أثناء عودتي من رحله قصيرة للبلدة المجاورة لمدينتي جلبت خلالها لحما حيث هناك صديقي العزيز السوداني -احمد-الذي يذبح الخرفان والأبقار على الطريقة الإسلامية -جزاه الله خيرا – وفر علينا الكثير من هم الحصول على اللحم الحلال، لم أحس بعطش او جوع لإعتدال الطقس وميله للبرودة وكوني تسَحّرت جيدا كعادتي، صلّيت العصر وخلدْت للنوم، ما هي إلا دقائق حتى غرقت فيه وعلى غير المعتاد ربما لأنني مرهق من الرحله. حلمت بمرحلة ما بعد الربيع العربي وأنا أعيش اجواء غاية في العدالة والسماحة وحقوق الإنسان، حياة نموذجيه، تآلف بين الشعب نفسه وبكافة اطيافه وولي أمره وتحاب بين الشعوب والحكومات العربية والمسلمة تسابق في تطبيق تعاليم السماء والأرض بحذافيرها حياة كأن بني آدم أصبح معصوما من الخطأ، قررت وانا في خضم هذه السعادة الغامرة ان اقوم بسفره سياحية قصيرة لإحدى الدول الغربيه، وأنا ذاهب للغرفة الأخرى للحجز عن طريق النت أفزعني جرس الهاتف من النوم، ليخرجني من عالم ما بعد الربيع العربي الجميل.
كان صديق لي مهتما بأمور عالمنا وما آل اليه الحال اخبرني ان افتح التلفاز واشاهد إحدى القنوات الفضائية حيث نقاش حول الفتنة الكبرى الحلقة 14وبعد متابعتي للحلقة صدمتني طريقة النقاش حيث اثنين من المتناقشين يحملون شهادة الدكتوراه ومختصين بعلوم الدين احدهم مرشح لرئاسة دولة عربية وآخر له إسم لامع في العالم العربي والإسلامي كل منهم له مؤلفاته من الكتب قد إلتفتوا عن آيات القرآن الكريم -ولا تنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان -وآية اخرى تقول – ولا تلمزوا انفسكم ولا تنابزوا بالألقاب – وهناك الكثير من الآيات التي تصب في هذا المعنى، قام كل منهم بتوجيه تهم للآخر بالكذب والعمالة والرشوة وتكفير الصحابة وتأليف الروايات عن الرسول وصحابته الكرام والتأويل حتى ان احدهم شكك في نسب الآخر الى الأشراف وهم الذين يرجع نسبهم إلى الامام الحسين رضي الله عنه، وعلى الهواء مباشرة وامام ملايين المشاهدين من المسلمين وغير المسلمين وفي شهر التسامح والرحمة والمغفرة والعتق من النار، إذا كان هذا حال من يحملون شهادة الدكتوراه ومن المتوقع انهم سيرأسون دولة، فماذا سيكون حال البقية إذن وإلى ماذا سيؤول حال دولة يرأسها هكذا نماذج من المحسوبين على الدين والوطنية.
قادني هذا المنظر التليفزيوني للتدقيق في مشهد الامة الإسلامية والعربية، وجدت ما ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث ما معناه انقسام الامة الإسلامية إلى 72 فرقة قد اصبح على ارض الواقع حيث المزايدة في الدين والإبتعاد عن الإصلاح بين المذاهب الاسلامية الذي لا يأتي إلا بإصلاح المعرفة بين المذاهب، والمعرفة لا تعني بالضرورة الإتفاق بل يبقى الحق في الإجتهاد وإختلاف وجهات النظر، في شهر رمضان الذي يفترض ان تتوحد وتتقارب فيه قلوب المسلمين تتكرس اعمال الفرقة والتشويش والإثارة والتكفير ويتم ايصالها للطرف الآخر مضخمة معممة، وكأن الامة الإسلامية والعربية وصلت لمرحلة الكمال في كل شي ولم يبقى إلا مناقشة الفتنة الكبرى سواءا بعرض مسلسل او ندوات وتجسيد شخصيات الصحابة وآل البيت وحتى انه وصل الأمر لتجسيد شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام وحل الامور الفقهية والشرعية المختلف عليها منذ آلاف السنين، تصرف ملايين الدولارات لدعم فضائيات إسلامية تحارب بعضها البعض في المزايدة على الدين تجند لها الجواسيس وتشترى الذمم والضمائر للحصول على مستندات ووثائق وأدلة تحارب بعضها البعض فيها تحت إسم الإسلام، تصدر الفتاوى بالتحريم والتحليل في آن واحد وتحت إسم شرع الله وتحقيق العدالة على نفس الشعب الذي يقتل ويباد في رمضان وقبله، ويطلق عليه عدة تسميات منها شعب يقدم الشهداء ويكافح من اجل الحق ومنها شعب ارهابي ومخرب يستحق العقاب والقتل والردع، في ذات الوقت الذي تفتك به الدكتاتوريات شعوبها العربية والمسلمة وتبيدهم بالأسلحة الثقيلة يطل علينا السواد الأعظم من شيوخ الدين في أستوديوهات الفضائيات ينعمون بالتكييف وما طاب ولذ من المأكولات وليس كالصوماليين الذين يفتك بهم شبح المجاعة إما ليزيدوا الشعوب ابادة بفتاوى الضلال والظلم او يتهجموا على بعضهم البعض للإختلاف في امور شرعية او يناقشوا امورا سطحية في الدين لا تمت لواقع المسلمين بصلة، تنظم دولا مسيرات لدعم الإعتصامات من اجل الحرية في دولة ما وتمتنع عن دعم اعتصامات مماثلة في دول أخرى، مع العلم ان الحرية ذاتها. وهناك المزايدة في الوطنية الكل يدعي الوطنية بينما النهش في جسد الوطن مستشر والفساد في عروق الساسة ومرؤوسيهم يجري، سبحان الله يسرق المال العام ثم يذهب للمسجد ليصلي ويدعي ربه بالمزيد من الصحة والمال، في بعض الدول الإسلامية اصبحت ارواح الأبرياء وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية للأحزاب والساسه، نلاحظ كلما اشتدت ازمة سياسية فيها زادت وتيرة التفجيرات والاغتيالات ووقع المزيد من القتلى، اهذه هي الوطنيه؟ لم ار منذ ان عرفت القراءة والكتابة وزيرا مسلما قدم استقالته – بمحض إرادته لا مجبرا ولا ضامنا رفضها من القيادة في حيلة يستخدمها البعض هذه الأيام للظهور بمظهر الحس بالمسؤولية – خدمة للوطن والمواطن إمتلك شجاعة الإعتراف بالخطأ وحظي بإحترام نفسة وشعبه، على غرار وزير الخارجية الياباني اثر قبوله تبرعا من اجنبي بينما يقبع وزراء مسلمين على قلوب شعوبهم عشرات السنين بالرغم من إلتهامهم للمال العام وخرقهم القانون، وإستقالة وزير خارجية كوريا الجنوبية بسبب جدل حول تعيين ابنته في وظيفة متوسطة في الوزارة بينما الوزراء العرب يوظفون كل ابناء القبيلة ومن يمت لهم بصلة في الوزارة حال تولي حقيبتها، وإستقالة وزير خارجية قبرص بسبب انفجار في مستودع ذخيرة بينما لم يستقيل وزراء عرب اصبحت اصوات الإنفجارت في بلدانهم كأبواق السيارات الموضوع طويل وشائك لخصت الكثير من احداثه المسلسلات الكوميدية الساخرة والهادفة في رمضان الحالي فقد لوحظ كثرتها ويبدو ان للربيع العربي دورا في ذلك، شتان ما رأيته في الحلم وما أعيشه على ارض الواقع، يبدو ان موعد الإفطار قد حان، اتمنى ان اعود للحلم الليلة لأنعم بقليل من الوقت بحياة تملؤها العدالة.
مياح غانم العنزي