سأكتب.. وأرمي في البحر

حجم الخط
0

موسى حوامدةسأكتبُ وأرمي في البحر؛ سأكتب عن الموتى الذين يحيون، من جديد؛ عن الأموات الذين يولدون، معي، كلَّ ليلة؛ عن أمي التي لم ترضعني جفوة البشر؛ عن أبي الذي لم يعرف كيف يغري الحليب بالنشوة، والمندلينا بالضحك.

سأكتبُ عن مُشعلي الثورات؛ عن كحل الصبايا، في عيون الشفق.

سأكتب وأرمي في البحر؛ سأكتب عن آدم وحواء.. آدم والندم علاقة أزلية يفصلهما الحرف الأول، وحواء بركة الخليقة تحضن الرمل، بساعديها، وتُرضع شفاه المغيب. آه يا أمنا العظيمة، لماذا أنجبت كل هؤلاء الطغاة؟

من أين جئت بهم، ومن أي كهف معتم حبلت بهم؟

سأكتب عن الخيانة ـتلك التي تباع في السوق، وتفسر في فنجان قهوة.

سأكتب وأرمي في البحر.

من علمك الصمت، أيها القرد الهمجي؟

من أعطاك زلة اللسان؟

ومن منحك قفا الطاعة ولذة العصيان؟

من علم المدينة المقاومة؟ ومن منحها الزعفران؟

من حطَّ في باب التاريخ كفن المعلم الأول، ومن نهى الريح عن مصادقة السفوح؟

سأكتب عن القبور ـتلك التي صار لها أبواب ونوافذ؛ صارت لها عتبات وأنوار، وأتناسى حقي في انبلاج الفجر.

سأهذي وأهذي بما لا تعلم الفصول؛ سأرمي كانون في الربيعوأخيط كُمَّ تشرين بإبرة الصيف؛ سأحكم على حزيران بالبرد، وأغري الخريف بشهر أيار؛ سأحمل، معي، الشتاء، في حقيبة تموز، وأغيِّر مسار الكلمات.

ما الذي عكر صفو المطر؟

ما الذي عكر صفو الثناء على الموت؟

ما الذي أهدر دم الغصون، وباح للغريب بسر النار؟

سأكتب عن البحر بمداد البحر، وأحمل الريح بقميص الريح؛ أدلق الغيوم في كف السماء، وأجلس تحت ظل الغيمة أنتظر زلة لسان السواد.

سأكتب وأكتب، ولن أقيل نفسي من وظيفة الغضب.

يتها الدمي المتحركة، أفيقي من سباتك الأبدي؛ أفيقي من خدر الشعر والتطريب؛ أفيقي من غفلة الزمان، وألغاز الغريب؛ افيقي، يتها السماء، من غيبوبة الحرمان؛ من نقص المناعة، ومن زيادة الخمول.

خيمة واحدة.. وتطير؛ حمامٌ كثير ويموت؛ أبوابٌ سبعة للرزق يغلقها الشيطان، ويفتحها الشيطان.

ومالي لبداية البداية، من سبيل، سوى الخوف.. الخوف، على الذئاب، من الذئاب.

وما تلك بيمينك يا ربيتلك قبة الغباء أضعها فوق نقوش الحسرةأخبئ تحتها عفاريت الصباحوأملأها بتراتيل السحرة.

سحرٌ وأدعية ٌ وبخورٌ وجنازاتْموتٌ وفقرٌ وبلاءٌ يجر بلاء، أنبياء ترعرعوا بيننا وما حملنا منهم سوى العصي والبنادقوربُّ البيت مصلوبٌ لا يقاتل أحداً ولا يعانق.

إيه يا رب الأرباب حكمتك العتيقة لم تعد تصلح للطيورولا للغربان.

سأكتب عن الخوف في صدور الحشرات؛ عن الجبن في قلوب الحجارة؛ أمدَُ يدي ليد الخراب، وأمسك نجوماً لا تطيع العتمة.

من أين تبدأ الحرية، يا رب، ومن أين تعرف الشعوب راية الريح؟

المَسي جسدي، يا نسائم الحرية، لم يعد يغريني الورد، فاصنعي لصحرائي صبراً وارفَ القسوة.

يا لخيبة المدن المستلة، حين تعفيها العواصفُ من رداءة الغبار! امسحي وجهك، بالسواد، يا مِحنَ القبيلة، كم يحنُّ لكِ الهجاء.

سأكتب وأرمي في البحر.

ويا قراء الحظ والفناجين أشيحوا وجوهكم عما أهذي، فليس من حقكم أن تسمعوا ما يثيره الله في هذيان الخليقة، ولا أن تفكروا في ما يمكن، ولا يجوز، في زمان العنكبوت.

كلُّ شيء مفضوح، كل شيء مرئي، ولا شيء مفهومإلا ما يريده البلبل الأصفر، وما يحتاجه الطفل للتأتأة، وما يريده الخفاش في كشف صفحة الكسوف.. يا لكسوف الشمس، تحت جنح الظلام، تنسلُّ خجلاً من وظيفة الحرية، وتعطي خيوطها لتاجر قادم من كلية الحرب!

يا لنساء الجزيرة، ابعثن زرقاءَ اليمامة، مجدداً؛ فما حيلة الغراب سوى النواح على حائط الأمل، وما للأمل الا العزاء[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية