عبد الرحيم سليليقبل الخوض في عوالم إبراهيم الحجري المزاوجة بين الدهشة والبوح في آن واحد لا بد من الوقوف مليا على إشكال التصنيف، ليس للأثر الأدبي وحده، ولكن للأثر والكاتب معا؛ فقبل حوالى عقد من الزمن أطلق هذا الكاتب شرارته الأولى في مجال الإبداع الأدبي باشتراك، وتحت عنوان مأساوي ‘أبواب موصدة’. والواقع أن إبراهيم الحجري سعى بجد إلى معاكسة عنوان مجموعته البكر فقد حاول بإصرار شديد فتح أبواب كل شيء في حقل الكتابة الواسع ليقدم سلسلة قراءات نقدية أثثت العديد من المنابر الوازنة على امتداد الوطن العربي قبل أن يتم تجميع معظمها في ما بعد في كتاب نقدي متميز بعنوان ‘آفاق التجريب وتحولات المعنى في القصيدة المغربية الراهنة’ كما أن الكتابة الشعرية أخذت حيزا من اهتمام هذا المبدع الشاب؛ فقد فتح علينا نارها بديوانه ‘أسارير الوجع العشيق’، لتأتي آخر الطلقات مجموعة قصصية موسومة بالكثير من التميز والاختلاف عنونها بكلمة واحدة فاصلة ‘استثناء’. كل هذا السفر عبر حقول الكتابة الأدبية من شأنه أن يضع القارئ أمام حيرتين؛ حيرة تصنيف المـبدع (القاص والشاعر والناقد الأدبي والفني) وحيرة تصنيف الأثر باعتباره عابرا للأجناس رغم محاولة مبدعه حسم المسألة على الغلاف بإعلان الجنس الذي يتفيأ داخله محتوى كل كتاب. وبالعودة إلى المجموعة الأخيرة يتوجب علينا الوقوف على عتبة النص باعتبارها مدخلا إلى ما سواها، فكلمة ‘استثناء’ رغم فرادتها العددية وتجردها من كل إسناد، تجر وراءها سيلا عارما من التأويلات التي نجد لها أكثر من سند في المتون القصصية الموجودة بين دفتي الكتاب؛ دون أن تفوتنا الإشارة إلى كون هذا الاستثناء يستوحي قوة حضوره على صعيد الحصاد الأدبي لصاحبه. فإذا ارتبط الكتابان السابقان بالبوح الشعري لكون أولهما ديوانا شعريا، وثانيهما قراءات في منجز القصيدة المغربية المعاصرة، فإن العمل الذي بين أيدينا ينتمي إلى مجال السرد القصصي الذي يُفترض فيه استنبات الوقائع كما هي رافعا شعار تكثيف اللحظة وإخضاعها لجراحة استطلاعية بدل حشوها بالدهشة والحلم. وهو الأمر الذي سنتفاجأ بانتفائه كلما أوغلنا في القراءة، فاللغة المستعملة تخرج عن هذه الغاية لـ’تنتظم، كمفارقة جميلة، لما هو معتبر ضمنياً غير جميل في الثقافة السائدة’. على حد تعبير يمنى العيد. لقد أصر إبراهيم الحجري على أن يقدم لنا وجها مغايرا للقصة المغربية التي عهدناها تسعى دائما لتقديم واقع مزر بصورة أكثر إزراء وإغراقا في المأساوية، فرغم مأساوية الأحداث في مجموعة ‘استثناء’، نجد البناء اللغوي يسعى جاهدا لتأثيث مشاهد جميلة بلغة تنزح نحو الشعر في معظم تجلياتها لتؤكد لنا ‘أن حاجات الروح، أو هذا العشق الذي يكابده الجسد منسوج على مستوى جمالي قادر، بجماليته، أن يولد لدى القارئ تعاطفاً، أو تواطؤاً، مؤداه تحول وعيه، أو ميل للتساؤل عن قيمة الارث الذي ما يزال يقمع الروح ويشوه معنى حاجات الجسد’. والقول دائما ليمنى العيد. هذا الانثيال اللغوي الجميل سيتكرر داخل مجمل قصص المجموعة ليقدم مشاهد شعرية تخاطب عين المتلقي وتهز وجدانه في حركة متوازية لا تتحقق إلا في الخلق الشعري باعتباره إبداعا متعدد الأثر. يقول الكاتب في قصة بعنوان ‘امرأة فوق طاولة’: ‘تبدو الشمس كئيبة هذا الصباح. تظهر مثل عروس اكتشفت غياب عذريتها صباحا. قد تكون ابتسمت فجرا قبل أن تهرع الكائنات من مخابئها. البحر هادئ يصافح الرمال في وداعة. السور البرتغالي حزين، كعادته، يصارع ألم الخدوش التي لحقته. البجعات الهرمات يملأن سماء المدينة صخبا: عاق.. عاق..’. في هذا المقطع الشاعري تؤدي اللغة وظيفة مزدوجة فهي تقتنص المشهد بفنية مرهفة دون أن تنسى أثره في نفس من يشاهده. فالكآبة والحزن والهدوء والألم كلها أحاسيس لا يمكن إلصاقها بهذه الأمكنة، لكنها تبقى حاضرة بقوة في وجدان من يعيش فيها أو يشاهدها.
إضافة إلى جمالية البناء المشهدي تحفل نصوص ‘استثناء’ بلمحات شعرية يتكاثف فيها الرمز والانزياح والصورة معا لتوليد شحنات دلالية تتدفق بانسيابية غير محدودة، مما يجعل القارئ مضطرا إلى المزاوجة بين القبض على خيط الأحداث وضبط المسارات السردية للذوات الفاعلة من جهة، وبين الانتشاء بجمالية المشاهد المؤطرة فضائيا لهذه الأحداث ـ رغم كونها تنتمي في مجملها إلى خانة الهامشي والمهمل ـ من جهة ثانية. فمنظر ‘الطاهر الغردوس’ المقامر وبغلته، وهما يعودان مساء، وقد سلبت جلسة قمار خاطفة مجهود يومهما، لا يحرم القارئ من التمتع بجمالية الوصف الذي قدمه الكاتب به في نفحات شعرية فاتنة ‘يستيقظ الطاهر الغردوس، كعادته، باكرا قبل أن تمتد خيوط الشمس مصافحة لأديم الأرض. وما تزال بقايا ظلام خفيف تخيم على وجه القرية الصغيرة… ومع ذلك لايزال وقع حوافر البغلة يتردد عبر الدروب المتعرجة، يخرب صمتها الحزين، فجأة يفرج الصمت عن الآذان عميقا يفتق انسداد التعرجات والمسالك’. ص/ص: 16-17. كل هذا التفاني الفني في خدمة الشكل لم يمنع إبراهيم الحجري، في مجموعته ‘استثناء’، من استدعاء كينونته لتقيم بين دفتي هذا الكتاب إقامة مساءلة ومحاسبة لا إقامة استجمام. فالواقع معروض على طاولة السرد العريضة دون تخدير؛ ليخضع لأكثر من جراحة لا تتغيى تجميله، بقدر ما تتغيى مصارحته بعيوبه؛ مرة عبر سرد قصص كاملة لنسخ بشرية تعيش بيننا لكننا لا نشعر بعذاباتها دون وساطة اللغة السردية التي أصبحت مسكنها الثاني، ومرة أخرى عبر ومضات متحررة أثث بها الكاتب قصصه القصيرة جدا التي تنتصر للإيحاء والمكاشفة على حساب القصة، وكأنها تريد أن تقول للقارئ الكتابة عنك وليست لك، ولنترك لهذه القصة الومضة التي تحمل عنوانا موحيا؛ ‘حياة’ مهمة تأكيد ما خلصنا إليه؛ ‘وُلِد. صرخ. حبا. مشى. ضحك. بكى. تعلم. شب. أجيز. تعطل. ناضل. سجن. ترشح. فاز. استغل. اغتنى. افتقر. صلى. حج. ضعف.
مرض. مات. دخل جهنم’. شاعر مغربي