الثورة في مصر بين الكلمة الحرة وفوضى الاعلام

حجم الخط
0

د. يحيى مصطفى كامل

ما قيمة الكتابة والكلام؟

يتعذر، بل أزعم أنه يستحيل أن تعرف شخصاً لم يُلقَ على سمعه هذا التعليق عدداً لا يحصى من المرات، وإنها لمفارقةٌ جد مدهشة أن تتربع هذه المقولة على قمة الحِكم الدارجة والسائرة من موروثات عصور الانحطاط لدى شعوبٍ تقتات على ثقافة المشافهة ولا تبجل وتقدس سوى النص… غير أن التفسير بسيطٌ وقريبٌ في آنٍ معاً، فأنظمة القمع الأسطوري التي حكمت هذه المنطقة من العالم طويلاً استغلت ‘الكلام’ لخلق مفاهيم وأساطير شيدتها كالجدار حولها يدرأ عنها هجمات الشعب، لتشيع بين الجمهور منظومةً مهيمنةً من الأفكار عن منعة النظام واستحالة التغيير وعدم جدوى الكلام والمعارضة… إلا أنني تتلمذت على مدرسةٍ ترى الواقع صراعاً بين تناقضاتٍ لا يتم تخطيها سوى بحلها، مدرسة ترفض مبددةً شتى الصيغ المختزلة والضحلة للواقع فتؤمن إيماناً عميقاً بالحراك الاجتماعي نابذةً كل ما من شأنه أن يحكر على احتمالات الواقع، وهي في ذلك تتشبث عن قناعةٍ فريدة بالكلمة التي تنير وتنظم وتقود العمل الجماهيري الخلاق.. كغيري من الناس سمعت سيول الكلمات المبهورة المستخذية عن الدولة الحديثة الجبارة ذات السطوة الباطشة والحضور الطاغي، كلمات وآراء أقلها إما عن قناعة أو جهل وأكثرها لأغراضٍ خبيثة تكرس هذا الوجود وتؤطره بمعاني المنعة؛ لا ينفي ذلك أنني أدرك ما لهذه الدولة من نفوذٍ ومدى تغول قواتها الأمنية وهول قبح ووحشية أقبية استخباراتها… لكل ما سبق فإنني أكتب هذا المقال لأشاطر الجميع ملاحظاتٍ وخواطراً تلح علي فيما يتعلق بدورٍ أراه حاسماً وفارقاً ورائداً للإعلام ووسائل الاتصال الحديث في ‘توليد’ الثورة، بالإضافة إلى ما لا يقل عن ذلك أهميةً وخطورة من التعبير عن شكوكي وانزعاجي مما أراه من فوضى في الإعلام المصري بشتى أصنافه… ليس من السهولة بمكان الإحاطة بدور الإعلام الحر والكلمة الحرة؛ فهي بمثابة المعول الصلد يضرب في أسس أسوار الكذب والأسطورة والخديعة التي يتخندق النظام خلفها، تمزق قناع الحداثة والشرعية الزائفة عن وجه النظام، فتفضح طبيعته القمعية وممارساته الفاسدة، تسهم في إنضاج الوعي وتغذي السخط القوي والتلقائي لدى الجمهور بمعلومات وحقائق تؤكد شكوكه وحدسه، ثم تتخطى ذلك بتهيئة واستنفار رغبات التمرد وإرادة تغيير الواقع الرث.. لذا فإنني أعتقد بأن الإعلام المستقل كان بمثابة ‘قابلة’ الثورة في مصر؛ ثورة نضجت عبر ثلاثين سنة على نار الكبت والسرقة والإفقار والإفساد المنهجيين والإهانات على كل المستويات وعلى شتى الأصعدة… الكلمة الحرة تنفي ثبات الزمن وتؤكد الصيرورة والحراك التاريخي، فهي تشرِح وتفكك مكونات هذه الدولة الحديثة المزعومة المنعة والديمومة، تبرزها نقطة في زمنٍ سيارٍ جارٍ كالنهر، وليست نهاية التاريخ، لها مقدماتها ومقوماتها وما قبلها من الدول والأنظمة، وسوف يليها آخر… تضرب المثال من نماذج التمرد السابقة وكيف أسقطت دولاً أعتى ومنظومات أمنٍ أوفر بطشاً وأغزر سفكاً للدماء… من هنا نفهم لماذا حاربت وتحارب الأنظمة القمعية الكلمة الحرة والفكر الحر، فهو دائماً متسرب كالزئبق متحررٌ من قبضتها مهما غلظت… إنه للأنظمة الباطشة كالوباء، ولاعجب أنها تستخدم في حربها ضده نفس سلاح الكلام والأفكار عن طريق كتبةٍ ومثقفين وإعلاميين باعوا أنفسهم وضمائرهم في مقابلٍِ بخس من المزايا والنقود، حتى تخال هذه الأنظمة أنها تسيطر على كل الأطراف سادّةً منافذ الهواء، فلا أمل لبصيص من النور، ويحلو لها تصديق أنها تحبك لعبة الأفكار جيداً بحيث لا تنسل من خلال شبكة الزيف وأساطير المنعة وعبثية المقاومة إلا أقل القليل من أفكار التمرد الجاد، وهذا ستتكفل منظومة الأمن والدعاية المضادة بوأده وسحق بذرته بجحافل العدمية والإعلام المضاد التافه… هذا المركب العطن من الثقة بالنفس والمبالغة في قدراتها مشفوعاً باحتقار قدرات الآخرين وتصور وقوف الزمن لهو قمة الغفلة والجهل وبداية الاندحار. إذ لما كان الزمن متصلاً، فإن وسائل جديدة ومستحدثة تطرح نفسها متحايلةً في تناقض النظام والواقــــع المزري.. تطورات في وسائل الاتصال والتواصل تتخطى مقدرة النظام على السيطرة، أو على الأقل تحرجها بحيث تتمكن الثورة من القفز فوق جدرانه العازلة، وفي هذا الصدد يحضرني نموذجان مبهران: الأول في شرائط الكاسيت الحاملة لرسائل الإمام الخميني الحاضة على الثورة والتي كان يتم تهريبها عبر الحدود من منفاه، والثاني هو الـ’فيس بوك’ والـ’تويتر’ في ثورات الربيع العربي…… لكن للأسف الشديد فإن إعلام ما بعد الثورة في مصر يقدم وجهاً أقل إشراقاً… أول ما يلفت النظر هو الانفجار في عدد الفضائيات التي تتكاثر كالفطر في فوضى عارمة، فالكتاب أصبحوا مذيعين والمذيعون ومقدمو برامج الوصل أضحوا كتاباً وأحياناً منظرين، ولكي لا يضام الممثلون فقد أفردت لهم أيضاً برامج ‘توك شو’ ليحاوروا الساسة فيما لايفقهون… الكل ثوريٌ أشوس عتيد في الثورية والنضال، الكل يدين وينظر، والنبرة عاليةٌ وساخنةٌ، كما أن هذه الفضائيات جعلت تغرق في تسليط الأضواء على من اصُطلح على تسميتهم بقادة الائتلافات صانعةً منهم نجوماً في حمى تنافسٍ لاهث… و كذلك حال الكتاب وهم نوعان: الأول دعم الثورة وحرض عليها فوحدهم ذلك الهدف بيد أنه يبدو أن الحرية أفسدتهم فها هم تتشتت طاقاتهم في كل السبل وفي خلافاتٍ مريرة، أما الثاني فقد أصبح ثورياً، وبعنف، منذ الثاني عشر من شباط/فبراير مغيراً جلده القديم في سرعةٍ وسلاسة ليصبح أعلى صوتاً مؤكداً للجميع أنه هو صاحب الثورة وأول من تنبأ بها وحذر منها وبشر بها، إلا أنه، ويا للأسف، لم يلتفت إليه أحد وهكذا حال الدنيا… وبين أولئك وهؤلاء لا شيء سوى المزايدات وإشاعة أخبار بلا توثيق والتهييج والتهريج وقرع الطبول (والردح أحياناً…) لا سيما وأنهم باتوا ضيوف كل البرامج الفضائية والإذاعية، وإني لأسأل نفسي: أين يجــــدون الوقت لكل ذلك… متى يجلس أحدهم ليقرأ كتاباً مثلاً يستعين به على تحليل ظواهر الثورة وأحداثها… وكأني بأغلبيتهم وقد فاجأتهم الـــثورة وأبرزت جلياً خطأ حساباتهم وتنظيراتهم (وعرَّت بعضهم…) يحاولون اللحاق بها وفرض إرادتهم عليها لتطويعها وقد لا يخلو الأمر من رغبةٍ دفينة في أن تقترن اسماؤهم وصورهم في أذهان الناس بالثورة لما فيه من الراوج وخلود الســـيرة… طبعاً هذا مع إقرارنا بوجود قلة (دون ذكر أسماء) لم تغير مواقفها الشريفة ولم تصبها نشوة الأضواء المسلطة عليها وتحوز المهنية والمعرفة.

