في نقد فكرة العصبية عند ابن خلدون: قراءة أوليَّة

حجم الخط
0

مهدي نصيرسأقرأ في هذه المقالة بعضَ المرتكزات الأساسيَّة التي بنى عليها ابن خلدون مقدمته الشهيرة في طبائع العمران والتي لم تُقرأ إلا بعينٍ أُحاديَّةِ الجانب وبقراءةٍ أكاديميَّة ومدرسيَّة وليس ضمن مشروع لإعادة قراءة التَّراث ونقده.

رأى كثير من الدراسات في هذه المقدمة تأسيساً مُبكِّراً لعلم الاجتماع وعلم التاريخ وقُرأت بمنظار ديني / قومي يرصد ما قدَّمه العرب والمسلمون للعالم، وليس قراءة ناقدة لموقع هذا العمل في منظومة الفكر العربي والإسلامي ودورها في تطوير أو إعاقة المشروع النهضوي لهذه الأمة، وأغفلت هذه الدراسات قضايا كثيرة تناولتها هذه المقدمة الأشهر في التراث العربي.

سأضع بعض الملاحظات على شكل نقاط مختصرة ومركَّزة كمفاتيح لإعادة قراءة ابن خلدون ووضعه في سياقه الطبيعي دون تهويل وتضخيم ودون إغماض البصر عن قيمة ما قدَّمه ابن خلدون في تلك المرحلة في مجال قراءة التاريخ والحضارة والمُلك والعمران.

سأعتمد في هذه القراءة على طبعة دار إحياء التراث العربي الصادرة في بيروت لبنان. المقولة الأولى: حول الفكرة الجوهرية للمقدَّمة والمتعلَّقة بقراءة التاريخ بشمولية تأخذ بالاعتبار قوانين وطبائع العمران من حيث نشوء الدول وتطورها والعمران المرافق لها والخراب الذي يدبُّ بها، أسبابه وظواهره ومقدماته وحتمياته أيضاً.

كانت قراءة ابن خلدون قراءة ساكنة ووصفيَّة تمركزت حول آليَّة إعادة إنتاج المُلك بالعصبيَّة القبليَّة والبداوة والتي شكَّلت في المقدمة الفكرة المحورية لرؤية ابن خلدون للعمران وطبائعه.

كانت هذه الفكرة التاريخيَّة في مرحلة معينة مظهراً ومُحرِّكاً في تشكُّل الدولة العربية الإسلامية في المشرق والتي قامت على العصبيَّة العربية وفي مرحلة لاحقة قامت على العصبيَّة البربرية في المغرب العربي والأندلس ولم تكن قانوناً عاماً للعمران والمُلك حتى في تلك المراحل التي كانت القبليَّة ما زالت ذات سطوة ونفوذ عالي في الدولة العربية والإسلامية، إذ نلحظ أن هناك حواضر عربية تشكَّلت بها عصبيَّات مدنية وتجارية وعمرانية وفكرية وسياسيَّة ولعبت دوراً كبيراً في قيام الدول في المشرق والمغرب وإسقاط دول في المشرق والمغرب (حركات الخوارج والقرامطة والشيعة وثورة الزنج والممالك التي قامت في المغرب العربي والمشرق وكانت ذات تكوين تحالفي بين مكونات الحواضر العربية من تجار ورجال دين وعلماء وقبائل مختلفة الأصول والعصبيَّات.. الخ) والتي يعتبرها ابن خلدون حركات مُغامرة ولم يُكتب لها الاستمرار لمخالفتها شرطا أساسيا في الغلبة والمُلك ألا وهو العصبيَّة القبليَّة، وكأنَّ الدول والعمران ليس لآليَّات تكوُّنها (أي ليس لمكوناتها البشريَّة السكانية الحقيقية) ثقل أو دور في تشكيل المُلك وأنَّ العصبيَّات القبليَّة والبدويَّة تتغلَّب وتبقى فاعلة في الحواضر التي قطعت شوطاً في التمدن والامتزاج.

فكأن ابن خلدون يرى الحركة للتاريخ والعمران حركة دائريَّة ويجب أن تعود دائماً وفي ختام كل دورة إلى المربَّع الأول (البداوة والشوكة العصبيَّة القبليَّة) التي تتملَّك وتتغلَّب على المُلك والحواضر وتُعيد إنتاج من سبقها من الملكيَّات وتهرم مثلها وتنتهي لتتغلَّب عليها عصبيَّة بدويَّة جديدة وهكذا إلى ما لا نهاية، فكأنَّ التاريخ هو حركة صراع العصبيَّات القبليَّة وتغلبها على بعضها البعض وتقف بالمقابل الحواضر والعمران كعنصر خامل يُدين للعصبيَّة الغالبة ويتشكَّل وفقاً لها، وهذا مناقض فعلياً لطبائع البشر وطبائع العمران إذ لا بدَّ لهذه الحواضر من إيجاد عصبيَّات متحرَّكة ومتطوِّرة لحماية مصالحهم وحياتهم ومهنهم وتجارتهم وأعراضهم، وهذا ما حصل فعليّاً في التاريخ.

ربَّما كان النموذجان اللذان شكَّلا إطاراً لدراسة ابن خلدون التاريخية سبباً مباشراً في إعلائه لفكرة العصبية كمحرِّك أوحد للمُلك والغلبة، حيث كان العرب والبربر ببداوتهم الغالبة وقبليتهم المتمكنة هما النموذج الذي قرأه وحلَّله ابن خلدون ووصل فيه إلى أن العنصر الأهم في حركة المُلك والعمران هي العصبيَّة القبلية مع إشارته في مواقع من المقدمة إلى نشوء حركات سياسيَّة في الحواضر الإسلامية حاولت أن تُشكِّل إطاراً للحكم أو تُطالب بالمشاركة به واعتبرها حركات مغامرة وفاشلة ومناقضة لقوانين المُلك والعمران لافتقادها للعصبيَّة القبليَّة.

بقيت فكرة العصبيَّة عند ابن خلدون مرتبطة جذرياً بالقبيلة والقرابة وإن حاول في بعض المواقع في هذه المقدمة بيان أنَّ هذه العصبيَّة يمكن أن يدخل في تكوينها عناصر ليست ذات بعد متعلِّق بالقبيلة والقرابة كالموالي وبعض العصبيَّات التي أشار لها على استحياء والتي كانت نواة لعصبيَّة مدنية ولكنه عاد وأهملها وحكم عليها بالفشل وأعاد الشوكة للعصبيَّة القبليَّة في مشروعه لفهم طبائع العمران والمُلك.

وربَّما لو أُعيدَ قراءة فكرة العصبيَّة برؤية أكثر انفتاحاً وتخليصها من مفهوم (الدم والقرابة والقبيلة) والتي أشار لها ابن خلدون وأهملها (فكرة العصبيَّة المدنيَّة)، يُمكن لنا أن نقرأ نواة مبكِّرة لفكرة ومفهوم الكتلة التاريخية (كما هي في الفكر الماركسي وغرامشي تحديداً) والتي تُمثِّلها العصبيَّة الفكريَّة والمهنية والمدنية (الأحزاب وبرامجها وجماهيرها) . إنَّ مفهوم العصبيَّة عند ابن خلدون مفهومٌ عميق وأصيل ويُمكن اعتباره تأسيساً حقيقياً مُبكِّراً جداً لفكرة ومفهوم الكتلة التاريخيَّة القادرة على التغيير واستلام السلطة والحكم بعد تخليصها من الآني والتاريخي والضيِّق والمتغيِّر لمفهوم القبيلة والقرابة والدم وقراءتها كعصبيَّة فكريَّة وأيديولوجية متغيِّرة وفق حركة المجتمع وتطوره.

