11 أيلول 2001: ليلة القبض على راقصة

حجم الخط
0

مالك التريكي

كانت إسرائيل سباقة إلى استثمار هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 وما أعقبها من حالة طوارىء عالمية فرضتها الإدارة الأمريكية على الإنسانية بأسرها طيلة أعوام. فبعد يومين فقط من الهجمات، نقل راديو إسرائيل عن أرييل شارون أنه قال لكولن باول: ‘لكل منا بن لادنه. أما بن لادننا نحن فهو عرفات’! وفي الأيام والأسابيع التالية للهجمات نجحت إسرائيل أيما نجاح في ركوب موجة ‘الحرب على الإرهاب’ وفي تقريب المسائل إلى ذهن الألمعي جورج بوش إلى حد أنه لم يعد قادرا على أن يفرق بين بن لادن وصدام وعرفات، بل ربما كان يعدهم شخصا واحدا! ذلك أن هجمات القاعدة أتاحت لإسرائيل أن تسيّر بوش على هواها، فصار ‘شارون يتلاعب ببوش كأنه خاتم في إصبعه’، حسب عبارة برنت سكوكروفت مستشار الأمن القومي في إدارة بوش الأكبر (من 1988 إلى 1992). من هذا المنظور، كانت إسرائيل هي أكبر مستفيد استراتيجي من هجمات القاعدة. لكن الذي ساهم في حجب هذه الحقيقة هو كثرة الأباطيل والسخافات التي راجت آنذاك، والتي بلغت حد الزعم بأن جميع ‘اليهود’ من موظفي المؤسسات التي كان لها مكاتب في مبنى التجارة العالمي لم يذهبوا للعمل يومئذ لأنهم كانوا على علم مسبق بأمر الهجمات!!! إلا أن ما هو أشد إثارة من استفادة إسرائيل من هجمات 11 أيلول استراتيجيا هو تحويمها حولها استخباريا. فقد ثبت بالدليل أن الموساد كان يراقب تحركات منفذي الهجمات وتنقلاتهم في أمريكا. ومن العجائب أن أول من فضح هذه الحقيقة هي شبكة فوكس التلفزيونية الأمريكية الشديدة الولاء لليمين الإسرائيلي. فقد نشرت فوكس على موقعها على الانترنت، بعد بضعة أسابيع من الواقعة، تحقيقا كشفت فيه أن السلطات الأمريكية ألقت القبض على عدد يتراوح بين 120 و140 من أعضاء شبكة تجسس إسرائيلية كانت تراقب الشبان التسعة عشر طيلة الأسابيع التي سبقت تنفيذهم الهجمات. وبالطبع تم ترحيل الجواسيس في كنف السرية التامة. ثم ما لبثت صفحة التحقيق أن اختفت من موقع فوكس… لكن السلطات الأمريكية لم تنجح في التستر على القضية. فقد فجرها أوائل عام 2002 موقع ‘انتلجنس أونلاين’ الفرنسي المتخصص في شؤون الاستخبارات عندما نشر معلومات أوردها تقرير فدرالي أمريكي سري من 16 صفحة، رفع إلى الكونغرس أواخر 2001، يتعلق بإيقاف، أو استجواب، هؤلاء الجواسيس الإسرائيليين. وبينت الخارطة التي نشرها الموقع أن المدن والضواحي التي كان يقيم فيها رؤساء خلايا شبكة التجسس الإسرائيلية (الذين أورد الموقع أسماءهم) هي كلها تقريبا نفس المدن والضواحي التي كان يقيم فيها منفذو الهجمات. بل إن حوالي عشرة من هؤلاء الجواسيس قد أقاموا في الشارع ذاته الذي كان يقيم فيه محمد عطا في مدينة هوليوود-فلوريدا. (لا علاقة لها بـ’هوليوود’ الإنتاح السينمائي في لوس أنجلوس) وقد ألقي القبض على هؤلاء الجواسيس الإسرائيليين قبل وقوع الهجمات. كما ألقي القبض يوم 11 أيلول بالذات في برنغن كاونتي بولاية نيوجرسي على خمسة إسرائيليين ارتاب المارة في أمرهم لأنهم كانوا يهرجون ويتراقصون بعيد وقوع الهجمات!!! بل إنه ألقي القبض، بعد 11 أيلول بأسابيع قليلة، على حوالي ستين جاسوسا إسرائيليا آخر. وبالطبع تم ترحيل الجميع وأبقيت القضية طي الكتمان.

هل يعقل أن يكون وجود حوالي مائتي جاسوس إسرائيلي مدة أسابيع في نفس أماكن وجود منفذي هجمات 11 أيلول مجرد مصادفة؟ أليست هذه القرائن الظرفية كافية للتساؤل عما إذا كانت الاستخبارات الإسرائيلية على علم ما، بدرجة ما، بما كانت تدبره القاعدة؟ وحتى لو لم تكن على علم، أفلم يكن في تحركات منفذي الهجمات طيلة تلك المدة ما يثير الشكوك ويدعو الإسرائيليين بالتالي إلى إبلاغ حلفائهم الأمريكيين؟ لماذا لم يبلغ الإسرائيليون الأمريكيين بأي شيء من هذه التحركات المريبة؟

معروف أمريكيا أن مجرد إثارة الأسئلة، ناهيك عن المجاهرة بالحقائق، حول إسرائيل هو بمثابة محاولة انتحارية. لهذا لم يكن مفاجئا أن تصاب فوكس بفقد الذاكرة وأن يتبعها الإعلام الأمريكي في ‘عدم العلم’ بشيء. أما الجرائد العالمية فلم يكن مسلكها مشرفا هي الأخرى، حيث لم تجرؤ أي منها على التطرق للمسألة آنذاك، إلا جريدة لوموند التي وصفت ما قامت به هذه الشبكة عام 2001 بأنه ‘أكبر عملية تجسس إسرائيلية في أمريكا منذ عام 1986’، في إشارة إلى تاريخ القبض على الجاسوس الشهير جوناثان بولارد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية