إبراهيم نصر اللهبمجرد أن رأى صديقي العزيز توقيعي على أحد البيانات التي تقف بوضوح مع حق الشعب السوري في الحرية والكرامة، أرسل إلي مقالا، يشتم فيه كل من يقفون هذه الوقفة المخجلة ضد الممانعة ورمزها الوحيد.
وتطور الأمر إلى هذا الحوار الطريف.
ـ 1ـقلت له: إن أبسط حقوق المواطن أن يمنح حق الانتخاب، وأن لا يُطْبِق أيُّ نظام على صدر هذا المواطن أربعين عاما، وأكثر، وألا يبتكر هذا النظام أعلى نسبة لنجاحه في الانتخابات كلما تفضل على الشعب ووضع الصناديق في مراكز الاقتراع: 99.9% ، وأن لا تمتلئ السجون بكل أولئك الذين يحبون الحرية، ويدافعون عنها، وأن لا يحجر على الأحزاب (كما لو أن الذين سينتمون إليها مصابون بالجذام) وأن لا يكون هناك سوى نشيد واحد لزعيم واحد، نولد وهو فوق صدورنا، ونعيش وهو فوق صدورنا ونموت وهو فوق صدورنا.
فالتفت صاحبي إلي وهزّ رأسه، وقال: خسارة! أنت تفهم في الشعر ولكنك لا تفهم في السياسة!
ـ 2 ـقلت له: حسنا، سأكون معك! فالطفل حمزة الخطيب الذي شوِّه وبترت أعضاؤه: مندس! وإبراهيم قاقوش المغني الذي لن تعثر أمه على حنجرته، وذلك الشاب الذي داسته الدبابة بالعرض، ثم حمله جنديان (أمام الكاميرا) وداسته بالطول: مندسان، والشباب الذين ألصقت وجوههم في الأرض وضربوا بالبساطير وأولئك الذين حشروا في أضيق الأمكنة بين البساط ير في الحافلات وضربوا بوحشية: مندسون أيضا، ولكن، أليس من المفترض أن يقدم هؤلاء للمحاكمة بدل أن ينكل بهم الجنود على هذا النحو والشبيحة ومشتقاتهم؟
فالتفت صاحبي إلي وقال: خسارة! أنت لا تفهم في القانون!
ـ 3 ـقلت له: هناك نظام لم يطلق طلقة واحدة باتجاه (العدو الغاصب) لأرضه وكرامته خلال أربعين عاما، ويحرص على ألا يجرح هدوء الجبهة حتى بطلقة طائشة، ويسحق تل الزعتر وسواه، ويضع ذنبه بين رجليه ويفر مع أول الغارات على بيروت! في الوقت الذي يصمد فيه مقاتلون شرفاء ما يقارب الثلاثة أشهر. هذا النظام الذي لا يتردد لحظة في الانضمام إلى قوات حفر الباطن لمهاجمة العراق وشعبه، هذا النظام الذي يُقصف مفاعله النووي، ولا يجرؤ حتى أن ينظر إلى السماء ليرشق طائرات العدو الغاصب بنظرة غاضبة، ويبتلع لسانه، ويتعامل مع الأمر كما لو أن شيئا لم يكن.. فقاطعني صاحبي وقال: خسارة! أنت لا تفهم في الإستراتيجيا!
ـ 4 ـقلت له: هذا النظام الذي يحول كبار ضباطه إلى متسولين على الحدود، يتسابقون لسلب المسافرين كل (ما تجود به أنفسهم) ويتغاضى عن بيع النقاط المربحة التي يكون فيها هؤلاء الذين كان من المفترض أن يكونوا على الجبهة، هذا النظام الذي يذل كل مواطن في خبزه وحريته في الكلام والطعام والراتب، والتعليم، هذا النظام الذي يقبل أن يدخل ضابط قاعة في جامعة وأن يدفع الباب بقدمه، ويلتفت إلى الطلبة، أمام وجود أستاذهم ويقول بابتهاج: كلكم ناجحون بقرار من الرئيس بمناسبة عيد ميلاده. ويترك الأستاذ ذاهلا، لا يجرؤ حتى على التنفس. هذا النظام الذي لا تستطيع دباباته الوصول إلى أي مكان سوى مدنه! ولا تجيد التصويب إلا حين تطلق النار على بيوت شعبه.. فقال صاحبي: لا تكمل، أرجوك.. لم أكن أعتقد أنك جاهل إلى هذا الحد في الأمور العسكرية!- 5 -قلت له: وهؤلاء الذي يطوفون بحقائبهم السوداء الفارغة، ليشاركوا كل صاحب مشروع، ولو كان سوبر ماركت في رزقه. هؤلاء الذي لا يعرف الناس من أين يخرجون، فإذا بهم يمتلكون كل شيء، ويجمعون الملايين في سنوات قليلة، ويتحكمون في كل المشاريع الكبرى في البلاد، هؤلاء الذين هم بالضرورة: أبناء عم الرئيس أو أخوته أو أنسبائه، أو غلمانه. هؤلاء الذين يبتلعون بلادا بأكملها، ويعتبرون بصاقهم في وجوه خلق الله صدقة.
قال لي: للأسف: أنت لا تفهم أبدا في الاقتصاد!
ـ 6 ـقلت له: وهؤلاء الذين يملأون الشوارع بهتافهم ويعبرون جدران الليل بشغفهم للضوء وليوم يعيشون فيه أحرارا فوق الأرض لا تحته. هؤلاء الذين يتحدّون الدبابات والقناصة بصدورهم وصدور أطفالهم، هؤلاء الذين لن يعودوا ثانية إلى جحور الخوف التي حشروا فيها طوال عمرهم، هؤلاء: الألوف المؤلفة.
فقال لي: لم أكن أعرف أنك جاهل بالوطنية إلى هذا الحد، أتدافع عن الخونة؟!
ـ 7 ـلقد وصلنا إذن إلى ذلك الحد الذي يخشى فيه الرئيس أن تبيع الشعوب الأوطان، لأنه الوحيد الذي يمنع ذلك! فما الذي يمكن أن يحدث حين تستولي هذه الشعوب الخائنة على البلاد، وتطرد الرئيس البطل. البطل الوحيد الذي أجدبت أرحام الأمهات بعد أن ولدته أمه؟!
كل ما تفعله هذه الشعوب إذن، حين تضحي بأرواحها، هو أن تأتي للبلاد بحاكم آخر، يخون هذه الشعوب أكثر! ويذلها أكثر! وينشر الفساد أكثر! ويدّعي أنه ضد العدو الغاصب أكثر! قال لي صاحبي: الآن بدأت تفهم!
ـ 8 ـ(للإيمان الأعمى، عيون شريرة) لست أدري من قال ذلك، ولكنني أحييه!