القاهرة ـ من محمد عبد الرحيم: أقيمت على هامش الحلقة النقدية الأولى لورشة النقد السينمائي، التابعة لمركز الفيلم البديل (سيماتك)، بمكتبة «تاون هاوس» بالقاهرة ندوة حول دور النقد السينمائي الآن، ومدى تفاعله مع الجمهور وصناع السينما، خاصة في ظل الثورة التقنية من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، وما مدى دور نشر الأعمال النقدية في تنمية الوعي الفني بشكل عام. أدار الندوة المخرج تامر السعيد، بمشاركة كل من «محمد صالح/روائي وموسيقي»، «محمد عبد النبي/قاص»، «محمد المصري/ناقد بجورنال المصري اليوم»، و»لينا عطا الله/صحافية ومؤسسة موقع مدى مصر»، بحضور بعض الدارسين في حلقة النقد السينمائي».
محاور الندوة
بدأ المخرج تامر السعيد بالتحدث عن الإطار العام للندوة، من خلال محاور عدة أهمها .. دور النقد السينمائي الآن، وإلى مَن سيوجه للسينمائي أم للجمهور، وما الفروق بين النقد الأكاديمي والنقد الصحافي، ومدى تأثير طرق التواصل الاجتماعي كالفيسبوك في اتساع مساحة الوعي، وخلق حراك نقدي والأخذ بوجهات النظر المختلفة، وهو ما يخالف وجهات النظر المُقيدة الصادرة عن النقاد التابعين للصحف، والقومية منها بوجه خاص، وأخيراً .. هل من الممكن استغلال الأصوات النقدية الجديدة في مطبوعات دورية، حتى يتم التأثير في الحركة النقدية السينمائية الراكدة منذ عقود؟
حرية مشروطة
أجابت لينا عطا الله على سؤال أحد المشاركين حول مدى الحرية الممنوحة لمقال نقدي تقوم بنشره من خلال موقعها الالكتروني (مدى مصر) بما للفضاء الالكتروني من حرية تفتقدها الصحافة، والمملوكة للدولة على وجه الخصوص. فأجابت بأن النشر في موقع إلكتروني لا ينفي التدخل في المادة المنشورة، لكنه ليس بالشكل الذي تمارسه الصحف ــ الرقابي في المقام الأول ــ لكنه تدخل لصالح المادة المنشورة نفسها كتطويرها مثلاً، دون تغييرها، وهو من سبيل تعميق النص المنشور، وإضافة نقاط أخرى عند الضرورة. ولا يعد ذلك شكلا من أشكال التدخل أو فرض نوع ما من الرقابة!
علاقة الجمهور بالنقد
أشار «محمد صالح» إلى دور الناقد كوسيط بين الفنان وعمله الفني والجمهور، ويقود ذلك إلى تفعيل دوره في تحريك المشهد النقدي، وبالتالي اكتشاف أفكار أخرى في الفيلم بما أنه نص بصري سمعي، إضافة إلى الإشارة إلى جماليات العمل الفني.
فكرة الديمقراطية في الثقافة
وألمح بعض الحضور من المشاركين بالورشة النقدية إلى مدى ملاءمة الديمقراطية في الحركة النقدية، فأضاف محمد صالح بأن الثقافة ليست من السهل أن تصبح ديمقراطية كما في الفضاء الالكتروني، فلابد من حركة فوقية تعمل على توجيهها، والدليل على ذلك الإنتاج الثقافي في الستينات الذي كانت ترعاه الدولة وقتها، حتى الذين ساروا ضد هذا التوجيه جاءت مفرداتهم من خلال خطاب ثقافي شامل، وهو ما لم يحدث منذ الستينات وحتى الآن.
عدم وجود تيار نقدي
ويسترسل «محمد صالح» مؤكداً على فكرته بأن حالة النقد الانطباعي المسيطرة على المشهد النقدي عامة ترجع إلى عدم وجود سياق ثقافي عام، فالأمر قائم على مجهودات فردية، لذلك لم ينتج عنه حركة أو تيار نقدي كما في العديد من الدول الأوروبية. ففكرة الديمقراطية ستؤدي بالأمر إلى استحواذ المنظومة الرأسمالية عليه، وتحويله إلى ترويج لسلعة ليس أكثر، وهو ما يحدث الآن عند الحديث عن الأفلام الهابطة من وجهة نظر المثقفين، بينما هي في الوقت نفسه جماهيرية، يؤكدها إيراداتها المرتفعة، فأصبح شباك التذاكر هو الفيصل، بغض النظر عن المستوى القيمي والفني للفيلم، وبعيداً عن أي رأي نقدي، لا يهتم سوى بإعادة إنتاج أفكار في دائرة مغلقة ليست بذات تأثير.
الدوريات السينمائية ودورها
وتحدث تامر السعيد عن مدى جدوى نشر الموضوعات النقدية على اختلافها، سواء مقال أو دراسة في مطبوعة دورية تكون بمثابة مؤشر على العملية النقدية بمجملها، وبالتالي تتبع مدى التطور الذي سيصيبها، ونتيجة ذلك على جمهور القراء، خاصة في أوساط الشباب، الذين يبدون اهتماماً كبيراً لكل ما هو جديد، إضافة إلى أن الأصوات النقدية الجديدة ستبحث عن مفردات وجماليات أخرى غير التي اعتدناها في مقالات كُتاب الصحف المعروفة، والتالي ستكون غير مُسيّسة ونمطية. وسيؤدي ذلك إلى حراك سينمائي وخلق حالة سينمائية جديدة مع انتشار عروض نوادي السينما، التي تقدم نوعية مختلفة من الأفلام لم يعتدها الجمهور. وعلق أحد الحضور بأن هذا الدور مرهون بطبيعة إدارة المطبوعة، فالتجربة أثبتت أن الإدارة الجماعية أدت إلى توقف العديد من المطبوعات، بخلاف الدوريات الخاصة، التي يديرها شخص واحد يحاول توحيد الأصوات المشاركة في المطبوعة، مما يخلق لها كيانا خاصا وشكلا متميزا.
طبيعة النقد السينمائي
يرى القاص «محمد عبد النبي» أن النقد يبدأ من حالة انطباعية للناقد حول العمل الفني، ويكون موجهاً للجمهور، كما في المقالات النقدية في الصحف اليومية، وصولاً إلى المقالات والدراسات البحثية المتخصصة، وهي تهم الأكاديميين والدارسين والقائمين على الصناعة بالأساس. فالناقد الصحافي على سبيل المثال لا يتوقف مقاله في الجريدة على الإشادة بفيلم ما، وحث الجمهور على مشاهدته، أو العكس، بأن يرى في الفيلم أنه دون المستوى، فيصرف عنه الجمهور. فالأمر يخرج عن كونه وصاية من الناقد على الجمهور، بل عليه أن يُفند وجهة نظرة بحرية، تاركاً للجمهور حرية الاختيار.
ويؤكد هذا الرأي من ناحية أخرى «محمد المصري» الناقد بجريدة «المصري اليوم» أن الفن السينمائي جماهيري بطبعه، وهذا الأمر في الأساس هو ما يستدعي نقده، فلا يجب غض الطرف عن أفلام يصفها النقاد عادة بالهابطة، فلابد من مشاهدتها وعدم الخجل من ذكرها في مقال نقدي، وكشف أسباب تدني مستواها ــ حسب وجهة نظر الناقد ــ أما الابتعاد عنها والتعالي في التعرّض إليها، فهو أسوأ شيء سيضر بالعملية النقدية، ويفقد الناقد جمهورا عريضا من مُتابعي السينما.