معاهدة السلام بين استحقاقات الثورة ومحنة الأمن القومي المصري

حجم الخط
0

د. محمد بريك هناك مقاربتان تحضران في النقاش الثوري بمصر حيال الأحداث الأخيرة في سيناء والموقف من معاهدة السلام، أو بشكل أشمل وأدق حيال ملف السيادة المصـــــرية والأزمة طويلة المدى مع إسرائيل. المقاربة الأولى ترى ضرورة الاشتباك الفوري مع ملف الأزمة وتتحرك بشكل عفوي نحو أهداف ومطالب من قبيل طرد السفير وتحديدا – تعديل المعاهدة أو حتى إلغــــاؤها وقد تتوسع النزعة الرغائبية فيكون حديث عن إنزال الجيش أو مقاومة شعبية في سيناء أو حتى حديث عن حرب والمقاربة الثانية وإن كان يدفع بها عدد قليل تدعو للـــــتركيز على المهـــام الثورية الملحة من استكمال تفكيك بنى النظام القـــــديم وخصوصــــا أدوات البطش الأمني وضبط العلاقة مع المؤسسة العسكرية بما يضـــــمن نشوء نظام سياسي ديمقراطي بدون وصاية عسكرية وأن التركيز في بناء هذا النظام السياسي هو الكفيل بتطوير القدرة المصرية على حسم ملفات السيادة والعلاقة مع الأمريكي والإسرائيلي. هناك طبعا توجهات أخرى تنتشر وسط القوى السياسية (التقليدية) إسلامية أو غير إسلامية قد تتعامل مع الأزمة الحالية كورقة سياسية لتسمين الوزن السياسي لأجل الانتخابات المقبلة، أو يكون لها موقف مبدئي لا يرى مشروع النهضة المصرية مرتبطا بحل أزمة التبعية للأمريكي أو الارتهان للإسرائيلي؛ وكلا التوجهين لانعيره اهتماما هنا؛ فالأول لايستقيم مع الطــــهارة الوطنية ويخرج عن استحقاقات الثورة في بناء توافق سياسي ثوري لتحقيق المهام التغييرية والبنائية، والثــــاني يذهل عن تحكمات السياسة والجيواستراتيجيا والتاريخ والاقتصاد والاجتماع والدين وتأكيدها أن معنى (المصرية) لايتحقق إلا بدور مصر القائد في محيطها العربي كما فصل جمال حمدان في (شخصية مصر). والأطروحة الأساسية التي أعرضها هنا أن هناك سبيلا وسطا وهو بالتحرك في المسار المنهجي وهذا له الأولوية – الذي يقصد لإنجاح الحالة الثورية في تحقيق نظام سياسي ديمقراطي لايخضع لأي نوع من المعادلات الحاكمة والوصاية الخارجية والداخلية إلا وفق حساباته الاستراتيجية ويحتمل على بنية مؤسسية صحية لصياغة وتنزيل منظومة للأمن القومي والاستراتيجية الدفاعية، ويرتبط بهذا.. التحرك الجاد في استعادة القابلية الاستراتيجية والتعبوية لمصر لاكتساب القدرة على التأثير في خارطة الصراع. ولكن كذلك لايمكننا ترك مسارات الحوادث والموازين الاستراتجية المفروضة علينا ويرغب الخصوم في توسعة نطاقاتها واختراع طرائق مختلفة للتطويق كل يوم (انظر: ليبيا) .. لايمكننا أن ننسحب من كل هذا بحجة التركيز الثوري والاستراتيجي؛ وإنما يكون استخداما للكثير من الموارد السياسية والاستراتيجية المتاحة والكامنة لتحسين شروط البيئة الاستراتيجية التي يتعامل فيها المشروع الوطني المصري.. سواء بزيادة الوزن الذاتي وتوسيع حرية الحركة في الفضاءات السياسية والاستراتيجية وعكس هذا في حالة الخصوم. والحديث يقتضي تناول معاهدة السلام ونقطتين منهجيتين في النظر إليها وتعيين المهام المطلوبة من المشروع الوطني المصري مرحليا وعلاقة هذا بخط الثورة، ثم الحديث تفصيليا عن المسارات سالفة الذكر (تحقيق المنتوج الثوري في بناء النظام السياسي الحر والديمقراطي تطوير القابلية الاستراتيجية والعملياتية تحسين البيئات والشروط المرحلية). بداية فإن أي معاهدة سلام تعقب حالة حرب أوتفاوض بل أي وثيقة قانونية دولية هي تعكس موازنات للقوى في الواقع السياسي أكثر من أن تنشيء واقعا جديدا. صحيح أن المنطق القانوني والعملي الناشئ قد يجعل بعض المسارات الاستراتجية أكثر ضيقا أو يسرا على صاحب القرار وقد يؤدي لثمرات استراتيجية إيجابية أو سلبية، ولكن يبقى العنصر الحاسم هنا هو تمثيلها لموازين القوى، أو بشكل أدق.. تصور الأطراف المختلفة لموازين القوى تلك. وهذا التصور الصائب أو المخطيء هو المحل الذي يستهدفه الأداء الاستراتيجي سواء كان في حالة حرب حادة أو في مفاوضات لإنهاء هذه الحرب أو سياق ردعي في حالة حرب باردة، وهذا التصور لاينتج عن الحسابات المصلحية فحسب ولكن يرتبط كذلك بالقدرة النفسية على الممانعة. موازين القوى تلك أو تصورها هي التي تحدد صياغة هذه البنود ابتداء وتتحكم في تفسيرها وتنزيلها بعد ذلك. مثلا: موازين القوى بعد حرب 73- والتي تسببت فيها أخطاء سياسية واستراتيجية فادحة أضاعت الكثير من الجهد الفريد تاريخيا الذي بذله الجيش المصري والمسؤول عن كل ذلك القيادة السياسية المصرية – كانت في صالح الإسرائيلي. ثم جاءت النظرة القاصرة والواهنة لتلك القيادة لتضخم عدم التناسب في الموازين تلك، وتتغافل عن المسارات السياسية والاستراتيجية والتعبوية الكامنة وغير المستخدمة لتطويق ميل الموازين هذا، أو على الأقل تحجيمه (من يحب فليراجع كتاب الفريق الشاذلي رحمه الله- الخيار العربي البديل – كمثال عن خيارات طرحتها بعض العقول العربية حينها( . ولكن كيف كانت المعاهدة انعكاسا للاضطراب في موازين القوى تلك وتصوراتها؟ المعاهدة كما هو معلوم كانت منتوج المحور الثاني في مفاوضات كامب ديفيد (الأول كان معني بترتيب الوضع الإقليمي مع إسرائيل وخصوصا الحكم الذاتي في الضفة والقطاع دون ملف القدس ومع رفض إسرائيلي قاطع للانسحاب من الضفة وهذا المحور انقضى سريعا). والحقيقة فالمعاهدة هي مأساة سياسية واستراتيجية وعسكرية؛ فهي حسمت أولا فك الارتباط بين الحالة المصرية والوضع العربي وهذا دمر ميزان الردع المصري والوزن السياسي والاستراتيجي لمصر حتى في عملية التفاوض؛ بل وكرّس التبعية السياسية والاقتصادية والاختراق السياسي والأمني والاقتصادي ودفع النظام المصري لمساحات استبداد وفساد لتحقيق متطلبات المعاهدة.. وكل هذا أثر بشكل جوهري على المشروع الوطني وأبعاده النضالية والنهضوية. وفك الارتباط بين مصر والمشروع العربي تم عن طريق مبدأ التفاوض والاتفاقات المنفصلة الموجود في الديباجة وكان ديدن المفاوضات عموما، ومبدأ حاكمية المعاهدة على ماعداها من اتفاقات أمن عربي مشترك (المادة السادسة). واستراتيجيا جعلت المعاهدة سيناء منزوعة السلاح عبر تقسيمها