محصلة كل ذلك أن الجمهور، على خلفية غياب الأمن والركود الاقتصادي وبطء التغيير المنتظر، بدأت تصيبه حالة من التخمة وعسر الهضم البصري والسمعي وأخذت تتسلط عليه مشاعرالملل الشديد والحيرة والنفور من الثورة وسيرتها، وهنا مكمن الخطر، إذ أن كل ذلك يخلق مزاجاً عاماً غاضباً وحالةً من الإجماع على الكفر بالثورة خاصةً وأن كثرةً من الوجوه غدت مألوفةً مكررةً حد الابتذال الممجوج، والأنكى أن بعضها باتت تشيع في أحاديثه وصوته نبرة استعلاءٍ ونزق في خلطٍ صريحٍ بين التنظيم والتنظير والتهييج… عن نفسي، لم افقد أبداً إيماني بإمكانية الثورة وبقيمة الكلمة الصادقة ومقدرتها على الوصول إلى الناس، والأهم من ذلك في ضرب أس منظومة الفساد النخـــرة، ليس أدل على ذلك من سلسلة المقالات التي كتبتها على صفحات هذه الجريدة وكان بداية علاقتي بها إبان تعرض جريدة الدستور المصرية إلى مؤامرةٍ شهيرة راحت ضحيتها من قبـــل منظومة مبارك وأذرعتها الفاسدة في عالمي الأمن والمال… كنت دائماً وأبداً مع حرية التعبير كحقٍ لا ينفصم عن ماهية الإنسان الأساسية، إلا أنني لست دون ذلك التزاماً بالأمانة مع الذات والآخرين والفكر المسؤول الذي يعي ويزن بدقة عواقب كل كلمة ناظراً إلى المستقبل مستفيداً من التاريخ، ذلك أنني على يقين من أن تقصير الإعلام وطيشه اللامسؤول يعد إسهاماً مباشراً ودعماً للردة والثورة المضادة. ‘ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية