العالم العربي والحرب.. إلى متى؟

حجم الخط
0

عام بعد عام، تسقط أوطاننا الواحد تلو الآخر. بدءا من فلسطين السليبة، ومرورا بالعراق وجرحه المفتوح أبدا، وقوفا عند سوريا التي تحترق وتتمزق. عُدنا من ثوراتنا لا نلوي على شيء، قهر أقوى من الذي سبقه، وخيبات نجرها وراءنا كأمواج عاتية، يتجذر الطغيان، وتتعمق الديكتاتوريات في أوطاننا، ويسود الخوف، خوف معجون بالصمت، صمت لا سكون، صمت مُرٌّ كالرماد، يُخفي خلفه حنقا عظيما. بِتُّ أخاف أن يتحول هذا الحنق في قلوبِنا إلى أحقاد، كلما ظهرت أسباب القتل واشتعلت الفتنة، خرجنا نُشهر أسلحتنا ونُقتِّل إخواننا تقتيلا. مِن أين لحِق بنا كل هذا الخراب؟
لقد كرست حكوماتنا كل جهودها من أجل توريط شعوبها في براثن الجهل والتخلف، مدعومة بالمستعمر الذي ساهم بكل ما يملك من قوة في التفريق بين سكان الوطن الواحد، عن طريق زرع العصبية بين القبائل التي تختلف لهجاتها أو لغاتها أو حتى أصلها العرقي بالترويج لسياسة «فرِّقْ تَسُد» وماتزال حتى يومنا هذا تشيع بطرق خفية لهذه الأفكار، متلاعبة بالعقول ذات الفكر المتسطح التي تجد في هذه البرك العكرة مرتعا لنشر البلبلة والتشجيع على الفتنة، وبث فكر الكراهية والحقد بين أفراد الشعب الواحد، متناسين ما يشكله امتلاك الوطن الواحد لأعراق متنوعة من ثراء يسهم في بناء ثقافة الشعوب وتعميق هويتها.
في مطلع عامنا الجاري، تحتفي أوروبا بمئوية الحرب العالمية الأولى، حيث تعرض قنوات التلفزة شرائط وثائقية وأفلاما تاريخية لتتحدث عن تلك الحرب وما خلفته من أضرار وعواقب وخيمة على حياة الناس، الحرب التي شردت الأسر وفرقت العائلات وحرمتهم من ذويهم وأحبابهم، الحرب التي خلفت خرابا عميقا في نفسية المواطنين حتى بعد زوالها، الحرب التي دمرت النفوس وزرعت فيها الخوف والأسى واليأس وشيئا شبيها بموت يعاود قتل ضحاياه كل يوم، الحرب التي عرفت الشعوب بسببها الجوع والفقر والتشرد والضياع، من دون أن ننسى مخلفاتها على أجسام الناس من عاهات وتشوهات وآثار لجروح بليغة.
وحين عمدت بعض الدول الأوروبية إلى وضع السلاح، تعاهدت حتى مع أعدائها (ألمانيا) على إعادة بناء أوروبا وتأهيلها لمستقبل الريادة والازدهار. وهكذا انخرطوا في عملية البناء التي توجت بالاتحاد الأوروبي.
لقد استفادت أوروبا من الحرب دروسا كثيرة، أهمها درس الحياة ودرس البناء والانخراط في العطاء من أجل بناء المستقبل، مركزة بالأساس على فكرة العمل بقوة. ومؤخرا أبانت أوروبا في إحيائها لذكــرى نهاية الحرب العالمية الثانية في اليوم السادس من يونيو/حزيران الجاري، الذي حضره الرئيسان الأمريكي والروسي، ورموز سياسية كبيرة (ملكة بريطانيا) على أنها قــــوة ســـلام تحاول فض النزاع الروسي ـ الأوكراني، والدفع بكل الأعضـــاء نحو حل سلمي يجنب أوروبا والعالم ويلات حرب جديدة. في حين ما تزال أوطاننا ترزح تحت نير القهر والحرب والتقتيل، فلا دروس استنتجناها من الماضي، ولا رؤى تُوسِّس للمستقبل.
ما يعرفه العالم العربي في السنين الأخيرة من نعرات عرقية، وبعدما تحولت وجهة النضال ضد عدو يغتصب أراضينا وينكل بإخواننا مغتصبا حقهم في الحياة والحرية والعيش الكريم، إلى وجهة الحروب الأهلية، نقطع فيها أوصال أوطاننا ونتطاحن من أجل فكرة عرقية تؤجج الصراعات والأحقاد لنفكك كيان شعوبنا، ونزرع الخراب في النفوس والأمكنة، ونزيغ عن أهدافنا الكبرى التي تسمو بأوطاننا نحو التقدم والازدهار. إن الحديث عن النعرات العرقية والحروب الطائفية ليس جديدا، بل هو قديم وتاريخي ومرتبط بمسار البشرية، لأنه يجد في جهل الأمم وتخلفها حقلا خصبا يستغله الأعداء لإشعال نار الفتنة بين مواطني البلد الواحد. أمام هذا العداء الذي تروج له جماعات مدعومة بجهات خفية، يمكن طرح أسئلة كبرى من بينها، ما دور المثقف والإعلام والإشهار في التصدي لهذا الفكر.. إلى أي حد يمكن تفعيل ثورة العقل داخل المجتمع للتصدي لفكرة النعرات العرقية؟ كنت دائما أعتز بما يدرسه لنا أساتذتنا الأعزاء، وكنت أكثر فخرا وأشد إعجابا بهؤلاء الذين ينقلون إلينا العلم النافع والفكر الواسع الذي تستنير به عقولنا، ونستعمله في حياتنا وتعاملنا مع الآخر، وأول شيء يمكن أن نزرعه في طلابنا هو فكرة تعزيز الحوار وأدب الإصغاء إلى الآخر مهما اختلف معنا، إلى جانب تعويدهم على السؤال والمساءلة، وتقليب الأمور من كل الجهات حتى يحيطوا علما بها، وعدم الحكم على الأشياء عن بعد ومن دون أدلة ولا براهين، إلى جانب التركيز على مبدأ الحق الذي لا ينافي مبدأ العقل بتاتا.
بلا شك لابد من إعادة النظر في أحوال مجتمعنا، بدءًا من مؤسساتنا التعليمية والجامعية، التي نبث من خلالها أفكارا وتصورات ورؤى لها دور أساسي في بناء العقول. فماذا لو ينفتح النظام التعليمي على ما يرقى بطلابنا إلى السمو الفكري والانفتاح الثقافي بكل ما يحمله من اختلاف في الرؤى والتصورات؟
إن الديمقراطية الحقيقية تنعكس على سلوكنا اليومي وتتـــبدى صورها في حياتنا من خلال العمل على بناء الفرد والسمو به نحو الأرقى، ويتجلى ذلك في الترويج لعقلية الحوار المدعـــوم بمبدأ الاختلاف والتسامح.
هنا يحضر دور الإعلام في دعم هذه المبادئ داخل المجتمع، والترويج لقيم المواطنة التي توحد بين الناس مهما اختلفت مشاربهم وتعددت هوياتهم الثقافية، ما داموا يتقاسمون وطنا واحدا بكل انشغالاته وقضاياه، فيكون همهم بناء الوطن والدفاع عن وحدته وسلامته من كل ما يشعل نار الفتنة بين أبنائه، وعيا منهم أن ما يصنع الأوطان هو السلام والديمقراطية والعمل وليس الحرب والاستبداد والانشغال بالترهات.

٭ كاتبة وقاصة وشاعرة مغربية ـ بلجيكا

سناء بلحور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية