محمود قرني
لا أعرف علي فرزات، لكنني أعرف يده التي حطمتها هراوات النظام السوري، بالضبط، كما أعرف عينيه الملونتين الرائقتين اللتين حاول الشبيحة فقأهما. وأتصور كذلك أنني أملك شجاعة، لست متأكدا من قدرتها على البقاء، لكنها ربما منحتني القدرة على أن أقول له: ليتها كانت يدي. لا أعرفه، لكنني أعرف رسومه. عايشتها، ضحكت منها، تألمت من أجل المسحوقين في حُلكتها، وبصقت على الكذبة من خطبائنا الذين أطلوا منها، عندما كنت أراهم في عشرات الرسوم وهم يعتلون المنصات بينما تتدلى خطبهم في بكرات ورقية طويلة تثير السخرية والاشمئزاز في آن، كانت النوافذ آنذاك تتسع لعشرات المجلات التي كان يطل منها ‘فرزات’ على محبيه وعشاق فنه. كان مثقف الدولة القومية، ساعتئذ، يأمل في تزاوج بين الثقافة والسلطة، لذلك سرعان ما كانت عشرات المنابر تقتفي أثر ‘فرزات’ لكنها، وبنفس الكفاءة، سرعان ما كانت تحيك المؤامرات لطرده. لذلك بدت رحلة الفنان طريقا للبحث عن ‘إيثاكا’ المستحيلة، تلك التي تبدت دائما طريقا لسؤال كل فن، بل طريقا لسؤال كل فنان.
وتحت السقف العالم ثالثي، العربي منه على نحو أدق، يبدو قدر الفنان مرهونا بالتحلي بحمولة من الأوصاف التي لن تكون بالضرورة جزءا من إجابة سؤاله المعرفي. من هنا يمكننا القبول بمبررات إضافية للكيفية التي نبتت بها للفنان العربي جلود مضافة كست خلقته الأولى، كذلك ابتكاره مفردات خاصة لتعزيز رباطة الجأش في وجه طغيان وجهل يبدو تلاقحهما أمرا بدهيا، حيث آلهة الدولة القومية قد تخلت عن مساحيقها الخادعة، بعد أن استحالت الهراوات الغليظة دبابات وطائرات وصواريخ، واكتشفنا بعد عقود من الزمان أن هذه الهراوات، شديدة الحداثة شديدة التدمير؛ لم تكن جزءا من مخططات إنقاذ الهوية المُجَرَّحة، بل إنها، مع كثير من المليارات، تمثل المدخرات الوحيدة لقتل الشعوب التي ترزح تحت نير آلهة العرب المحدثين. ‘ ‘ ‘ستظل مفردات علي فرزات المبدعة برهانا على زمن طال، وطفحت أحابيله وأكاذيبه، وانتفخت أوداج زبانيته بسوء الملفوظ، وتدلت الكروش منهم على العروش. ولزمن، طال أكثر مما ينبغي، سمعنا أطناب الحداثة وسُرَّاقها يقدمون البرهان إثر البرهان على أن الشعوب التي خرجوا من بطونها لا تسحق أفضل مما هي فيه، فهي في أحسن أحوالها ناقصة الرشد، منعدمة الأهلية. كذلك سمعنا آخرين يشجبون عمل الثوار السوريين لأنهم يخرجون من الجوامع، ويرفضون وصف بشار الأسد بالطائفية، ثم يهدرون القيمة الدينية في حدودها الدنيا حتى باعتبارها احد تمثيلات الخبرة الإنسانية. ومن يتأمل فتوى الشيخ ‘محمد سعيد البوطي’ بشرعنته استحلال أموال السوريين ودمائهم من قبل بشار الأسد، لن يستطيع أن يعثر على فجوات واسعة بينها وبين موقف مثقف وشاعر كبير كـ ‘أدونيس’، أو فنان لا يشق له غبار كـ ‘دريد لحام’. فتلك الأنظمة لا تكف عن استخدام أرقى وأنبل ما في القيمة الإنسانية والمعرفية ـ التي من المفترض أن يكون هؤلاء من بين ممثليها ـ كسبيل لإعمال أحط الغرائز وأكثرها فظاظة وغلظة. أمام أمثال هؤلاء نحن في مسيس الحاجة إلى ريشة ‘علي فرزات’. فهي وإن امتلكت كل مقومات الفن الرفيع بالإجماع المحلي والعالمي، إلا أنها لم تتخل لحظة عن رسالتها الأخلاقية تحت أية ذرائع. وها هو الرجل مطوحا على سرير من حديد في مستشفى الرازي بدمشق يسدد الفاتورة نيابة عنا. ‘ ‘ ‘في القرن الرابع الهجري قام الخليفة العباسي ‘الراضي بالله’ بقطع اليد اليمنى لمؤسس فن الخط العربي العلامة الوزير ‘ابن مقلة’. وبعد أن أُلقيت الذراع المبتورة في نهر دجلة كتب صاحبها يرثي نفسه ويقول: ما سئمت الحيـاة لكن توثقت بأيمـانهم فبـانت يميني ولقد حُطتُ ما استطعت بجهدي حفظ أرواحهم فما حفظوني ليس بعد اليمـين لذة عيـشٍ يا حيـاتي بانت يميـني فبيني وقد كانت الأبيات نفسها سببا في قطع لسان الرجل لتكتمل صورة الطغيان المستعاد، وليبقى الخليفة الراضي قاتلا ويبقى ‘ابن مقلة’ في ضمير أمته’ علاَّمةً مغدوراً.
هذا أيضا ما فعلته يد السفاح ‘بينوشيه’ في مُغَنِّي الثورة التشيلية ‘فيكتور جارا’ الذي ظل يعزف في الملعب الوطني بعد أن قطعوا كلتا يديه ثم يطلبون منه الاستمرار في العزف، وعندما يستمر في عزفه يردونه قتيلا. هنا يشفق المرء على الحذاء الذي لازم رسوم ‘علي فرزات’، هذا الحذاء الذي جاهد طويلا في سبيل الاستئناس، ومع ذلك فشل في أن يكون تعبيرا عن قيمة مضادة لأصوله غير المشرفة، على الأرجح. لذلك فالحذاء نفسه، كما ظل صالحا للتعبير عن وجه الجلاد، ومقص الرقيب، وهراوة الشرطي، ومسدس غوبلز، سيظل صالحا لأن يكون تعبيرا عن وجوه كثيرة ومتعددة. شاعر من مصر