محمد صادق الحسيني
في مؤتمر تقاسم الغنائم الليبية في باريس ورغم نشوة الانتصار المفرطة التي ظهرت على الرئيس الفرنسي ساركوزي، الا ان قيصر اوروبا الجديد لم تطفئ ظمأه نسبة الـ35 في المائة من عائدات النفط الليبي التي اهداها اياه المؤيدون لمخطط الهيمنة الغربية على مقدرات العالمين العربي والاسلامي، فقرر الاستدارة بسرعة البرق اثناء مؤتمر ‘السكرة’ الصحافي المشترك نحو سورية وايران مطالبا بمزيد من الضغط على الاولى وتهديد الثانية بضرب النووي فيها لانه الاخطر كما قال! لكنه سرعان ما استدرك البتة بالقول بعدم عملانية وعقلانية مثل هذا القرار لخطورة تداعياته التي لا يعرف احد الى اين يمكن ان تفضي!
ثمة من قرأ في تصريحات ساركوزي تلك بانها علامة على الاحباط اولا الذي يعيشه الرجل منذ مدة تجاه الملف السوري والتخبط المواكب له منذ البداية ثانيا مع الملف الايراني!
ومع ذلك فان من ينتظر انطلاق الرصاص الحي المباشر من جانب الغرب الذي يقف على حافة الافلاس بشكل مباشر على ايران او احد حلفائها فهو مخطئ البتة!
ذلك لان الحرب على محور المقاومة والممانعة في هذه اللحظة الزمنية قد اختير لها ان تكون مخابراتية ونفسية وامنية و’ناعمة’ وبالوكالة منذ ان تهشمت صورة ‘الوكيل الاصلي’ في الحربين على لبنان وغزة!
كان التخبط والارتباك باديين على الرجل رغم سكرة الانتصار وانه يحمل في جوفه شكوكا في حقيقة انتصاره المعلن وهو ما خرج في فلتات لسانه ليكشف عكس ما زعم عندما قال دون ان يسأله احد:’ هل رأيتموهم يهتفون ضد الغرب او اوروبا او امريكا او اسرائيل… انهم كانوا يهتفون من اجل الديمقراطية سواء كان ذلك في تونس او مصر او ليبيا او……’. وهو اول من يعرف بان جوهر ما يحمله مجمل جمهور الثورات العربية الذين نزلوا الى الشوارع منادين بخلاصهم من الديكتاتور والمستبد والفاسد انما هو التخلص من تبعية قرار حاكمهم للغرب وربيبته المزروعة على ارض بلادنا عنوة وبالحديد والنار والتي هي ام المشاكل عندنا!
لكن الرجل كان يريد التأكيد بانه يخوض المعركة نيابة عن الغرب مجتمعا باعتباره قيصر اوروبا الطامع بثروات بلادنا وعلى الطريقة الاسرائيلية بامتياز لانها ثمرة عمر المشروع الغربي كما كتب رئيس وزراء اسبانيا مؤخرا! وهذا الغرب الذي مثله ساركوزي خير تمثيل في ذلك المؤتمر الصحافي كان يعرف ايضا بانه من النجف حتى قندهار ومن المنامة حتى جسر الشغور وادلب لا يزال يتخبط عبثا في الترويج لاكذوبة انخراط الحرس الثوري الايراني ومقاتلي حزب الله اللبناني في احداث هذا الاقليم الواسع والمتشعب سعيا منهم لتبرير الاندفاعة الهوجاء ضد الصحوة العربية والاسلامية على ايدي وكلائهم الحربيين المحليين الجدد من اللاعبين الصغار! وعليه فان جل ما يسعون اليه الآن هو الايقاع ما امكن بايران وحلفائها في فخ نوع من المواجهة الشاملة التي سبق ان هددت بها قوى الممانعة والمقاومة في المنطقة، شرط ان تكون ايران رأس الحربة فيها وان تقع المواجهة بالتوقيت الاسرائيلي المناسب! لكن من لا يعرف من المتتبعين بان الحرب دائرة اصلا على ايران منذ اشهر عبر حدودها الشمالية الغربية على ايدي عصابات البيجاك ممن يسمون انفسهم بحزب العمال الكردستاني الايراني وبرعاية امريكية كاملة والتي تخسر بيادقها بالجملة والمفرق مع كل يوم يمر على معاركها الفاشلة تلك، وهو ما يطلع عليه ساركوزي مع كل صباح جديد! غير انهم من جهة اخرى وهم العارفون بان ايران هي الرابح الاول في كل ما يجري من نهوض في الوطن العربي الكبير، وانها هي اكثر المدركين لحقيقة الصراع بين من يريدون الاستمرار بالمشروع النهضوي حتى نهاياته وبين من يريدون اجهاضه او حرفه عن مساره او تصيده في وسط الطريق، فانهم يحاولون الزج بايران في كل ساعة بل في كل لحظة في محاولة يائسة لمنع التواصل بين مشروعي معارك الدفاع عن العدالة والحرية والكرامة من جهة وبين معارك الدفاع عن المقاومة والتحرير والتحرر من التبعية من جهة اخرى والتي تخوضها الجماهير العربية بشكل متوازن قل نظيره في تاريخ الصراع العربي الصهيوني. ان ساركوزي هو اول من يعرف بان الموازين الاقليمية والدولية على الارض ورغم التحولات المتسارعة واحيانا غير المتوقعة ستظل لصالح محور المقاومة والممانعة بسبب جهوزيته الدائمة للمنازلة على الجبهتين ‘الخشنة’ و’الناعمة’ ولما كان ‘تعداد الفراخ يتم في الخريف’ كما يقول المثل الايراني فان على ساركوزي الا يستعجل كثيرا قبل ان يعلن نهايات المعركة خاصة ليس وهو في حالة ‘سكرة’ الانتصار الاطلسية المزيفة لان القادم من ايام عمر المختار وابن باديس والقسام وباشا الاطرش وعبد القادر الحسيني وسائر ايام العرب تحمل الكثير من المفاجآت ما ستجعل ساركوزي يستدرك اكثر من مرة وقد لا يسنح له تسارع الاحداث حتى التعليق عليها فما بالك استدراك ما يقوله بلغة التهديد والوعيد في نشوة الانتصار المسروقة!