لثلاث مناطق أ وب وج. وإني لن أخوض في التراتيب الأمنية والعسكرية للمعاهدة فمن السهل الاطلاع عليها، ولكن يكفي الإشارة أن المنطقة أ كعدد وعتاد وبنية عملياتية والتي حددت المعاهدة تفصيلاتها الدقيقة بشكل مزرٍ – وصلت بعد المعاهدة إلى (عشر) ماوصلت له القوات المصرية في مرحلة العبور. كذلك – ففي حين أن سيناء (الجانب المصري) قُسّمت إلى أ و ب وج فإن إسرائيل عندها د فقط. ومع اعتبار فارق النسبة الجغرافية بين مصر وإسرائيل (أ و د)؛ فإن مقررات نزع السيادة عن ب (وحدات حرس حدود لاتتعدى 4 كتائب مجهزة بأسلحة خفيفة وطيران غير قتالي ودون مدرعات ومدفعية وبحرية مقاتلة) و ج (فقط شرطة مصرية) هو حساب خسارة في السيادة والانتشار العسكري على الجانب المصري. وهنا يظهر سؤال مهم ومفيد.. هل الانتشار العسكري في مساحة جغرافية ترتبط به القدرة على التوظيف والردع الاستراتيجيين؟ بمعنى – هل وجود الجيش المصري بتكوينات متعددة في سيناء في هذه المرحلة على افتراض إمكانية تحقيق هذا له فائدة في (الجاهزية) العسكرية لحرب ولو كفرضية نظرية أو في قوة الردع الاستراتيجي؟ بالنسبة للتوظيف الاستراتيجي (أي القدرة على توظيف الأدوات العسكرية والعملياتية لتحقيق آثار استراتيجية وعملياتية بعينها) فالإجابة ليست مطلقة ولكن تدخل فيها معادلات عديدة تتعلق بالموازنة بين الخصوم في تركيب القوات وانتشارها والقدرة على توظيفها عملياتيا والعقيدة القتالية، والطبيعة الجيواستراتيجية والعملياتية للمساحة الجغرافية، وقدرة منظومات عسكرية وتسليحية بعينها على تحييد أو تعويق الجانب الجغرافي وصولا وهو الأهم للقابلية الاستراتيجية نفسها عند قيادات الأطراف ومؤسسات اتخاذ القرار الاستراتيجي. وكإجابة مختصرة فأزعم أن الحيز الجغرافي لا يمثل قيمة حاسمة وإن تكن معتبرة – في مسألة التوظيف الاستراتيجي في سيناء في هذه المرحلة، وهذه بالمناسبة ليست مشكلة الإسرائيلي مع دعوات تغيير المعاهدة، ولكن مشكلته مع مسألة الردع الاستراتيجي؛ فترتيب المعاهدة بهذا الشكل يخلق أوضاعا سياسية وعسكرية ونفسية تدفع متخذ القرار العربي للردع الذاتي والتسليم بالهيمنة الإسرائيلية ويخاف الإسرائيلي من فقدان هذا ومن تأثره بالمقابل بشكل عكسي بمعادلة الردع جراء هذا (جيل ميروم مثلا وغيره من الباحثين الاستراتيجيين في إسرائيل أثاروا مسألة التحيز الاستراتيجي الإسرائيلي والنفسي كثقافة استراتيجية حتى للبعد الجغرافي حتى لو لم تتحقق به فوائد استراتيجية محددة، وذلك للتجربة العريضة في الشتات والإلحاح الهيستيري على سؤال الأمن). منذ المعاهدة حتى الآن فإن موازين القوى تــــلك على الأقل بين الأنظمة وإسرائيل زادت اتساعا بالمعايير الكمية والنوعية للأسف، وزادت نظرة هذه الأنظمــــة الاستخذائيــــة لفارق الموازين تعمقا حتى وصلت لوضع خضوع بالمطلــــق للإسرائيلي بل وتحرك إيجابي لنيل استحسانه. فالحديث المجرد عن تغيـــير نصوص في معاهدة دون النظــــر لموازين القوى أو ضبط التصورات نحوها أو التحرك في مجالات لعكس اختلالاتها، هو تفكير قاصر.

ولكن اعتبار موازين القوة أو تصورها لايكفي فقط لبناء موقف سليم من المعاهدة الأهم: هو هل هذا الموقف من المعاهدة وغيره من مواقف هو جزء من استراتيجية دفاعية فاعلية، وهل هذه الاستراتيجية الدفاعية هي جزء من منظومة أمن قومي متكاملة تتفاعل فيها مساحات الفعل الاستراتيجي في جوانب السياسة الخارجية والناحية العسكرية والدفاعية وجوانب تنمية القدرة التعبوية والاستراتيجية للوطن ثم الأخطر من كل ماسبق ماذا عن خيارات النظام السياسي نفسه المصيرية فيما يتعلق بدور مصر في المحيط الإقليمي وأهداف المشروع الوطني الاستقلالية. وهذا هو عين الداء لو نستوعب كيف انتهي بنا الأمر لمعاهدة السلام؛ بل ماالذي كان حاضرا في مخيلة القيادة السياسية منذ المرحلة الأولى في حرب 73 مرورا بالمرحلة الثانية واتفاقية وقف إطلاق النار الأولى والثانية واتفاقيات فصل القوات الأولى والثانية والخيارات المركزية في السياسية الخارجية والداخلية؟ نجد ببساطة ووضوح أن السادات قد غير تصور الدولة المصرية عن وظيفتها الوطنية في محيطها الإقليمي وأعاد تعريف الأهداف (الوطنية). التجربة الناصرية كثيرة الإشكال من ناحية البعد الاستبدادي الذي دمر الكثير من قدرة الوطن الاستراتيجية والتعبوية، ولكن التصور السائد كان يقر بارتباط المشروع النهضوي المصري بالبعد الاستقلالي من الهيمنة، والقومي كحالة تحررية للإقليم ووحدوية في مهام التحرر والنهضة. كان التصور يرى أمريكا هي الخصم الأساس في الإقليم، وأن علاقتها بالإسرائيلي شديدة الاستخدامية بشكل متبادل. البعض كالأستاذ هيكل- يثير نظرية المؤامرة وأن السادات كان مستبطنا لهذا التحول مبكرا؛ ولكن الأكثر توازنا هو أن الأمر أخذ مدى طويلا من السادات ليصل لما وصل إليه في 79، وتأثر بالكثير من اضطراب موازين القوى التي تسببت فيه مشكلات قراراته (الاستراتيجية). مبارك كذلك لم يتحول في ليلة وضحاها من قائد للطيران ثم معارض لزيارة السادات لإسرائيل ومتمنع على كثير من التفصيلات الأمنية للمعاهدة إلى كنز استراتيجي لإسرائيل. ومن هنا ندرك وظيفة الثورة وقيمتها؛ أنها تسعى لتغيير المعادلة برمتها (من فوق). قد يبدو للبعض أن الثورة المصرية لم يكن من شعاراتها مسألة التفلت من التبعية وتغيير دور مصر في المنطقة وحسم مسألة الصراع؛ وإنما رفعت شعارات الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي، ولكن كما أشرنا في مقال سابق عن الثورة والمشروع العربي فالكل يعلم أن سياق ديمقراطي حر في مصر معناه ليس فقط أن ينشأ نظام ممانع معاد للأمريكي؛ بل أنه في الإمكان أن يمتلك مقدرة استراتيجية عالية ديمقراطية النظام أهم الشروط تكفي لقلب الموازين.. ولكل هذا يحاول الأمريكي تحديدا منذ أول لحظة تحجيم الثورة المصرية وفرض وصاية (عسكرية) على نظامها الناشيء واستمالة القوى السياسية التقليدية إسلامية وليبرالية. ومن هنا يظهر الإلحاح الشديد على مسار إنجاح المعادلة الثورية، أما المسار الخاص ببناء منظومة للأمن القومي تناسب المرحلة ولاترحل الملفات الحيوية؛ ولكن تستخدم الأدوات والإمكانات الحاضرة والكامنة بشكل قريب فهذا في الحلقة القادمة بإذن الله.’ باحث في الدراسات الاستراتيجية جامعة ريدينج

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية