رمل أم رماد ؟

حجم الخط
0

خيري منصور

لا يندرج عبد الله القصيمي بأية حال في قائمة المنسيين، لأنه تعرّض للتجاهل والتناسي في حياته التي امتدت تسعين عاما، ومن ننساه لا نهرب منه، بعكس من نتناساه لأنه يواجهنا بأسئلة محرّمة، وهواجس مسكوت عنها يجري تجنّبها والتكتم عليها ايثارا للسلامة… فهل حقا لا يمكن وصف العربي الذي لم يقرأ القصيمي بأنه مثقف، او انه يحيا على هذه الأرض؟ كما قال ادونيس في تقديمه القصيمي اثناء حوار نشر عام 1965 في ‘لسان الحال’ اللبنانية.

ان كان الأمر كذلك بالفعل فإن المحذوفين من ذاكرة القراء العرب يحرمون اكثرية المثقفين العرب من هذه الصفة، التي اعتدي عليها وانتهكت الى الحدّ الذي أتاح لأنصاف الاميين التربع على منصاتها. وحكاية القراءة المبكرة والأولى للقصيمي تستحق ان تروى لأسباب تتخطى الأنانية الشخصية، فهي مماثلة لقراءتي الأولى لمحمد الماغوط في سنوات الصبا.. دلّني على الماغوط الشاعرة الراحلة نازك الملائكة في كتابها ‘قضايا الشعر المعاصر’، فقد استشهدت بمقاطع من شعر الماغوط لتقول انه مجرد نثر وليس شعرا، وما ان قرأت المقطع الأول من المثال الذي استشهدت به نازك حتى عزفت عن اكمال كتابها ورحت أبحث عن الماغوط، فكان ‘حزن في ضوء القمر’ بمثابة قارة تكتظ بالكائنات رغم الزعم بأنها اطلانطس الغارقة، او مدينة بيلارس التي اصابها الزلزال.

ودلّني على القصيمي ناقد قدم فقرات من كتابه ‘هذا الكون ما ضميره’ ليتوصل الى ان هذا الهذيان ليس شعرا او حتى نثرا، وليس فلسفة او مواعظ، ولم اكمل ما كتبه الناقد لأبدأ البحث عن القصيمي، فلم اتوقف عن قراءة ما اتيح لي من كتبه، وشعرت على الفور بأن ما يقوله لا يمكث في ذاكرتي لكنه يشبه ما قاله بيكاسو ذات يوم عن لوحة تجريدية خضراء رسمها. لا لشيء الا لأنه مشى طويلا بين الحقول حتى طفحت عيناه بالأخضر، وقد يكون الأخضر شجرا او حجرا كريما او عينين، لكنه احيانا يكون مجرد اخضر وكأنه لون انبثق من الأسود الذي عاد باتجاه منابعه.

القصيمي كما قال ادونيس صراخ يقول كل شيء ولا يقول شيئا، يخاطب الجميع ولا يخاطب احدا، فهو الوجه والقفا، وبالاضافة الى ما قاله ادونيس رغم دقته نقول ان ما ترشح به مفردات القصيمي من غضب واحتجاج على كل شيء هو اعراس بين الاضداد… ويشكل بمجمله اطروحة مضادة للسائد العربي منذ عقود حتى الآن، فما تبدل هو القشرة وما اضيف هو الطلاء، لهذا كانت الحداثة في بُعدها العربي اعادة انتاج غير ماهرة وان كانت محتالة للاتباعي والموروث المحروس والمحظور الاقتراب منه، انها أطروحة مضادة للتوثين والأيقنة، لم تقم وزنا لفزاعات الرقيب سواء كان في الخارج او في شرايين الجسد وعلى رؤوس الاصابع التي تكتب وتعزف وترسم وتنحت وتضغط على الزناد احيانا. ان معظم من يرددون عبارة العرب ظاهرة صوتية لا يعرفون نسبها، وانها عنوان كتاب للقصيمي الذي أكله البعض حيا واجتروه ميّتا، لكنهم انكروه.. فالعقوق ليس حكرا على الوالدين، انه من صميم ثقافة شحذت النرجسية بدلا من تدجينها وتدوير زواياها الحادة والجارحة.* * * * * * * * * * اسهل وصف للقصيمي هو العدمية، وفقدان البوصلة الفكرية، اضافة الى البوصلة الاخلاقية، فهو احيانا يشفق على الديكتاتور السادي لأنه لا يستطيع ان يفعل غير ما يشبع شهوته، ويدين الغيمة التي تمطر فوق أرض لا تحتاج اليها، بينما تمر بشماتة عن ارض يباب شققها الظمأ. والمصطلحات او المفاتيح التي عوملت بها أعمال القصيمي في ستينات القرن الماضي كانت طازجة للتو، بعد ان امتدت الموجة الوجودية الى عالمنا من خلال ترجمة أبرز من يمثلون هذا الاتجاه، مما اضطر سارتر مثلا الى اصدار كتاب يدافع فيه عن الوجودية كمصطلح جرت فلطحته وبالتالي تحريفه، كما ان البير كامو كرّس كتابا بعنوان ‘اسطورة سيزيف’ لتوضيح مفهوم العبث، فهو ليس مجرد نوبات صرع مصطنعة، انه من صميم هذا الوجود الذي قال عنه وجودي آخر، لكن في الاتجاه المتدين، سيرين كركيغارد’… ان احدكم يحشو اصبعه في اي شيء فيتعرف عليه وعلى رائحته… اما أنا فأدس اصابعي في هذا الوجود لتعود كما هي.. ولا تظفر بشيء’. ولا اشك ان القصيمي قرأ نيتشه وشوبنهاور والوجوديين اضافة الى ماركس، لكنه اعاد انتاج ما قرأ وفقا لتكوين خاص، فقد يصبح ماركس بالنسبة اليه كما قال عنه شو ليس ماركسيا وكذلك نيتشه وشوبنهاور وآخرون.* * * * * * * كتب القصيمي ذات يوم ردا على مقالة لصلاح المنجد قال فيها انه ليس من السعودية بل صعيدي من مصر، وسخر القصيمي من هذه الجغرفة ومن ملفات الاحوال المدنية، لأنه ولد في القصيم ونشأ على تخوم الصحراء بجسده، لكنه تدفق بعنفوان الى نخاعها الرملي. وفي تلك الآونة من عقد العرب الفريد في قرنهم العشرين حيث شُهرت المفاتيح بجسارة في وجوه الاقفال كلها، قال انسي الحاج عن القصيمي ان كتابيه ‘كبرياء التاريخ في مأزق’ و’هذا الكون ما ضميره’لا مثيل لهما في الآدب العربي المعاصر، تحريضا واشاعة وعصيانا، وهو ليس مجرد فكر يشرح نظريات، انه القاموس العربي وقد استحال صراخا ضد التزوير، الى ان يقول: ان كتب القصيمي فضيحة تاريخية، فضيحة ان يكون العقل العربي حتى الان خاليا من عبد الله القصيمي، لكن الناس لا يلبون مثل هذه المواعظ عندما تصدر عن مثقف، لهذا كانوا اوفياء لصحراء بلا أبعاد ولم يقرأوا القصيمي كما قال لهم أنسي الحاج.

طرد القصيمي من كل عاصمة حلّ بها وتعددت الاسباب، لكن الحقيبة واحدة والكتاب هو ذاته، وادمان العادة السرية قدر تعلقها بالماضي وتحويله الى فيتيشيا جنسية هو ذاته ايضا، وحين اقصي من بيروت كتب رسالة الى انسي الحاج يتساءل فيها باندهاش عن السبب، لأن بيروت في تلك الايام كانت ندّاهة الأعراب، فرد عليه انسي يقول ان استغرابه لما حدث معه في بيروت يدفع الى الظن بأنه ساذج. واضاف يجب علينا دائما ان ننتظر الأسوأ من دول منبثقة عن مجتمع تركيبه اصطناعي وقيمه زائفة، فالدولة العربية هي دولة مستويات ومساومات وتنازلات وتجاوزات.

اما عن استغراب القصيمي صمت الكتاب والشعراء فيقول انسي: ان هذا الاستغراب يجعلني اضحك، فماذا يستطيع الكتاب والشعراء ان يفعلوا غير ان لا يفعلوا شيئا!* * * * * * * * ما يقوله القصيمي ليس جملة تقليدية نستطيع ان نحزر خبرها اذا عرفنا المبتدأ، فهو يفيض وتصبح اللغة العصية على الباحثين عن المجاز والانزياح طلبا للنجاة طيّعة كما لو انها تتدفق من غدة دمع بسعة الجسد كله. وما كتبه القصيمي يحير الناقد المدرسي والناقد الآخر الذي يعتاش على فضلات الترجمة لما كتب في سياقات مغايرة، فلا هو شعر موزون ومقفى ولا فلسفة تشرح الهوامش وتخلو من المتون، ولا هو رواية او نسيج فيه خيط الحرير وخيط الدم وخيط الخيش، تماما كما هي الحياة التي تعج بالمتناقضات بدءا من الغابة حتى احدى العواصم.

لكأن هذا الصحراوي الذي بحث عبثا عن أبعاد لصحرائه ناب عن أجيال من الصامتين عن الحقيقة والصائمين عن الشجاعة ليقول ما لم يقولوه.. وقراءة القصيمي افقيا قد تكون بلا طائل، لأنه بالفعل يبدو من السطح كما لو كان في نوبة هذيان، لكن الشجرة ليست ما يبدو من جذعها وفروعها وعناقيدها فقط، انها تلك الجذور التي لا نراها الا حين نخلع الشجرة.

ان كبرياء التاريخ لا يزال في مأزق، ان لم يكن قد تأزم اكثر، وللتاريخ عاره وغاره ايضا اما الظاهرة الصوتية فقد عثرت على أبواق تدفعنا الى شراء قليل من الصمت بأغلى ما نملك.

البعض منسيون، اما القصيمي فهو ممن جرى تناسيهم مع سبق الاصرار والترصّد!!!!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية