صحف عبريةليس واضحا أي من الكاريكاتورين أثار بشار الاسد: ذاك الذي ظهر فيه كمن يوقف سيارة للركوب بالمجان، يحمل حقيبة ممزقة، ينتظر الى جانب الطريق الى أن يحمله معمر القذافي في سيارته نحو الأفق غير المعروف. وربما الكاريكاتور الذي تقشعر له الأبدان الذي يبدو فيه سجينان في قبو التعذيب السوري: واحد معلق على حبل، ينزف دما، فيما تُلقى على الارض أطرافه المقطوعة، أما السجين الثاني فينتظر دوره، يشاهد على التلفزيون البث الذي يغدق فيه أبناء الشعب السوري المحبة على الرئيس.
في الليلة التي بين الخميس والجمعة خرج رسام الكاريكاتور السوري المعروف علي فرزات من الاستوديو خاصته في دمشق، فتح باب سيارته واعتزم السفر الى بيته. وصدح في أذنيه ‘اللقاء الصحافي’ لبشار قبل ساعتين، والذي وعد فيه بقانون اعلامي جديد، حرية تعبير كاملة وديمقراطية بالطبع. ودفعة واحدة وقعت على رأس فرزات مفاجأة عنيفة. خمسة زعران ملثمون سحبوه من خلف المقود، دفعوه الى سيارة مغلقة، غطوا رأسه بكيس مغلق وضربوه ضربا مبرحا. وكعقبى، بعد لكمة اخرى في العين، كسروا يدي فرزات بقضيب من حديد، كي لا يتمكن من أن يحمل سلاحه، ريشته.
كل هذا وقع من تحت أنف عشرات رجال الامن في ميدان المدينة الصاخبة، ولم يهرع أحد لنجدة فرزات. بعد نصف ساعة فُتحت أبواب السيارة، التي سارعت على الطريق السريع الى المطار، وأُلقي به الى قارعة الطريق. ‘هذا مجرد تحذير’، قال الأزعر الذي ضرب مجددا يديه المكسورتين. اذا واصلت تشويه الرئيس سنصفيك.
ينبغي للمرء أن يكون غبيا، مغلق الحس، منقطعا عن الواقع، كي يعالج رسام كاريكاتور شهير ويعتقد أن قصة الفظاعة والتخويف ستبقى بين الزعران وأقربائهم. علي فرزات، 60 سنة، هو واحد من خمسة الرسامين الكاريكاتوريين الرواد في العالم العربي، حاصل على جوائز دولية، وذو اسلوب مميز. أنا أتابع جرأته، وحياته الفنية الصاعدة والهابطة: فقد قرر لنفسه قاعدة حديدية، ألا يرفق كلاما أو شرحا لرسوماته أبدا وهي التي توجه رسالتها بألوان شديدة الوضوح.
أذكر كاريكاتورا أثار صدام حسين حين وجد شخصيته، بلا كلام، ينظر برضى الى المرآة، ولكن الصورة التي تنعكس ترسمه كقاتل عديم الرحمة، تحيطه أكوام من جثث ضحاياه. في الغداة بعث صدام زعرانه لتصفية رسام الكاريكاتور، ولكنه نجا.
في ايام أفضل، عُرف فرزات كصديق لبشار. ففور اعتلائه الحكم، في 2000، وباع أوهاما بصفحة جديدة، حصل فرزات على رخصة لاصدار مجلة كاريكاتور. ‘من تحت الفانوس’، حققت تاريخا إذ طبعت 50 ألف نسخة وكانت تنفد في غضون اربع ساعات.
ولكن ‘من تحت الفانوس’ انطفأت بعد ثلاث سنوات وأعلن بشار الحرب على صديقه. جرب فرزات حظه في صحف المؤسسة الرسمية، انتقل للنشر في صحف كويتية، حظي بالنشر في ‘لوموند’ الباريسية، التي تبينت كفاءته في الرسم بالاسود الابيض لصورة الوضع القاتمة في سوريا. هنا وهناك أجريت معه لقاءات صحفية، ومثل النبي على الأبواب حذر بشار: اذا لم ترتبط بالواقع الذي يتلظى، ستخسر الكرسي.
أحد زملائه في العالم العربي عقب في موقع الانترنت لفرزات بكاريكاتور حزين: ميزان عدل فقد التوازن ـ على الكفة العليا قضيب حديد حاد ضُرب به فرزات، وفي الثانية قلب محطم، ينزف دمع احباط وغضب.
لا حاجة للمغالاة في الشرح. فعندما يبعث الرئيس بالزعران لضرب رسام، فانه في الطريق الى الهزيمة. اسألوا قناة ‘الجزيرة’ ـ فقد انتهوا من القذافي، ويركزون الآن على سوريا بالضبط مثلما ركزوا على تونس، مصر واليمن، ويرفعون التقارير دون أي تراجع، الى أن يخسر بشار المعركة الخاسرة.
يديعوت 28/8/2011