«نحن سنواصل مساعدة الجيش العراقي الذي بات مسؤولا عن الأمن في معظم أرجاء العراق. التواجد المدني الامريكي الشامل سيساعد العراق على التقدم في المستوى السياسي والاقتصادي. هذه لن تكون مهمة بسيطة، ولكنها تبدو ناجحة: العراق الذي لا يوفر ملجأ للارهابيين؛ العراق الديمقراطي، ذو السيادة، المستقر، الواثق بنفسه». هذا كان تقدير الوضع الاستراتيجي للرئيس الامريكي براك اوباما في ايار 2010.
بعد اربع سنوات من ذلك، لم يتبقَ من كل هذه الاستراتيجية سوى الخرائب. فقد اعتقد الامريكيون بانهم يقيمون جيشا عراقيا قويا ونظاما ديمقراطيا سيكون قدوة في العالم العربي ولم يفهموا بانه ليس مناسبا على الاطلاق للتجربة العراقية. فالديمقراطية في العراق، حسب الامريكيين، معناها أن الاغلبية الشيعية ستحكم الاقلية السنية. وهذا يتعارض مع أنظمة العالم التاريخية، حين كان الشيعة في العراق يخضعون منذ مئات السنين لحكم السنة، وفي عهد صدام حسين قمعوا بيد من حديد.
ما يحصل الان في العراق هو تعميق الشرخ الكبير في العالم الاسلامي بين السنة والشيعة. رافعو العلم السني (تنظيم دولة الاسلام في العراق والشام) هم من النوع المتطرف الوحشي والاكثر عنفا الذي انفصل عن القاعدة بسبب «اعتدالها»، وعلى بؤرة استهدافه توجد أيضا أنظمة سنية «كافرة». هذه قوة خلقت واقعا جديدا في الهلال الخصيب: مثابة إمارة اسلامية تمتد من شمال وغرب العراق الى شمال – شرق سوريا.
واضح منذ الان بان هذا انجاز للاسلام المتطرف، وتشجيع لكل الجهاديين بصفتهم هذه. وقد أعلنت الولايات المتحدة بان «كل الخيارات تدرس» من أجل مساعدة الحكم في بغداد على صد المتطرفين الاسلاميين. وحاليا قررت ارسال حاملة طائرات الى الخليج العربي. وبتقديري ليس لها اي خيار حقيقي من أجل تغيير الوضع الجديد الناشيء في العراق من اساسه. وهي أغلب الظن ستسلم به، مثلما سلمت باستمرار المذبحة في سوريا، ومثلما سلمت عمليا بضم القرم الى روسيا. ويطرح السؤال: على ماذا أضاعت الولايات المتحدة سنة كاملة في محاولة لاحلال تسوية نهائية بين اسرائيل والفلسطينيين؟ فعندما يكون كل الجرن الشرق الاوسطي مشتعلا، حاولت البحث هناك عن كيس تبن على أمل يائس في أن يكون هذا هو ما يطفيء الحريق.
والان ماذا عن إسرائيل؟ ما يحصل ليس جيدا لنا. اولا، هذا يعطي ريح اسناد لكل عناصر الارهاب الاسلامي المتطرف. وفروعهم يحيطون بنا اليوم من كل حدب وصوب. وبشكل طبيعي يتنطح السؤال: ماذا سيكون مصير السلطة الفلسطينية عندما لا يكون الجيش الاسرائيلي هناك، وتغرق بـ «اللاجئين» ورجال الاسلام المتطرف؟ ثانيا، للنظام الاردني يكمن خطر، وليس فقط بسبب طوفان اللاجئين الذي يغمره وسيغمره ايضا. فقد شكل دوما لنا ذخرا استراتيجيا، ولكن الان اكثر من اي وقت مضى، ترفع الاهمية الامنية لغور الاردن بقوة أعظم.
ثالثا، في كل حدث كبير تنعقد احيانا احلاف جديدة. وبشكل غريب نشأ الان تماثل مصالح بين الولايات المتحدة وايران لحماية النظام العراقي. فهل سينضج هذا لدرجة التعاون بين الدولتين؟ بتقديري، نحن بالتأكيد لن نربح من هذا.
مهما يكن من أمر، يخيل لي ان هذه أزمنة لا يصار فيها الى الاسراع في التخلي عن ذخائر استراتيجية أو الاعتماد على مخدر في شكل «مبادرة عربية» وعالم عربي ليس موجودا مثلما كان حتى قبل بضع سنوات.
هآرتس 18/6/2014
عاموس غلبوع