زهير أندراوس:
الناصرة ـ ‘القدس العربي’ مع اقتراب استحقاق إعلان الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة خلال شهر أيلول (سبتمبر) الحالي، تعيش الدولة العبريّة حالة من الهستيريا والتخبط، تعكسها المخاوف التي يبديها العديد من المسؤولين الإسرائيليين إزاء احتمال أن تجد دولتهم نفسها معزولة عالميا، وهو ما دفع بحكومة بنيامين نتنياهو إلى إطلاق تحذيرات من مخاطر إستراتيجية قد تترتب على هذه الخطوة، في وقت يضع قادة الجيش الإسرائيلي اللمسات الأخيرة على خطة متعددة المستويات لمواجهة التظاهرات الفلسطينية المحتملة، وهي لا تستبعد إصدار أوامر بإطلاق النار على المدنيين، من طرفي ما يُسمى بالخط الأخضر.
واعترفت أمس الخميس المصادر الإسرائيلية الرسميّة بأنّ الأمريكيين والرباعيّة فشلوا في إقناع الرئيس محمود عبّاس في العدول عن التوجه إلى الأمم المتحدّة، وبحسب المصادر عينها فإنّ الأمريكيين، بدعم من الرباعيّة، اقترحوا على الرئيس عبّاس أنْ يُلغي التوجه للأمم المتحدّة، وبالمقابل يوافق نتنياهو على الدخول في مفاوضات مباشرة مع السلطة على خطة أوباما، القاضية بإقامة دولة في حدود ما قبل عدوان حزيران (يونيو) من العام 1967. وتوقع دبلوماسيون غربيون أن يعلن عدد من دول الاتحاد الأوروبي تأييده لإعلان دولة فلسطينية مستقلة أثناء التصويت عليها في الأمم المتحدة، ومن بينها بلجيكا وقبرص واليونان وايرلندا ومالطا والنرويج والبرتغال وأسبانيا والسويد.
ونقلت صحيفة ‘هآرتس’ العبريّة عن هؤلاء الدبلوماسيين قولهم إن هذه الدول قد تبدي تأييدها للدولة الفلسطينية المستقلة، لكنهم أشاروا في الوقت ذاته إلى أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لم تحسم موقفها من هذه المسألة نهائياً، مرجحين حدوث انقسام على غرار تلك التي حدثت قبيل حصول كوسوفو على استقلالها. وحذّر ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية، وفق صحيفة ‘إسرائيل اليوم’، المؤيدة له، من مغبة أن يؤدي اعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطينية إلى تأجيل المفاوضات حول التسوية الدائمة لسنوات طويلة، على حد تعبير المصادر.
وأوضح ديوان نتنياهو، بحسب الصحيفة، أنه إذا صادق المجتمع الدوليّ على المشروع الفلسطيني، فلن تكون في إسرائيل حكومة يمكنها أن تعطيهم ما حصلوا عليه في الأمم المتحدة. كما لن تكون حكومة فلسطينية توافق على أقلّ من ذلك، ولهذا سينشأ فارق لا يمكن جسره.
وقال مصدر سياسي إسرائيلي رفيع المستوى، كما أفادت ‘يديعوت أحرونوت’ أمس، إن الأمم المتحدة تضع عبّاس على شجرة وتأخذ منه السلم. هذا خطأ استراتيجي من العالم، وأضاف إن الحكومة لم تقرر حالياً أي عمل ستتخذه ضد السلطة الفلسطينية، ولكن السفير في الولايات المتحدة، مايكل أورن فصل ما من شأنه أن يكون إذا ما توجه الفلسطينيون إلى الأمم المتحدة.
وبحسب أورن، فإنّ كل الاتفاقات بين الإسرائيليين والسلطة من شأنها أن تُلغى. وأضاف أورن إن لإسرائيل الكثير من الاتفاقات مع السلطة الفلسطينية، ولكن ليس مع حكومة فلسطين. وعلى حد قوله فإن اتفاقات في مجالات الأمن والبنى التحتية والتصدير وغيرها ستصبح غير نافذة إذا ما توجّه الفلسطينيون إلى الأمم المتحدة بشكل أحادي الجانب، لافتًا إلى أنّ الاتفاقات بين السلطة والولايات المتحدة تبدو في خطر أيضاً. من جهته، قال وزير المالية الإسرائيلي يوفال شتاينيتس إن طلب انضمام دولة فلسطينية إلى الأمم المتحدة يشكل تهديداً أخطر من تهديد حركة حماس، مشدداً على أن هذه الخطوة لن تبقى من دون رد إسرائيلي. وفي المداولات التي أجرتها القيادة السياسية في إسرائيل تم تشخيص ثلاثة مخاطر أساسية يمكن أن تنبع من اعتراف الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية. الخطر الأول، هو أن يخرج الفلسطينيون إلى الشوارع بعشرات الآلاف في محاولة لإثارة عنف متواصل على نمط ربيع الشعوب العربي. والخطر الثاني، هو أن تستخدم منظمات مؤيدة للفلسطينيين القرار في الأمم المتحدة لتشديد المقاطعات ضد إسرائيل، أما الخطر الثالث، فهو توجه السلطة الفلسطينية إلى منظمات دولية لمهاجمة إسرائيل وفرض عقوبات عليها بسبب المستوطنات.
وفي ما يعكس التوتر في إسرائيل جراء انتظار الخطوة الفلسطينية في أيلول، حذّرت السفيرة الإسرائيلية السابقة لدى الأمم المتحدة غابرييلا شاليف من أن إسرائيل ستبدو مثل جنوب أفريقيا زمن التفرقة العنصرية. ونقلت صحيفة (معاريف) عن شاليف قولها إن إسرائيل تواجه تسونامي سياسياً لم يسبق لها أن شهدت له مثيلاً، مشيرة إلى أن هذا التسونامي سيلقي بها خارج السياج لتتعرض لعقوبات ومقاطعات شديدة. وأوضحت أنه بعد عملية الرصاص المسكوب صعد نتنياهو إلى سدة الحكم، وتوقفت المحادثات مع الفلسطينيين، وصدر تقرير غولدستون، وأحدثت قضية سفينة مرمرة أمواجاً، وبالوسع أن نزيد على ذلك الجهد الدبلوماسي الناجح للفلسطينيين والدول العربية، وحينها سنفهم لماذا تعيش إسرائيل في الدرك الأسفل في الأمم المتحدة، وهو درك لم ننزل إلى مثله أبداً.
ورأت شاليف أن الولايات المتحدة هي الأخرى لن تنقذنا هذه المرة، فالأمريكيون ليسوا خداماً عندنا، مضيفة إننا نسير من رفض إلى رفض، وفي الطريق نخسر حتى الولايات المتحدة. ورداً على سؤال حول ما يمكن أن يحدث في أيلول ردت شاليف بحزم: سيكون السفير القطري عبد العزيز ناصر حينها رئيساً للجمعية العمومية للأمم المتحدة، ان مواقفهم متطرفة ضدنا جدًا. ورئيس مجلس الأمن الدوري سيكون في هذا الشهر السفير اللبناني، وهذا وضع غير محتمل. في 20 أيلول قد يتخذون قراراً بالاعتراف بالدولة الفلسطينية في حدود 1967. يستحيل عدم اتخاذ قرار كهذا. في نفس السياق، كشفت صحيفة ‘هآرتس’ النقاب عن أن الجيش الإسرائيلي بدأ يدرب مسؤولي الأمن ومجموعات التأهب في المستوطنات للتصدي لمسيرات الفلسطينيين تزامناً مع الاعتراف المرتقب بدولة فلسطينية في الأمم المتحدة. وفي إطار الاستعدادات، تقرر لكل واحدة من المستوطنات خطاً أحمر يؤدي اجتياز الفلسطينيين له إلى إطلاق النار على أقدامهم، مثل اجتياز الحدود الشمالية لإسرائيل.
وللتدليل على التخوف الإسرائيليّ من استحقاق سبتمبر، قالت ‘يديعوت أحرونوت’ أمس الخميس إنّ وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة بدأت منذ أسبوع حملة عالمية لترتيب صلوات في جميع أنحاء العالم المسيحيّ، وتحديدًا في الولايات المتحدّة، بمشاركة المسيحيين، وأوعزت إلى جميع السفراء والقناصل في الدول المسيحيّة ترتيب الصولات المشتركة بين اليهود والمسيحيين لكي تؤكد الدولة العبريّة للعالم أنّها تحظى بتأييد المجتمع الدولي، على حد تعبير مصدر رفيع في الخارجية، وأضاف المصدر عينه أنّ نائب وزير الخارجية، داني أيلون، شارك الأسبوع الماضي في صلاة مشتركة بأمريكا مع ألفي مسيحي من الإنجيليين، المؤيدين لإسرائيل، وأنّ الحملة العالميّة التي أطلقتها إسرائيل ستُساهم إلى حد كبير في رفع الدعم الدوليّ لها، على حد تعبيره.