المقولة الثانية: ميَّز ابن خلدون بين مفهومي العمران والمُلك على مستوى المصطلح مما يؤشِّر إلى وجود فوارق جوهرية عنده بين المفهومين ولكنه في التحليل الفعلي عاد ومزج بينهما ولم يُقم فاصلاً حقيقياً بين خراب المُلك أو تبدُّله وبين خراب العمران مما ألحق العمران قسراً بالمُلك ونشوئه واندثاره، ولم يقم بتحليل خراب العمران بشكل مستقل عن خراب المُلك /أي أنه لم يرتقِ خطوة أبعد في اعتبار المُلك جزءا من العمران وطبائعه وليس العكس.

المقولة الثالثة: فصَّل ابن خلدون في مقدمته آليات العمران (الفلاحة والصنائع والتجارة والعلوم) وأفاض في الشرح لكل من هذه الآليات وبيَّن كيف تنشأ وتتطوَّر وتتراجع ويدبُّ بها الخراب، ولكنه لم يُشكِّل نموذجاً لعلاقة هذه المكوِّنات بإدامة العمران وتطويره وكيف تُغذِّي هذه المكوِّنات استمرار العمران والانتقال من مرحلة إلى مرحلة أعلى في الحضارة والعمران (وإن كانت هناك إشارة مُبهمة عن أن تطوير أدوات صناعية معينة في بعض الصناعات في بغداد ـ صناعة الكاغد وهو صناعة الورق للكتابة بديلاً لرقوق الجلد – أدى إلى ازدهار هذه الصناعة وازدهار جوانب أخرى كثيرة نتيجة لها في المجتمع) . بالمقابل أفاض كثيراً في تحليل وتأريخ العلوم في المجتمعات العربية والمسلمة وبحيث بدا أنه خرج عن فحوى مقدمته وانتقل إلى تاريخ العلوم وأصنافها وتقسيماتها وفقهها وأسهب كثيراً في العلوم الشرعية والدينية واللغوية والعلوم الطبيعية وعلوم السحر والطلاسم والكيمياء والتنجيم والرياضيات وبدون أن يربط تطوّر هذه العلوم بالعمران وازدهاره وخرابه وإنما وصف تأريخي لهذه العلوم.

وعلينا أن نلاحظ أن ابن خلدون (1332- 1406 م ) جاء بعد ما يزيد على قرنين من عهد وزمن ابن رشد (1126 ـ 1198 م) والذي يعتبر رائد العقلانية والتنوير في ثقافتنا العربية والذي انتقل في الفكر والثقافة العربية إلى آفاق لو اُتيح لها أن تنمو وتتطور لكانت صورة الفكر والثقافة والمجتمع العربي على غير ما هو عليه الآن من التخلف، مع ذلك نجد ابن خلدون يقف بعيداً عن هذا الفكر المتقدم بل ويأخذ مواقف فكرية في هذه المقدمة يمكن تسميتها بالردة على فكر ابن رشد العقلاني والعودة بالفكر العربي إلى مراتع الأشاعرة وأهل الفقه المتزمت، ومن ذلك في المقدمة: -1اعتبر ابن خلدون حركة المعتزلة بدعة ضالة وأشاد وتبنى مواقف الأشاعرة (ص 459 و 464 و 467)، يقول ابن خلدون ص 467 بكلام ذي دلالة واضحة على مواقفه الفكرية المتراجعة كثيراً عن الشوط العقلي الذي قطعه الفكر العربي الإسلامي في تبني العقل في حل مشكلات المجتمعات العربية والإسلامية: (فينبغي أن يُعلم أنَّ هذا العلم الذي هو علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم إذ المُلحدة والمُبتدعة قد انقرضوا والأئمة من أهل السُّنة كفونا شأنهم فيما كتبوا.. الخ) . -2كذلك اعتبر الفلسفة والفلاسفة علماً وعلماء غير ضروريين وزائدين وربما يقودون الأمة والملَّة إلى الانحراف في عقائدها وتبنى موقف الغزالي بشكل واضح وعلني في رده على ابن رشد والفلاسفة.-3 اعتبر ابن خلدون أنَّ العلوم الشريفة هي العلوم الشرعيَّة فقط وأنَّ العلوم الطبيعيَّة علوم زائدة ويمكن الاستغناء عنها وهذا يُمثِّل تراجعاً كبيراً في فهم دور العلوم الطبيعية في حل مشكلات المجتمع وتطويره.4- كان واضحاً في أجزاء من المقدمة وخصوصاً في ما يتعلَّق بالتعليم وأساليبه ومواده وأولوياته وماذا على المعلمين أن يعلموا التلاميذ أن هناك بُعداً أيديولوجياً ودعوة للدولة الموحدية التي كان يعيش ابن خلدون في كنفها في تونس.

المقولة الرابعة: كان تقسيم ابن خلدون لجغرافيا العالم لسبعة أقاليم تبدأ بخط الاستواء وتتجه شمالاً ومواقع العمران في هذه الجغرافيا محاولة عميقة لفهم التاريخ البشري من خلال الطبيعة المحيطة به واليات تأثيرها في نشاط الإنسان وطبائعه ولونه وأخلاقه وأفكاره وبنيانه البدني والذهني.. الخ. المقولة الخامسة: يمكننا من خلال استقراء حركة الفكر في المجتمعات العربية أن نلحظ أن الفكر العربي التقط المعضلة الحقيقية التي وقفت في وجه تطور هذا الفكر وانتقاله إلى التأثير الحقيقي في حركة المجتمع ومعالجة مشاكله وخلق مناخ عقلي لمشاكل العمران والسلطة والدين، وكانت إسهامات ابن رشد العقلية حجراً أساساً كان يمكن البناء عليه ونقل هذه المجتمعات المنكوبة إلى أفق إنساني وحضاري متقدم / وهنا تبرز المفارقة القاتلة والمتمثلة في نبذ ومحاربة وإسقاط مشروع ابن رشد الفكري والنهضوي والعودة القهقرى إلى الفكر السلفي الأشعري والذي بعد قرنين من الزمن يتبناه بقوَّةٍ مفكِّر مستنير في مجاله كابن خلدون حاول أن يُقدِّم قراءة جديدة للتاريخ والعمران ما أُتيح لها من يتابعها وينقحها في سلسلة الفكر الفقهي المدرسي المتخلِّف الذي ساد الفضاء العربي والإسلامي وما زال، في المقابل ينتقل فكر ابن رشد إلى ايطاليا وفرنسا تحديداً ليُشكِّل ما سُمِّيَ بالفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى بالمدرسة الرشدية والتي ساهمت في الحراك العقلي وتبني العقل وحل كثير من العلاقات الملتبسة بين الكنيسة والدولة والفكر في أوروبا. لقد كان واضحاً في مقدمة ابن خلدون وبشكل جليٍّ أنه يتبنى مواقف تقليدية متأخرة بمقاييس عصره وأنه كان يقف في الجانب المعتم من الفكر وفي الجانب التقليدي والأصولي والجانب الذي يحارب الفكر والإبداع ويُعيد كل شيء إلى كنف الشريعة وفقهائها، وأنه اعتبر الحركات الاجتماعية والسياسيَّة والثورات في المجتمعات العربية والإسلامية حركات مغامرة وفاشلة وان الشريعة والفقهاء والملوك وأولي الأمر هم الأولى بالإتِّـباع، وسادت هذه الرؤية الرجعية والمتخلفة في مقاييس زمنها وليس زماننا وتواصلت عبر التاريخ العربي والإسلامي الرِّدَّات والهزائم إلى عصرنا هذا. الحصن 15-8-2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية