أعداء سورية وأصدقاؤها

حجم الخط
0

لا نأتي بجديد عندما نقول ان جميع الأنظمة العربية بلا استثناء غير منتخبة وفاقدة للشرعية وتواجه شعوبها بالحديد والنار من أجل البقاء. داخليا تستعين الأنظمة بأجهزتها الأمنية القمعية، جيدة التدريب والتمويل، وخارجيا تبحث عن حماية وشرعية وهمية لتوفرها لها دول الغرب وعلى رأسها أمريكا، وإمعانا بهذا التوجه تمارس الأنظمة تطبيعا علنيا أو سريا مع مدللة الغرب وعدو العرب الأول ‘إسرائيل’. في موالاة ‘إسرائيل’ والغرب قد تكون الدولة السورية الإستثناء الوحيد فهي لم توالهما ولم تنشد مساعدتهما لحماية سلطتها وأمنها الداخلي، بل بقيت الأنظمة السورية المتعاقبة مترفعة عن ارتكاب مثل هذه الخطايا ومترفعة عن توقيع صلح منفرد مع العدو الإسرائيلي أو نسج علاقات علنية أو سرية معه، ومن بين شقيقاتها العربيات انفردت سورية بعدم خضوعها لأعداء الأمة وأرست بالمقابل أمتن العلاقات مع القوى العربية والإسلامية المواجهة لهم.

موقف سورية القومي والحصانة الشعبيةيمكن القول ان مؤسسة الحكم في سورية مارست سياسة خارجية منسجمة مع أماني الشعوب العربية وصاغت مواقف وطنية وقومية تلبي طموحات الجماهير لحد كبير. وفي نفس السياق يمكن للمتتبع والمراقب أن يلمس الدعم السوري السياسي والعسكري للمقاومات العربية والإسلامية في لبنان وفلسطين والعراق ويرصد تحالف سورية السياسي والعسكري مع دولة إيران المسلمة، التي تدعو وتسعى منذ اليوم الأول لنجاح ثورتها لإزالة اسم ‘إسرائيل’ من خريطة المنطقة.

منحت مواقف سورية القومية وتحالفاتها الإقليمية الدولة السورية، موقعا محوريا في المنطقة وجعلت منها رقما صعبا في معادلة الصراع الإقليمي لا يمكن تخطيه، لكن لم يحظ النظام السوري بالرضا الشعبي الكامل بسبب سياسته الداخلية غير المقبولة من قبل الشعب التواق للحرية وللتحرر من قبضة النظام الأمنية والمتلهف للتداول السلمي للسلطة ولإنشاء دولة مدنية عادلة تمنحه فرصا متساوية في العمل وفي حرية التعبيرعن الرأي، وتتيح له الاختيار الحر لممثليه وحاكميه وللناطقين باسمه في كافة المنابر والمستويات بما فيها رئاسة الجمهورية. تأثير ‘الربيع العربي’ على الشعب السوري ونظامه.

كما هو معلوم انطلقت شرارة الثورات العربية من تونس إثر إحراق المواطن التونسي ‘البوعزيزي’ لجسده الطاهر تعبيرا عن رفضه الخضوع لأوامر سلطاته الظالمة، وبسرعة قياسية تحولت شرارة البوعزيزي لنيران هائلة شاركت في إشعالها الجماهير التونسية الغاضبة، وما لبثت أن أسقطت رأس النظام وبعضا من بطانته في أقل من شهر. ولد النجاح السريع للثورة التونسية ‘آلية دومينو سحرية’ أسقطت الطغاة في مصر وليبيا وتوشك اليوم على إسقاطهم في اليمن والبحرين وأشعلت في سورية نارا ما زال ممكنا إطفاؤها بإصغاء أعمدة النظام السوري لصوت العقل ولنصيحة الأصدقاء القائمة أولا على الاستبعاد الكامل للحل الأمني الدموي والعقيم. وعودة لتطورات الأوضاع في سورية وتأزمها يمكن القول أن النظام أغفل الرسائل الثورية بالغة الخطورة، القادمة من مصر وتونس، والتقطها الشعب السوري بسرعة مذهلة، ثم أمهل نظامه أسابيع قليلة من أجل تنفيذ الإصلاحات التي وعده فيها الرئيس بشار الأسد، عقب تسلمه الرئاسة في العام 2000 خلفا لأبيه. تأخرت الإصلاحات لأكثر مما يمكن احتماله، فخرجت الجماهير السورية إلى الشارع، لتعبر عن غضبها وتطرح مطالباتها بالحرية والتغيير. انتفض الشعب احتجاجا على السياسة الداخلية لنظامه رغم تأييده لسياسة النظام الخارجية.

يستند النظام في سورية على عوامل قوة يستمدها داخليا من جيشه ومن جهاز أمنه المنيع وخارجيا يتلقى دعما سياسيا من حلفائه الأقوياء وعلى رأسهم إيران وحزب الله اللبناني. وتعادي النظام دول الغرب وعلى رأسها أميركا كما تعاديه أنظمة عربية عديدة تسير في الفلك الأميركي علاوة على العداء الإسرائيلي الدائم. أما الجارة تركيا التي دخلت بقوة مؤخرا العالم العربي من البوابة السورية فموقفها من الحدث السوري يبدو متذبذبا ربما لانتسابها لحلف الناتو الغربي ولرغبتها المزمنة بالالتحاق بدول الإتحاد الأوروبي الصديقة ل ‘إسرائيل’ والمعادية للتطلعات المشروعة للشعوب العربية.

موقف إيران وحزب الله من الحدث السوريحزب الله وإيران ينفيان الاتهامات الموجهة لهما من قبل بعض أجنحة المعارضة السورية بالتدخل في مجريات الأحداث في سورية، لكنهما يبوحان بدعمهما للنظام السوري سياسيا وإعلاميا ويعربان عن قناعتهما بوجود مؤامرة خارجية (كما يعلن النظام) تأخذ شكلا سياسيا ومسلحا وتستهدف سورية دولة وشعبا من أجل كسر شوكتها وإخضاعها للمخطط الأميركي الإسرائيلي الذي يرسمونه للمنطقة. لقد تعرّضا إيران وحزب الله للإحراج الشديد بسبب دعمهما السياسي والإعلامي للنظام السوري لأن المشهد السوري بات بالغ التعقيد فهناك دماء كثيرة سالت وتسيل، ومواجهات يومية بين الجيش والشعب من جهة أو بين المسلحين والجيش من جهة أخرى، فالروايات متعددة ومختلفة، وفي النهاية مهما قيل لا بد من الإقرار بأنه في سورية يوجد شعب مظلوم، كسر حاجز الخوف ويقدم التضحيات لنيل حريته وكرامته، وأن حركته الاحتجاجية متصاعدة وماضية نحو الأمام وإن لم تكن بالحجم الكبير الذي شاهدناه في تونس ومصر. ليس من الحكمة أن ينتظر النظام في سورية وقفة إيران وحزب الله معه إلى ما لا نهاية، فهذه الوقفة أفقدتهما قدرا كبيرا من شعبيتهما في العالمين العربي والإسلامي، اللذان يتأثران بالكم الهائل من الإعلام الموجه المعادي لحكام سورية، وتحديدا ما تبثه قنوات الجزيرة ‘القطرية’ والعربية ‘السعودية’ والبي بي سي ‘البريطانية’، وما تنقله يوميا من صور لقتلى من المواطنين السوريين صرعوا برصاص الجيش.

خلاصة، استنتاجات وحلول ممكنةلم تأخذ الحركة الاحتجاجية في سورية شكلا يشبه التطورات التي جرت في تونس ومصر وليبيا. في الأخيرة اتخذ الصراع شكلا مسلحا بين فريقين، فريق شعبي سيئ التسليح وفريق نظامي جيد التسليح، ولولا التدخل المسلح لحلف ‘الناتو’، لما تمكن الثوار الليبيون من إسقاط نظامهم، لكنهم في المقابل دفعوا ثمنا باهظا بإتاحتهم الفرصة لدول الغرب لتفوز بموطئ قدم في ليبيا وفي الشمال الإفريقي، سوف نرى تأثيره السلبي على ليبيا وجوارها العربي في المستقبل القريب. في تونس ومصر كانت نقمة الشعوب على أنظمتها مزدوجة، الأولى داخلية، ناتجة عن قمع النظام لشعبه وإفقاره وإذلاله، والثانية خارجية، ناتجة عن خضوع نظامي البلدين لإرادة أعداء الأمةمةأم ومعاداتهما لتطلعات شعبيهما الوطنية والقومية.

ما يجري في سورية لا يشبه ما جرى ويجري في البلدان العربية التي شهدت ثورات شعبية أطاحت بأنظمتها بقواها الذاتية (ثورتي تونس ومصر) أو الثورة الليبية التي أطاحت بنظامها بمساعدة الغرب، في مصر وتونس قاومت أميركا و’إسرائيل’ وكافة الدول السائرة بفلكهما الاحتجاجية الشعبية وبذلت قصارى جهدها من أجل حماية نظامي البلدين، وفي سورية أيدت هذه الدول مجتمعة الاحتجاجات الشعبية وسعت من أجل إسقاط النظام. في ليبيا خرج المتظاهرون بوجه النظام وهتفوا بسلمية حركتهم، لكنهم سرعان ما حملوا السلاح ضد نظامهم المستبد فتغير مسار الثورة وتحول لنزاع مسلح.

ليست الحالة السورية كالحالات المذكورة الثلاث، لم ينقسم الوطن السوري لشرق وغرب أو شمال وجنوب كما حدث في ليبيا، ولم تثر المدن الكبرى فيه كما حدث في تونس ومصر، بل جرت معظم المواجهات في الأطراف القريبة من حدود الدول المجاورة، والروايات التي تتحدث عن إسالة الدماء بغزارة متناقضة وبعضها مبالغ فيه وترويه أطراف ووسائل إعلامية يوجهها الغرب، وللحق نقول أن ما يجري في سورية يبقى غامضا وتحيط فيه الشكوك ونحن بانتظار جلاء الحقيقة الكاملة، فنصف الحقائق يضر ويجلب البلبلة ويبعدنا عن بر الأمان الذي ينشده الشعب السوري وسائر الشعوب العربية.

عمر عبد الهادي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية