محمد ابراهيم زكري أولا: لقد اسمعت لو ناديت حيامنذ سبع سنوات، كتبت – في حدود المتاح على حافة الجحيم – مقالتين.. حملت احداهما عنوان: ( دعوة الى ثورة في الثورة.. أو: لا لطبقة الكلب الديناصور) وحملت الأخرى عنوان: ( في مواجهة التيار واستباقا للطوفان ) . ولقد حذرت في المقالتين من المآل الكارثي الذي آلت اليه الأوضاع كافة في البلاد هذه الأيام؛ غير أن الصحافة الليبية رفضت نشر أي من المقالتين، إما تجنبا للمتاعب مع سلطة الحرس القديم (ولا الومهم) أو انسجاما مع تيار اللبرلة الغدويّة (ولا أعذرهم) . ومع أن المقالتين قد نشرتا بعدئذ في الصحافة الإلكترونية.. فإنه لم يكن لأي منهما أي صدى لدى متخذي القرار في ليبيا؛ فاللامبالاة والاستهانة كانتا هما الفعل ورد الفعل؛ فمن عساك تظن نفسك ايها المواطن الآبق؟ .. و (زمّار الحي لا يطرب ) و.. ‘ ربَّ وامعتصماه انطلقت….. لم تلامس نخوةَ المعتصمِ ‘ ثانيا: ألا لايجهلن أحد علينادفعا إستباقيا لما قد يقذفني به الموتورون وباعة الهتاف وحملة المباخر وحمّالات الحطب – على الجانبين – من طوب المزايدات المجانية:
فأنا لست من المحسوبين على نظام الفاتح من سبتمبر، بل إنه أحالني على التقاعد (التصفوي) وأنا في العشرينات من العمر، وأدخلني المعتقل والحبس الانفرادي لأخرج منهما بعاهتين مستديمتين.. نتيجة لفائض كرم الضيافة.
وأنا لم أكن يوما عضوا في تنظيم (حزب) اللجان الثورية، بل ان منهم من حرض عليّ جهارا نهارا في الإعلام (مصطفى الزايدي وامحمد الغول القائدي وآخرون) ومنهم من ذهب ابعد من التحريض الإعلامي (ميلاد دامان وآخرون) فوضعني مباشرة وجها لوجه – باسم التنظيم الثورجي – أمام خيارين: الصمت أو التصفية الجسدية.
وأنا لم اكن لحظة واحدة معجبا بمشروع ليبيا الغد الإصلاحوي او متعاطفا مع طروحاته النيوليبرالية المستنسخة من النموذج الاميركي (البوشي) . وأنا لست من المستفيدين على أي نحو من الإنعامات الثوروية والامتيازات الدولتية – ولو بمثــــقال ذرة – على مدى الأربعة عقود الماضية، بل على العكس من ذلك فإن الحكومة الليبية صادرت ما يربو عن عشرين هكتارا من الارض (هي ملكية مقدسة لي بالميراث الشرعي عن اجدادي) لتقام عليها مستوطنة جادو الجديدة.
وأنا لا أملك بيتا على ارض (الجماهيرية العظمى) بطول البلاد وعرضها – ولا أي من افراد عائلتي يملكون – فتلك غاية لا تدرك في العظمى إلا بواحدة من وسائل ثلاث هي: الواسطة أو الرشوة أو الذلة. وأنا مواطن استنزفت خدمةُ الدولةِ الليبيةِ الفاشلةِ عمرَه ليخرج من الوظيفة الحكومية بمعاش تقاعدي هزيل – اخجل من ذكر قيمته – هو أدنى قدرة شرائية من أول مرتب تقاضيته في مستهل حياتي الوظيفية (قامت وقعدت حكومة أثرياء الفساد لترفعه – عَرَضيّاً – الى مستوى الحد الأدنى للأجور) . وأولادي هم بين عاطل عن العمل وفاقد للأمل، نتيجة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي اعتمدتها الحكومة الليبية لإدارة دولة الحقراء.. وخصوصا في العقد الأخير؛ عملا بروشتة البنك وصندوق النقد الدوليين، واسترشادا بتنظيرات الليبرالية الجديدة. ومن ثم فإنه ليس لكائن من كان أن يأخذني بشبهة او بتهمة ممالأة النظام الليبي حفاظا على مكاسب شخصية أو دفاعا عن امتيازات خاصة توفرت لي من النظام لأخشى عليها من الفقدان – والامر هو كما اسلفت – وبالطبع فإنه من غير الوارد ان أحصل منه في ربع الساعة الأخير على حق لم احصل عليه خلال اربعين عاما خلت.
وبالمقابل فانني لست بمتطلع الى نيل رضى فريق متصدري انتفاضة 17 فبراير الشبابية، المكون في غالبيته من المحسوبين على مشروع ليبيا الغد الاصلاحوي (ناقصا سيف فقط) بسياسييه واقتصادييه ومنظريه واعلامييه وأنصارييه ومستفيديه. ولست بمنتظر منهم خيرا كثيرا لبلادي قبل أن انتظره لشخصي.. وهم (ولا أعمم) من نقلوا البندقية من كتف الى الكتف الأخرى، قافزين بسرعة بهلوانية ملفتة من سفينة النظام (التي سبق لهم القفز اليها واختطافها في غفلة من الشعب الليبي) الى ظهر حاملة طائرات حلف الناتو.. ليعودوا من ثم – هم وأولادهم – الى ركوب ظهورنا وتولي أمورنا والجثوم فوق صدورنا من جديد، وليكونوا بذلك قد اخترقوا واختطفوا ثورتين ولدغونا من نفس الجحر مرتين.
وفي كل الأحوال فأنا من تلك الفئة المتصالحة مع نفسها والمنذورة للخسارة الشخصية في كل الأزمنة والعهود.. نظير وجرّاء مجاهرتها بكلمة ( لا ) . ثالثا: الناتو لخطأ في قراءة معطيات الواقع، أو لسوء تقدير متغيراته، أو لكليهما معا.. تبدو الأطراف كافة وقد وقعت في ورطة رمال متحركة لا يدري أحد متى وكيف وكم هو ثمن الخروج منها؛ فلا الحل الأمني أغنى عن الحلول السياسية والاقتصادية والاجتماعية في احتواء الازمة، ولا ركوب موجة التسونامي الشعبوية أوصل ركاب الأمواج الى سفينة نوح، ولا قراصنة الناتو حصلوا على الجائزة الكبرى بالسهولة التي توقعوها. وهنا استدرك بالقول: (ومن نكد الدنيا على المرء أن يرى عدوّاً لهُ ما مِن صداقته بدُّ)على أن الحقيقة العارية الآن هي أن الناتو – شاء من شاء وأبى من أبى – هو صاحب اليد العليا والكلمة الفصل في إملاء كتابة التاريخ وصياغة الواقع ورســـم ملامح المستقبل على الارض الليبية.. استثمارا في دماء الليبيين على جانبي صراع الاخوة الاعداء، عبر استراتيجية الاحتواء المزدوج؛ فالناتو ليس هو الأم تيريزا.
ولا ينخدعن أحد منكم فيتوهم او يوهم غيره بأن في امكانه الامساك بخيط من خيوط لعبة الأمم، فاللعبة اكبر منكم جميعا، والكعكة الليبية هي أشد إغراء لأباطرة القوة الناعمة والقوة الغاشمة من أن يتركوا أمرها للصـــغار.. وما انتم بنظرهم – إن كنتم لا تدرون – إلا نوعا من تلك الكائنات التي لاتكــــف عن الطنين حول الكعكة و(تدرّه الكبد بس ما تقتلش) . فلا لعبة الامم مباراة ودية في الشطرنج (صبلي نشرب) أو مساجلة متلفزة في الشعر الشعبي (خمسة قعمز طاولة كسّر) ، ولا السادة اوباما وساركوزي وكامرون ومدفيدف وجياباو هم من حواريي السيد المسيح. وهاهم الروس والصينيون يناورون بوسائل القوة الناعمة، ويساومون – تحت الطاولة وفوقها – على حجم نصيبهم من الكعكة.. قبل أن يخط الناتو بأدوات القوة الغاشمة كلمة الختام في التراجيديا المخطوطة بالدم الليبي، وقبل ان يأذن المستر أوباما بوضع نقطة النهاية على السطر الأخير من التراجيديا الليبية الدامية؛ فواقع الحال هو أن فبراير يريد وسبتمبر يريد والناتو يفعل ما يريد. رابعا: لا لحرب البسوسإن وطنا يدمر، وشعبا يباد، ومستقبل أجيال يضيع في مهب إعصار فتنة كبرى مفتوحة على المجهول.
فمهلا ايها السادة، توقفوا قليلا لتواجهوا انفسكم امام الله والتاريخ، واستجمعوا شتات ما تبقى من عقولكم وضمائركم لإيقاف حرب داحس والغبراء؛ التي التهمت ارواح الاف مؤلفة من زهورالوطن لا أحد منهم فائض عن الحاجة، والتي طالت حتى طالت بويلاتها عشرات الالاف من الايتام والارامل والثكالى والمغتصبات والمعوقين والمكلومين والمشردين.
مهلا ايها السادة، توقفوا قليلا لتراجعوا انفسكم امام الله والتاريخ؛ فالله والتاريخ لا يغفران سفك الدماء على مذبح الأهواء، واوقفوا حرب البسوس.. حتى يوقف الناتو وصلات العزف الصاروخي المنفرد في احتفالية التدمير الشامل.. المتواصلة من الجو، لرفع قيمة فاتورة إعادة البناء والاعمار على الارض الليبية الخراب.. لصالح انعاش الاقتصادات الراسمالية المنهارة في اوربا واميركا.
مهلا ايها السادة، تواضعوا لنا قليلا، واسمحوا بالصراخ في وجوهكم مرة واحدة لمواطن من عامة الشعب.. مواطن عادي (هرواك / كما تقولون عنّا) ومثقف مهموم ومسكون بالوطن (طوباوي/اومغفل في قاموسكم) يعرف جيدا ان المعرفة سلطة.. لكنه عف عن استثمار رصيده منها في سوقكم الموازية. اسمحوا لنا ان نقول لكم: ارفعوا ايديكم عنّا (hands o) وكفوا عن القعقعة، فلم يعد وطننا المنهوك يحتمل عنترياتكم إن كنتم لاتعلمون. اوقفوا ضجيج إعلامكم الغرائزي (shut up) وكفوا عن قصف وعينا المنتهك، فلم نعد نطيق غوبلزياتكم إن كنتم لا تدرون. انها قد غدت حرب البسوس، فتذكروا فقط أننا في عصر الكونية والمعلوماتية والنانو تكنولوجي. تذكروا فقط أن ليبيا وطن للبشر الليبيين.. وليست مزرعة حيوان أورويليّة. وتذكروا فقط أن: ‘ كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام ‘ . ‘ كاتب ليبي