الشيوعي في الصين، والتي جبت معا حياة بين 50 60 مليون نسمة.

في قسم كبير من الحالات كان العالم على علم على الأقل بقسم من حجوم المذبحة مثلما هو على علم اليوم بالاعمال الفظيعة لحكم الاسد في سورية ومع ذلك وقف جانبا. العالم لا يزال لا يعمل تحت ذات المظلة الطبيعية التي حاول الرئيس وودرو ولسون بسطها فوقه حين أقام في بداية القرن العشرين عصبة الامم، التي تحولت بعد ذلك الى منظمة الامم المتحدة.

صحيح، ثمة في التمسك بمبدأ الدفاع عن الانسان وقدسية الحياة بعضا من التناقض مع مبدأ هام آخر للديمقراطية: احترام سيادة الدول. فلا يمكن التدخل في كل مكان كل الوقت، وبالتأكيد ليس كل جريمة حرب وفعل بربري يبرر اجتياحا واسعا. وأين يمر الخط الدقيق الذي بين الحفاظ على حياة البشر بصفتهم بشرا وبين محاولة فرض نمط الحياة الامريكية على دول اخرى، مثلما حاول جورج بوش الابن عمله في العراق؟.

هذه اسئلة ثقيلة الوزن لا توجد عليها اجوبة قاطعة لا لبس فيها. ولكن واضح أن ذاك الخط، الذي بعد تجاوزه يكون العالم ملزم بأن يتدخل، يوجد في مكان أدنى أكثر بكثير من المكان الذي تدخل فيه العالم حقا، اذا كان قد تدخل على الاطلاق. الرد الامريكي في ضوء الثورات الاخيرة في الشرق الاوسط هو فقط مثال تهكمي آخر على ذلك. في مصر، هناك بالذات حيث كانت اعمال العنف تجاه المتظاهرين قليلة (بشكل نسبي بالطبع)، تدخلت الادارة بسرعة إذ فهمت فورا أين الطرف المنتصر فأرادت الخروج في صورة طيبة في نظر الجماهير. في ليبيا، حيث استدارت العيون، فضلت الادارة الاختباء خلف الظهر الضيق للناتو وترك اوروبا تقوم بمعظم العمل. في سورية لم تقم الادارة بأي فعل ذي مغزى، رغم التقارير عن أن طائرات، سفن ودبابات تقصف أحياء مدنية؛ التصريحات لم تشتد إلا بعد أن يبدو بأن النهاية تقترب.

خلاصة الامر، فان التدخل في صالح النساء والاطفال الذين يعانون من الذبح، التعذيب، الاغتصاب والتجويع، ليس تحصيل حاصل للمعاناة المثيرة جدا التي يعيشونها، بل لمصالح اخرى، بعيدة جدا عن مقياس الرحمة والقيم الانسانية التي ينبغي لها أن تكون هي المقررة في مثل هذه الحالات.

يديعوت 25/8/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية