خيارات صعبة امام ايران المستهدفة من امريكا

حجم الخط
0

خيارات صعبة امام ايران المستهدفة من امريكا

د. سعيد الشهابيخيارات صعبة امام ايران المستهدفة من امريكابعد 28 عاما علي ثورتها، ما تزال ايران تتصدر الشأن الدولي، وتبعث سياساتها جدلا متواصلا لا يتوقف خصوصا في الدوائر الغربية. فإن كان الحديث حول امن الشرق الاوسط تبدو ايران عاملا اساسيا في هذا النقاش، وإن كان حول العراق واوضاعه الحالية، فالدور الايراني لا يمكن تغييبه، وكذلك الشأن اللبناني والقضية الفلسطينية، والاوضاع الافغانية وشؤون أمن الخليج، وقضايا النفط والغاز، وشؤون دول بحر قزوين. موقع ايران محوري في هذه القضايا وغيرها، لأسباب عديدة. فهي دولة اقليمية كبري، تمتلك من النفوذ السياسي والاقتصادي الشيء الكثير، ويزيد من اهمية موقعها هويتها الايديولوجية ومحوريتها في المشروع السياسي الاسلامي الذي اصبحت اهيمته تتجاوز الحدود الجغرافية.كما ان القيادة الايرانية تتميز بالديناميكية والمهارة في المناورات، بالاضافة الي تمسكها بعدد من الثوابت في سياساتها الخارجية. من هنا لم يغب الشأن الايراني عن الجدل الاقليمي والدولي علي مدي العقود الثلاثة، اي منذ اندلاع اولي شرارات الثورة في ربيع 1977. يومها كان هناك عالم دين يعيش في زاوية من زوايا مدينة النجف العراقية، منذ ان أبعده الشاه محمد رضا بهلوي عن ايران في اثر انتفاضة 1963. تلك الانتفاضة كانت احتجاجا من الامام روح الله الموسوي الخميني ضد ما كان يسمي قانون الحصانة الذي اقره البرلمان الايراني والذي يمنح الامريكيين المتواجدين في ايران الحصانة من القضاء الايراني. اعتبر الامام الخميني ان اقرار ذلك القانون تنازل عن السيادة، وحدثت الانتفاضة التي سقط فيها آلاف الشهداء. وبعد بضعة شهور قضاها الامام الخميني في تركيا بعد ابعاده قرر الاستقرار في مدينة النجف. في مطلع 1977 كتب وزير الاعلام في نظام الشاه، داريوس همايون، مقالا في جريدة اطلاعات هاجم فيه الامام الخميني، الامر الذي اثار حفيظة طلبة الحوزة العلمية وعدد من الناشطين، فحدثت تظاهرات في عدد من المدن، سقط فيها العديد من القتلي، وتواصلت وتيرتها تصاعديا وفشل الشاه في اخمادها. في تلك الظروف طلبت الحكومة العراقية من الامام الخميني مغادرة اراضيها، فحاول الانتقال الي الكويت ولكنها رفضت طلبه، فانتقل في ايلول/ سبتمبر 1978 الي فرنسا وقام بتوجيه الثورة وحث المواطنين علي مواصلة المطالبة باسقاط نظام الشاه. وفي 16 كانون الثاني (يناير) 1979 غادر الشاه ايران الي الولايات المتحدة، وعين شاهبور بختيار رئيسا للوزراء، ولكن عودة الامام في الاول من شباط/ فبراير وتعيينه مهدي بازركان رئيسا للوزراء أجبر بختيار علي الفرار فسقط النظام وقامت الجمهورية الاسلامية. كان ذلك الحدث من اهم مفاصل التطورات السياسية في الشرق الاوسط. فهي المرة الاولي في التاريخ المعاصر التي يقوم فيها نظام سياسي اسلامي علي انقاض حكم مدعوم بكل قوة من قبل الولايات المتحدة الامريكية. كان ذلك زلزالا سياسيا كبيرا ادي الي تغير في العلاقات والتحالفات الاقليمية بصورة كبيرة اوصلت الاوضاع الي ما هي عليه الآن. وكان من اول التغيرات علي السياسة الخارجية الايرانية قطع العلاقات بين ايران و اسرائيل وهي العلاقات التي اقامها الشاه مع نظام الاحتلال برعاية امريكية. واتضحت منذ تلك اللحظة معالم النظام الجديد علي صعيد العلاقات الخارجية، خصوصا مع رفع شعار الاستقلال وعدم الانحياز للشرق او الغرب، وتحقيق استقلال القرار. المنطلق الايديولوجي للثورة كان متميزا، وتزامن مع بدايات ظاهرة الصحوة