على ربوة ظليلة بالجمال والطبيعة الآسرة، في صورة تفتن العين، تشبح مستوطنة ‘حلميش’ الإسرائيلية، إلى الشمال الغربي من مدينة رام الله، كأصنافها من المستوطنات الجاثمة فوق الأرض الفلسطينية، والمنغرسة كخنجر مسموم في قلب الفلسطينيين. وتستتبع هذه القيمة الجمالية للمكان، قيمة استراتيجية، تجعل منه خط دفاع متقدما عن حدود حزيران 67 ـ في التفكير الأمني الإسرائيلي ـ فهو أقرب ما يكون إلى الثكنة العسكرية.
وعطفا على الذاكرة، وفي مثال تاريخي، يستجلي أهمية المكان عسكريا، فقد اهتمت السلطات الأردنية إبان حكمها للضفة الغربية بتمركز دباباتها هناك، ما حدا الفنان الأردني توفيق النمري، وبحماسة المتفائل بالنصر، على التفاخر بدورها في الدفاع، في خمسينيات القرن الفائت بقوله: مرحى لمدرعاتنا رمز القوة لبلادنا.. إن نزلت للميدان تحمينا من العدوان.
غير أن نبع المزايا الذي يمتح منه المستوطنون الآن، رغما عن السكان الأصليين، وعلى ناصيتها الإحساس ‘الخادع بالأمن’، والذي يعبر عنه بالمجموعات المسلحة ‘العصابات’ التي تتجول خارج المستوطنة ليلاً ونهاراً، إلى بؤرة استيطانية قريبة من البيوت المتنقلة، أضيفت إلى المستوطنة، لا تمنع هؤلاء المحتلين الساديين، من شحذ عنصريتهم بين الفينة والأخرى، والتسبب بالخوف والأذى للفلسطينيين.
في هذا السياق العنصري يندرج حادث الاعتداء الخطير، أواخر الشهر الماضي على عائلة مسحل الفلسطينية. ففي ليلة مسكونة بالسّواد، رصدت مجموعة عنصرية متطرفة، سيارة فلسطينية تقترب من مدخل المستوطنة، وعلى طريقة قطاع الطرق، عمدت سيارة للمستوطنين، إلى إعاقة سيرها، ما وجّه السائق ‘الأب’ إلى سلاح المناورة، وإذا بلصوص الأرض يندفعون من بوابات المستوطنة، وعلى مرأى من عناصر الجيش الإسرائيلي المكلفين شؤون الحراسة، ينهالون على السيارة الفلسطينية تكسيرا وتهشيما لزجاجها، وسط حالة من الفزع الشديد لركابها، وهم أفراد عائلة واحدة، فقدت إحدى بناتها النطق من هول الصدمة.
وبعد عدة أيام تتناقل وسائل الإعلام تصريحات لمسؤولين إسرائيليين، عن نية الحكومة الإسرائيلية إبعاد عدد من المستوطنين المتطرفين إلى داخل ‘إسرائيل’، لمدد لا يتجاوز سقفها عدة أشهر، قاموا ‘بمخالفات’ مستفزة لحالة الهدوء الأمني، مثل حرق للمساجد ورشق للسيارات الفلسطينية بالحجارة، ومهاجمة الحقول والمزارعين الفلسطينيين. وكأن المشكلة تتصل بأفراد، ولا تلامس نهجاً فاشيا، وثقافة تعصبية، تستحوذ على أدمغة غلاة المستوطنين ـ وهم كثر ـ حول ‘الأغيار’، وتشكل امتدادا للييشوف الصهيوني المؤسس على فكرة التطهير العرقي.
إن كل يوم يمر، يراكم فيه المستوطنون نفوذهم وسلبهم للأرض الفلسطينية، بغطاء من حكومة اليمين المتطرف، وتواطؤ أميركي سافر، ونفاق دولي معيب، يجعل آفاق الحل السياسي موصدة، ولن يجلب سوى المزيد من ردات الفعل، التي قد تستجر دوامات من العنف الذي ينتظره المستوطنون وحكومة إسرائيل بفارغ الصبر، لإحداث فجوات في غيوم الأزمة المتشعبة، بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والتي تلبد الفضاء الحكومي في إسرائيل.
هي إذن ممارسة عنصرية بامتياز، تضاف إلى عمليات التهويد والاقتلاع، والاعتقال اليومي والقتل بدم بارد، ومصادرة الأراضي الفلسطينية، وهدم البيوت، وإفراغ القدس الشريف من طابعها العربي، وتهديد الأماكن المقدسة، والتنكر للحقوق الفلسطينية في الحرية والعودة والاستقلال المجيد. وتؤشر كذلك على تقاطع المستوطنين والحكومة الإسرائيلية، في التضييق على الفلسطينيين.
فرغم انغماس إسرائيل الدائم بالمنظومة الأمنية، يأتي العنف ليوفر لها بيئة خصبة تغذي أجندتها في إضعاف الفلسطينيين ووصمهم بالقتل والإرهاب، ونفي شراكتهم في صنع السلام، وتعزيز مكانتها الدولية.
فمصلحة الفلسطينيين من هذه الزاوية تكمن في عدم التلبث أمام حالة الاستقواء التي يستشعرها المستوطنون، وبناء استراتيجية فلسطينية، تتمحور حول الرفض القاطع والجازم، لأي شكل من أشكال الاستيطان، وربط الاستجابة الفلسطينية لاستحقاقات السلام، بتفكيك المشروع الاستيطاني الإسرائيلي بكليته، لانتزاع سيادة كاملة للدولة الفلسطينية القادمة دون أي عائق استيطاني.
فالترحيل الجذري ذو المعنى، ليس لأفراد ارتكبوا فعلا إجراميا بتوجيه مدروس من محافل إرهابية رسمية أو غير رسمية إسرائيلية، بل بطي صفحة الاستيطان، والترحيل الجماعي للمستوطنين، إذا كان ثمن ذلك الاقتراب من أدنى نقطة للحل العادل في منطقة استنزفها الاحتلال على مدار عقود طويلة. أحمد أبو سالم