عبد الرزاق المصباحي يواصل الدكتور عبد الله الغذامي تفكيكه للأنساق المضمرة المختفية خلف الظواهر الثقافية، ويحاول في كتابه الجديد ‘اليد واللسان’ الصادر عن المجلة العربية العدد 172، تقديم قراءة مختلفة لمفاهيم القراءة والأمية ورأسمالية الثقافة (ظاهرة الكتب الأكثر مبيعا). والغذامي يرجع إنتاج التغيير الثقافي والحضاري إلى السطوة الخطيرة لكل من اليد واللسان، بما هما كائنان قادران على كسر الألفة المدجنة وفضح الأسرار والتوافقات المشبوهة للسلطة سواء كانت رسمية أم شعبوية وفئوية، فكلاهما سلطتان تتهيبان من اليد واللسان وتحاربانهما حين يقرران سلك الطريق المختلف أو حين يرغبان في توثيق التاريخ الحقيقي (لا الرسمي) أو تقويم ما يمكن أن يرى على كونه اعوجاجا في سلوك السلطة الرسمية، وفي التاريخ نماذج من انتقام السلطة، ابتداء من مما حاق طرفة بن العبد في قصة مقتله الشهيرة، مرورا بتهديدات المتنبي لخصوم ووعيده، وصولا إلى عصر الإنترنت حيث يحاكم مستعملوه بناء على آرائهم الحالمة بالتغيير. وهو انتقام ناجم عن تغلغل نسق مضمر مبني على مرجعية ثقافية سلطوية لا تقبل بالاختلاف، وتنزع نحو الرأي الواحد. (1)في مفهوم القراءة وعلاقته بالثقافة:
يرى الغذامي بأن هناك ضرورة قصوى لإعادة قراءة مجموعة من الأسئلة الثقافية من وجهات نظر أدق، كمفهوم القراءة، فسؤال: هل نحن أمة لا تقرأ؟
، والذي يكاد يتفق أغلب المتتبعين على الجواب بالإثبات بخصوصه، يشكك الغذامي في صحته، ويناقشه من خلال التحديد المفهومي لمصطلح القراءة الذي لا يعدو أن يكون عنده ‘مجرد وسيلة إرسال واستقبال’ ص 16، والوسيلة لا تكون غاية في ذاتها، وتكون قابلة للتغير والتبديل بغيرها إن تبين عدم نجاعتها، والقراءة وسيلة من وسائل ثلاث هي السمع (الذي يحيل إلى ثقافة المشافهة) والقراءة (التي تحيل إلى مرحلة الكتابة والكتاب) والبصر(الذي يحيل إلى زمن الصورة). وقد كرست دور النشر والمثقفون ‘الأكاديميون’، لمدة ودون كلل، تصورين ثقافيين يخدمان مصالحهما:’ الأول: إشاعة فكرة أننا أمة غير قارئة. ‘ الثاني: ربط الثقافة بالقراءة. تقوض مشروعية التصور الأول أمام ظاهرة الكتاب الأكثر مبيعا، ومنه كتاب ‘لا تحزن’ للشيخ عائض القرني، الذي فاقت مبيعاته الثلاثة ملايين نسخة، وهو من الكتب الدينية، التي تحقق بالإضافة إلى التحاليل الرياضية وكتب الشعر الشعبي والمادة الغنائية والفنية، نسبية مقروئية عالية، ومنه فإن السؤال الأدق ليس: هل كوننا أمة لا تقرأ بل نوعية ما نقرأ، لأن الناس صارت لها خياراتها الثقافية الجديدة، التي قد تستعيض بها عن قراءة إنتاج النخبة الموصوفة بكونها مثقفة وأكاديمية. أما التصور الثاني فيستدل الغذامي على قصوره بمثال ‘طه حسين والمعري’ اللذين لم يكونا قارئين دون أن يمنعهما ذلك من تبوؤ مراتب سنية في الأدب، إضافة إلى الدور التاريخي للرواية الشفاهية في صناعة الثقافة العربية القديمة والتي عادت بقوة من خلال الوسائط السمعية البصرية الحديثة. إن الربط إذن بين القراءة والثقافة على نحو آلي هو مصادرة على المطلوب ويتجاهل كثيرا من الحقائق الأخرى استجابة لتوجه المؤسسة النخبوية (الناشرون والأكاديميون تحديدا)، فهناك تحولات عميقة عرفها مفهوم الثقافة والمثقف، الذي لم يعد من يحفظ المعلقات وأشعار المتنبي وزهير وشوقي، وبعدهما من يقرأ الكتب ويدونها، في تحول من الذاكرة واللسان إلى الورقة والقلم، لكن المتفاعل في زمن الصورة مع قرائه ومشاهديه ومستمعيه مستثمرا الإمكانات التفاعلية الكبيرة وإثارتها ومتعتها. (2) ظاهرة الكتب الأكثر مبيعا:
وهي ظاهرة أملتها التطورات التي عرفتها النظرة إلى الكتاب، الذي لم يعد من وظائفه التثقيف والسمو بالفكر والرأي فقط، بل أضحى كذلك أداة تلعب وظيفتين متمايزتين ومتداخلتين:’الأولى: مرتبطة بالقارئ الباحث عن الاستشفاء من حزن أو انهيار التوازن النفسي، أو فشل في العلاقات العاطفية أو في تصوره للآخر. ‘الثانية: بالناشر والمؤلف، الذي يسعى إلى أكبر قدر ممكن من التوزيع والمبيعات، ضمانا للحضور في السوق والمنافسة.
وقد عزا الغذامي الإقبال الشديد للقارئ العربي على كتاب ‘لا تحزن’ للشيخ عائض القرني، إلى الحاجة النفسية المستجدة عند الإنسان العربي في منافحة حزنه المحدق به، فلقد ظل العربي مطمئنا إلى السكينة التي يحققها وسطه الاجتماعي، من دون الانتباه إلى شيوع الفردية التي تسللت إلى الشباب المعاصر بفعل الاحتكاك بالنمط الغربي، حيث الشعور بالوحدة وبالحاجة إلى من يبدد الأحزان ويعطي الإحساس بالأمان، وهنا كان الحدس الثقافي عند الشيخ عائض القرني موفقا في ملامسته مكابدة فئة من المحزونين؛ الذين يعدهم كتابه بالعلاج الأكيد، مستثمرا الحمولة الدينية القوية لصيغة العنوان (لا تحزن) التي تستدعي تلقائيا الوعد الإلهي بالنصر (إن الله معنا) وقيمتهما الرمزية الكبيرة عند المسلمين بما هما علامة على الخلاص وصناعة التاريخ. إن الأمر إذن يتعلق بالبحث عن العلاج من حال نفسية مزمنة وليس بغرض التثقيف أو الاستفادة من الحكايات والقصص المضمنة بالكتاب، لذا يخلص الغذامي إلى أننا في حال كتاب ‘لا تحزن ‘ ‘لسنا أمام ثلاثة ملايين قارئ ولكن أمام ثلاثة ملايين حزين’ ص47، والأكيد أن ذلك ديدن الكثير من الكتب التي تلقى رواجا من حيث تركيزها على كشف وهن النفس والجسد، وتعد بتقديم كبسولات علاج، ومن أمثلته هربت بنسون الأستاذ بجامعة هارفارد في كتابيه الذائعين (الاستجابة الاسترخائية) و (ما بعد الاستجابة الاسترخائية)، الذي استثمر قيمة الإيمان باعتبارها سبيلا للشفاء، مستفيدا من رحلته إلى جبال الهمالايا ومعايشته رجال الدين في التبت لمعرفة قدراتهم الخارقة في تحقيق سلمية النفس والبدن.
وأيضا كتاب (تصرفي كامرأة فكري كرجل) للممثل الكوميدي والإعلامي ستيف هارفي، الذي يعزف على وتر العواطف والرغبة الملحة للمرأة في معرفة فكر الرجل وكيفية الاحتفاظ به، من خلال التمييز بين الرأي والشعور، حيث يقول مؤلف الكتاب إن عدم الاستمرار في العلاقات يكون مرده إلى اختفاء الرأي أو غيابه تحت سلطة الشعور المتبادل. وفي الكتاب اقتراح علاجي لمعرفة الرأي بما يضمن استمرار العلاقات ونجاحها، وهو وعد يغري النساء الأمريكيات باقتناء الكتاب، كما يغري الرجال من باب فضول الاطلاع على صورهم خاصة أنه يحرك فيهم الفكرة الثقافية النسقية القائلة بأن الرأي (الفكر) رجل والشعور امرأة. وإذن فإن ما يدفع القراء في الغالب إلى جعل كتاب ما ضمن لائحة الأكثر مبيعا هي الرغبة في الاستشفاء وحل المعضلات التي تطرحها الحياة المعاصرة التي تمارس ضغطا على أفراد غابت أو كادت تغيب علاقاتهم التضامنية. والناشرون والكتاب يسعون إلى تغذية ذلك وتكريسه من حيث هي مصلحتهم في جعل الثقافة سلعة مدرة للربح، وهو حقهم على أي حال، وانطلقت هذه الرسملة في بريطانيا، يقول الغذامي، بالتحلل تدريجيا من مجانية الثقافة بفرض رسوم على مستعيري الكتب من المكتبات، وجعل المحاضرات والمسرحيات التي كان حضورها في الجامعات مجانيا بمقابل مادي، كما أن ظهور جائزة البوكر العالمية للرواية، مثلا، بلائحتيها الطويلة والقصيرة وإعلان الفائز في مدد زمنية متفاوتة، يدخل في الإطار الترويجي للكتاب وخلق الحدث الإعلامي حوله يما يمكنه من تصدر رفوف المكتبات. 3) ) الأمية والتقدم الحضاري:
يرفض الغذامي ربط الأمية بالتخلف، ويعتبر أن مصطلح الأمية من أكثر المفاهيم التي تتعرض لسوء الاستخدام، إذ ينسب إليها تقهقرنا الثقافي والحضاري العام، لكن نظرة سريعة لمثال ديمقراطية متقدمة كالهند حيث نسبة الأمية جد مرتفعة، يجلعنا ننظر للأمور من ناحية أخرى، كما أن تاريخنا المجيد ذاته نهض بفئة متعلمة قليلة مارست دور القيادة، وعهد إلى من نصفهم بالأميين بأمر الفتوحات العظيمة وصناعة التاريخ الذي لا نزال نفاخر به. وفي تقصي أعداد الكتب والمخطوطات في تلك الأزمنة ما يؤكد أن صناعة الكتاب وقراءته كانت محدودة بمحدودية النسخ المكتوبة آنئذ.
والأمية ليست رديف الجهالة، كما هو التوصيف المجتمعي لها في الغالب، إذ الأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، وهنا يتكشف قصور الحد المفهومي إذ أننا، يؤكد الغذامي، سنكون إزاء حالات مثل: طه حسين وامرؤ القيس لا تقرأ ولا تكتب، فهما من ناحية التوصيف السالف أميان، لكن أي عاقل ليس بمقدوره أن يقول إنهما جاهلان، إن التعلم يمكن أن يكون بالسماع كما هي حاله في عصر الجاهلية، أو بالمشاهدة كما هي حال من يكتسب ثقافته مما تتيحه إمكانيات عصر الصورة الآن. إن الخطر على التطور الحضاري من منظور الغذامي يكمن في أنصاف العلماء والمثقفين. هؤلاء النسقيون الذين يغيب عنهم الوعي المعرفي الإبداعي المتخصص ويفتقدون سلوكا لطيبة الأميين الذين يقدمون ملاحظاتهم بلباقة بالغة ورقة تحمل في طياتها إمكانية الاختلاف واحتمال الخطأ، وتنزع نحو البساطة واللين. إن السفر في كتاب ‘اليد واللسان’ لأستاذنا الدكتور عبد الله الغذامي، يمنح متعة باذخة وفرصة طيبة لقراءة الظواهر المألوفة على نحو مختلف، وهي قراءات احتمالية، قراءة ما البين، التي يغلب عليها الظن دون القطع، وتند عن المصادرات المعرفية أو الإقصائية، مع التناول العلمي الجاد والإبداعي والمغامر، وقد كان في الكتاب حيز إنساني جميل، حين يستحضر الغذامي بعضا من قصصه ورفقاء دربه الذين جمعته بهم الثقافة والكتاب: الراحل محمد السليم ومحمد الهذلق ومحمد المحيسن، وسليمان الوايلي… فضلا عن علاقته في مرحلة الطفولة بتلك (البسكليت) التي تحولت إلى الكتب التي يعشق.
وأجدني شخصيا منذ تعرفت على كتابات الدكتور عبد الله الغذامي، واشتغلت على كتابه ‘النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية’ من خلال تحليل النماذج الإرشادية في النقد الثقافي كبحث لنيل الإجازة (أجدني) مشدودا إلى حفره العميق والسلس في المخبوء الثقافي وفضح حركية النسق، ومرتبطا بنهجه التجديدي في النقد الما بعد الحداثي، وفي ‘اليد واللسان’ نماذج تطبيقية تغري بالإنصات الناقد واسعا وبتنفس بعض من أريج الإنساني والشعري والإبداعي.