الاسلامية المعاصرة، الامر الذي دفع بما يسمي الاسلام السياسي الي الواجهة. وقد فوجيء الغرب بالثورة ولم يحسب حسابها، ولم يدرك أبعادها الفكرية والثقافية والايديولوجية وانعكاساتها علي التوازن الدولي. بعد ثلاثة عقود علي ذلك الحدث العملاق، ما يزال المسرح السياسي يتفاعل مع الشأن الايراني بحماس كبير، وما يزال هذا الشأن متعبا للأطراف الاخري، خصوصا الولايات المتحدة الامريكية. فبعد الجدل المتواصل حول تصدير الثورة و دعم الارهاب و الخطر الاصولي هناك الآن قضايا اساسية مرتبطة بالشأن الايراني تتصدرها ثلاث هي: المشروع النووي والفتنة الطائفية والعلاقات مع اسرائيل . وبرغم مرور اكثر من اربعة اعوام علي اثارة الزوبعة حول المشروع النووي الايراني لا تبدو القضية اقرب الي الحل عما كانت عليه. فالموقف الايراني يبدو متماسكا بين الفرقاء السياسيين داخل المؤسسة الايرانية، وان كانت هناك لغات مختلفة يستعملها كل فريق للتعبير عن موقفه. اما الامريكيون فلم يستطيعوا تحقيق اجماع دولي لاتخاذ اجراء محدد ضد ايران لاجبارها علي التخلي عن ذلك المشروع. وهناك شرخ واضح بين ضفتي الاطلسي ازاء سبل احتواء الازمة. وساهمت الخطوات التي اتخذتها واشنطن الشهر الماضي بارسال حاملات طائرات الي منطقة الخليج في تعميق الشكوك ازاء النوايا الامريكية، واعرب الاوروبيون بشكل واضح عن عدم موافقتهم علي الخطوات الامريكية التصعيدية، معتبرين ان من الضروري حل المشكلة بالاساليب السلمية وعبر الحوار والتفاوض. وجاءت تصريحات الرئيس الفرنسي الاسبوع الماضي التي قال فيها ان امتلاك ايران قنبلتين نوويتين او ثلاثا لا يشكل اختراقا للتوازن العسكري في المنطقة او تهديدا لامن الغرب، لتزيد من حدة الازمة الصامتة بين امريكا واوروبا حول سبل احتواء المشكلة. كما ان تصريحات المسؤولين الروس عن عزمهم الاستمرار في التعاون النووي مع ايران حتي اكمال محطة بوشهر النووية أضعف من مصداقية القول بوجود تحالف دولي متماسك ضد المشروع الايراني. وحتي حلفاء واشنطن واصدقاؤها في المنطقة لم يعودوا قادرين علي مسايرة الموقف الامريكي الذي يتحرك خارج الاجماع الدولي. فباكستان ما تزال موضع شكوك الولايات المتحدة التي تعتبر رائد مشروعها النووي عبد القدير خان، المسؤول الاول عن نقل التكنولوجيا النووية الي كل من كوريا الشمالية وليبيا وايران. المسؤولون الباكستانيون، من جانبهم، لم يخفوا اختلافهم مع الموقف الامريكي ازاء ايران، وقال عدد منهم، من بينهم رئيس الوزراء، شوكت عزيز، والسفير الباكستاني في واشنطن، محمود دراني، بان ايران متعاونة بشكل جيد في الشأن الافغاني، وان بالامكان الاستفادة من هذا الدور في محاصرة ازمة العراق المتفاقمة. وفي المقابل، يبدو ان ايران حققت اختراقا مهما في العلاقات العامة، وذلك بالترويج لموقف عربي ـ اسلامي يستهدف السلاح النووي الاسرائيلي، ويطالب العالم بالضغط علي الكيان الصهيوني لتوقيع معاهدة الحد من انتشار الاسلحة النووية. وفيما يطرح الكثيرون ضرورة ابقاء الشرق الاوسط منطقة خالية من السلاح النووي، بادر المسؤولون المصريون لتكرار انزعاجهم ازاء الصمت الامريكي والدولي من السلاح النووي الاسرائيلي. وهكذا اصبحت واشنطن متهمة من جديد بازدواجية المعايير والمواقف السياسية، ومطالبة بالضغط علي الكيان الاسرائيلي للتخلي عن ذلك السلاح. وهناك ما يشبه الاجماع علي ان اي عمل عسكري يستهدف ايران ستكون عواقبه وخيمة علي المنطقة، وسوف تكون له انعكاسات سلبية علي الامن والاستقرار الاقليميين والدوليين، وانه سوف يؤدي الي مسلسل من الفعل وردود الفعل التي لا تخدم مصالح دول المنطقة وشعوبها. وعلي صعيد آخر، يبدو الدور الايراني محوريا في هذه الفترة لاحتواء ظاهرة الاحتقان الطائفي الذي اصبح مصدر قلق واسع لدي ابناء المنطقة. هذا الاحتقان تغذيه عوامل عديدة من بينها الجهل والتعصب والتشويش الاعلامي والتخطيط المغرض من قبل جهات تري مصلحتها في تفرق المسلمين. العراق اليوم هو المسرح الاساس لهذا الاحتقان، وان كانت ساحات اخري مثل باكستان ولبنان والبحرين مهيأة للاحتراب الطائفي غير المقبول وغير المبرر. تتوجه الانظار الي ايران للقيام بدور ايجابي في احتواء هذه الظاهرة، وذلك من خلال علاقاتها مع الدول القادرة علي التعاون، اذا ارادت، في هذا المجال خصوصا السعودية ومصر. وقد استقبلت تصريحات الدكتور محمد سليم العوا، الامين العام لاتحاد علماء المسلمين، بالتوصل الي اتفاقات عملية مع ايران لاحتواء الاحتقان، بارتياح واسع، علي أمل ان تسعي الاطراف المعنية لاتخاذ خطوات عملية لمنع التراشق بين المسلمين من منطلقات مذهبية. هذا الاحتقان لا ينفصل من حيث الاسباب والجهات التي تروج له، عما يجري من اقتتال في الوسط الفلسطيني، لأسباب ترتبط اساسا بالموقف ازاء الاحتلال الاسرائيلي. هذا الاقتتال اصبح مقلقا جدا، ومؤشرا علي وجود الاستعدادات النفسية والايديولوجية لتحويل الاختلافات في المواقف السياسية والانتماءات المذهبية الي قضايا مصيرية لا تستبطن سوي خيار الموت. لقد اصبح هناك تداخل في الاولويات السياسية والانتماءات الفكرية، والتحالفات بشكل يدفع الي القلق. وما يجري في لبنان مثلا، لا ينفصل عما يجري في بقية المناطق، وان كان بالامكان البحث عن عوامل واسباب خاصة لكل حالة، تبدو منفصلة عن الحالات الاخري، وتؤدي الي الاقتناع بانها منطلقة محليا بدون تحريض خارجي. والواضح ايضا ان هناك غيابا ملحوظا للرجال القادرين علي التحرك الواسع لاحتواء الظواهر السلبية خصوصا التي تؤدي الي سفك الدماء والقتل علي الهوية. وتبدو ايران، مرة أخري، لاعبا ضروريا في هذه الازمة، خصوصا لعلاقاتها مع اطراف الحكم في عدد من الدول خصوصا العراق ولبنان. اما العنوان الثالث للوضع الايراني فهو العلاقات الخارجية مع الدول التي اتسمت علاقاتها معها اما بالقطيعة او التوتر. فمثلا هناك الآن ضغوط علي امريكا للتخلي عن لغة التهديد، والعودة الي لغة أكثر تأثيرا، كتقديم حوافز اقتصادية للايرانيين، والتعاون في المجال النووي وفق ما تمليه معاهدة ان بي تي، والتخلي عن مشروع حرية ايران الذي تموله واشنطن ويهدف لتغيير النظام في طهران. الايرانيون يدركون انهم أقدر علي التأثير في المناطق الساخنة التي تورطت فيها امريكا مثل افغانستان والعراق، وانها لا تخلو من تأثير علي مواقف الفرقاء في لبنان، والمقاومة الاسلامية في فلسطين، وان بامكانها الحاق الضرر بالمصالح الامريكية في اكثر من مكان، اذا ما تعرضت مصالحها للتهديد او استهدفت بعمل عسكري من قبل الولايات المتحدة. وفي ظل تطورات الاوضاع في اسرائيل بعد فشل حربها ضد لبنان، ومحاصرة رئيس الوزراء البريطاني سواء في موضوع الحرب ضد العراق ام في مسألة منح الاوسمة للداعمين الماليين لحزب العمال، وعدم وجود رغبة لدي الكونغرس الامريكي في الدخول في حرب اخري ضد ايران، كل ذلك يعني ان سياسات بوش أصبحت تفتقر للدعم السياسي والقانوني، خصوصا مع احتمال عدم تحقيق انتصار حقيقي في العراق. من جانبهم، فان الايرانيين ايضا مطالبون باعادة النظر في بعض الملفات التي استعملت لاستهدافهم وطرح خطاب سياسي قادر علي استيعاب حقائق الواقع في المنطقة وفي الدول الغربية. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية