شاي غولدنهيا نلعب لعبة تفكير. تصوروا الوضعية التالية: سفينة نشطاء سلام من اسرائيل تشق طريقها الى شواطىء تركيا، كفعل دفاعي ضد القبضة الحديدية التي تنتهجها تجاه الاقلية الكردية فيها. ويكونون مسلحين بالعصي، بالهراوات، بالمخارز وبالامواس ويستعدون للمشادة مع الجيش المحلي، اذا ما قرر هذا منعهم من الوصول الى الشاطيء. حكومة اسرائيل تعلن انها لن تتدخل في هذا النشاط رغم التحذيرات المتكررة للحكومة التركية من أن الامر قد ينتهي بمصيبة. ومع أن السفينة تقترب من الشواطىء التركية ومن الجو تصل مروحيات سلاح الجو التركي، والتي ينزل منها مقاتلو كوماندو الى دكة السفينة. مثارة أعصابهم، متوترون ومضغوطون من الوضعية، يكرر نشطاء السلام الاسرائيليون طرد الجنود من السفينة. فيضربون الجنود، يحاولون اختطاف جندي الى بطن السفينة ويجرحون بعض المقاتلين الاتراك. ردا على ذلك يفقد المقاتلون الاتراك برودة اعصابهم، ومع أنهم وصلوا كي يعملوا بطرق غير عنيفة، يفتحون النار الحية على الاسرائيليين ويقتلون تسعة منهم. وبعد ذلك يعتقلون كل المسافرين على السفينة، يوقفوهم للتحقيق الطويل والمهين وبعدها يبعدوهم من الدولة. كيف كانت ستتصرف حكومة اسرائيل؟ فبعد كل شيء، تسعة اكياس جثث تعاد الى اسرائيل. نشطاء سلام غير مسلحين واجهوا جنودا مدربين جيدا، وبعد ذلك اجتازوا جملة اهانات على الشاطىء. فهل يوجد احتمال في أن تتجلد القدس؟ هل كان الجمهور الاسرائيلي سيقبل بتفهم العودة الى العلاقات العادة مع الدولة المسؤولة عن موت تسعة من مواطنيه؟ اشك في ذلك. التقدير هو أن الجمهور ووسائل الاعلام في اسرائيل كانوا سيمارسون الضغط الشديد على الحكومة كي ترد، على الاقل على المستوى الدبلوماسي. ووزير الخارجية ليبرمان كان لا بد سيدعو السفير التركي، يوبخه بشدة بل ربما يطلب منه العودة الى أنقرة دون موعد عودة. في هذه الاثناء، جنازات المواطنين الاسرائيليين كانت ستغطى اعلاميا بتوسع في كل وسائل الاعلام، والجمهور الاسرائيلي كان سيتميز غضبا أكبر وسيطلب رؤية رد حكومته على السلوك العنيف. وفي النهاية كان سيوجد حل: الحكومة التركية تعتذر عن قتل المواطنين الاسرائيليين وتعود العلاقات الى سابق عهدها، فعلى أي حال العلاقات بين الدولتين هامة جدا لكلتيهما.ولكن الاتراك يصرون على موقفهم: يرفضون الاعتذار وذلك لانهم بزعمهم وقعوا ضحية استفزاز مقصود من اسرائيل ولان ‘اسطول السلام’ الاسرائيلي كان تغطية لنشاط ارهابي يرمي الى المس بسيادة تركيا، التدخل في نزاع داخلي حساس جدا وضعضعة الاستقرار والهدوء في الدولة. وهم غاضبون بقدر لا يقل وغير مستعدين للتراجع. من هنا وحتى قطع العلاقات بين الدولتين وارسال سفن حربية اسرائيلية قرب الشاطيء التركي المسافة غير واسعة جدا.وبالفعل، وصلنا الى هذه الهوة. الان تماما. سيناريو الرعب قطع العلاقات (والاسوأ من ذلك) مع احد الحلفاء الاكثر استراتيجية لاسرائيل في الشرق الاوسط، في الوقت الحساس والاكثر تعقيدا الذي تشهده المنطقة منذ سنوات يوجد على جدول الاعمال. التصريحات التركية بان سفن سلاح البحرية التركي ستبحر في مياه الشرق الاوسط يجب أن تقلق كل من لديه عينان في رأسه. الاعتذار الان، في هذه اللحظة تماما، ليس موضوع ‘كرامة وطنية’. كما أنه ليس موضوع ‘قدرة الردع’ الاسرائيلية. الضرر الاستراتيجي الذي سيلحق باسرائيل من تفكيك العلاقات مع الاتراك اكبر بلا قياس من الجدوى النسبية التي تعتقد انها ستحققها اذا واصلت الاصرار على موقفها. دخلنا الان في مرحلة رقابة الاضرار في الزمن الحقيقي: إما ان تعتذر اسرائيل الان وتنجح في تخليص نفسها، في الدقيقة التسعين، من مشكلة دولية عويصة أو تنجر أعمق بكثير الى الدوامة وفي نهاية المطاف ستضطر الى الاعتذار رغم أنفها، سواء من جانب الامريكيين أم انطلاقا من الفهم بان الامر من شأنه أن ينزلق الى نزاع عنيف بين الدولتين.هذا، أغلب الظن، هو الحسم الاكثر اهمية الذي يتوجب على رئيس الوزراء أن يتخذه من اليوم الذي دخل فيه مكتبه في المرة الثانية. اذا أخطأ في القرار الذي سيتخذه، فان من شأنه ان يدفع اسرائيل نحو زاوية يصعب العودة منها. زاوية اضرارها الهدامة على اسرائيل في عدد كبير جدا من المستويات ذات الاهمية الوطنية العليا. هذا هو زمنه للصحوة. محظور على بنيامين نتنياهو ان يقع في عشق هذا الخطأ.معاريف 7/9/2011