القذافي وارهاصات النظرية العالمية الثالثة وإعادة اختراع الكهرباء!

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم دياب

من المفترض حين يتطرق كاتب إلى جزء من تجربته الشخصية لتفسير زاوية من زوايا تطورات وأحداث جرت هنا وهناك، عليه عدم خلط الشخصي بالعام، ولا الذاتي بالموضوعى، من أجل أن يتمكن من إضاءة مساحات معتمة من الذاكرة التاريخية؛ إما بفعل قوة السلطة، أو إغراء المال، أو اتقاء البطش، وشاءت الظروف أن أكون على درجة من التماس مع ثورة الضباط الوحدويين الأحرار الليبية بعد شهور قليلة من يوم الأول من ايلول/سبتمبر 1969، وتحديدا في كانون الاول/ديسمبر من نفس العام. وقتها زار القاهرة وفد من الشباب الليبي للاطلاع على تجربة منظمة الشباب الاشتراكي في مصر، وكانت من التجارب التي شدت الأنظار وأثرت كثيرا في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية المصرية. وكانت الأوضاع في ليبيا قد شغلت حيزا من تفكيري قبل ثورة الضباط الأحرار بقليل. وكان ذلك من خلال ما كنا نعلمه من الشباب الليبي الدارس في الجامعات المصرية، ومنهم الصديق والأخ الدبلوماسي المخضرم محمد المغربي، وكان رئيسا لاتحاد الطلبة الليبيين بالإسكندرية أنذاك. وتعرفت على وجه آخر أثناء مشاركتي في مؤتمر الطلبة الفلسطينيين (عَمّان في آب/أغسطس 1969)، عن طريق الناشط الماركسي جمعة الفرجاني، وكان شديد السخط على مصر بسبب عدم تمكنه من الدراسة فيها، فذهب للدراسة في موسكو.

كان احتفاؤنا بوفد الثورة الليبية كبيرا؛ خاصة أن مصر كانت وقتها في حرب استنزاف مع العدو الصهيوني، وتعمل على تعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية وتأمين جبهتها الغربية من ناحية ليبيا، وفيها أكبر قاعدتين أمريكية وبريطانية خارج بلديهما؛ قاعدة ‘هويلس’ في الغرب بضواحي طرابلس، وقاعدة ‘العظم’ في شرقها بجوار طبرق، القريبة من الحدود المصرية، وكان أي تغيير في ليبيا يعني تخفيف ضغط هاتين القاعدتين على عصب مصر الوطني؛ وهي في معمعة صراع الحديد والنار مع العدو الصهيوني في تلك الحقبة.

لم تكن الأمة العربية قد خارت قواها رغم هزيمة 1967. واطلع الوفد الشبابي الليبي علي تفاصيل تجربة الشباب المصري وتطوراتها وأسرارها، وزار جبهة المواجهة مع العدو، ورأى عن قرب ‘كتائب خدمة الجبهة’ وغيرها، وقتها تعرفت على ‘علي فضيل’ من الجناح المدني لثورة سبتمبر، وكان آخر موقع شغله في حدود معرفتي هو مدير مكتب الرائد عبدالسلام جلود في رئاسة الوزراء وفي أمانة مؤتمر الشعب العام. وحصل الوفد على الوثائق والمشروعات والبرامج الخاصة بالإعداد السياسي والعسكري للشباب المصري؛ جُمعت في مجلدات لتكون مرجعا تحت تصرف الثوار، مع استعداد لإرسال خبراء ومختصين في ذلك المجال وغيره من المجالات الأخرى متى طلب الثوار ذلك.

وفي صيف 1972 تسلمت دعوة لزيارة ليبيا لإلقاء محاضرة والالتقاء بشباب معسكر ‘الكراريم’.. القريب من مدينة مصراتة، في تجربة جمعت الشباب الليبي بأشقائه من شباب العرب، وقضيت أسبوعين عدت بعدهما إلى القاهرة، وبعد شهور معدودة كنت ضمن فريق من الأكاديميين والخبراء والإعلاميين والصحافيين معارا لليبيا بناء على طلب الجهات المعنية فيها، وعملت في مركز للدراسات والبحوث كان تابعا لوزارة الإعلام، ثم انتقلت إلى الإذاعتين المرئية والمسموعة، وانتهت فترة عملي مستشارا في أمانة الشؤون الخارجية للاتحاد الاشتراكي العربي الليبي قبل إلغائه. وأتاح عملي في ليبيا فرصة التعرف على سلوك وطريقة تفكير القذافي ونظرته إلى الليبيين والعرب والعالم.

فور وصولى إلى طرابلس دعيت لحضور اجتماع مع صحافيين وإعلاميين في حضرة القذافي، وخرجت منه قلقا، واحتفظت بقلقي لنفسي، وكانت القضية المحورية في الاجتماع عن دور الإعلام والصحافة في خدمة الثورة، وأذكر أنني قلت أن الثورة حين تقوم لا تملك كوادر صحافية وإعلامية كافية للتعبير عنها، وعلاج هذا النقص يحتاج العمل على مسارين؛ إحداهما قصير الأجل لتأهيل المخضرمين من الصحافيين والإعلاميين كي يتعرفوا على الثورة وأهدافها ومشروعها للتغيير، فيتمكنون من التعبير عنها ولو بالحد الأدنى. والمسار الثاني طويل المدى؛ مهمته إعداد جيل جديد من الصحافيين والإعلاميين مؤمن بالثورة ومؤيد لها، وهذا يحتاج إلى وقت، من الممكن تعويضه بصحافيين وإعلاميين عرب يعملون في ليبيا.

كلام لم يَرُق للعقيد القذافي، ورد قائلا ما معناه أن من يعمل ويحصل على مقابل أو أجر ملزم بالدفاع عن الثورة، وكان هذا الرد هو مصدر قلقي بسبب ربط خدمة الثورة بالمال، وإذا صدق هذا مع مهن عملية وتطبيقية فلا يصدق في مجالات الإعلام والفكر والثقافة، والمال قد يوفر للإنسان حياة مكتفية لكنه لا يكفي لتغيير الأفكار والمبادئ؛ والأمر أكثر تعقيدا من تصور العقيد القذافي، وبدأت صورة البراءة التي انطبعت في ذهني عن ثورة الضباط الوحدويين الأحرار تصاب ببعض الاهتزاز، وإن كانت الصورة لم تهتز بالكامل بسبب زملاء للقذافي شاركوه الثورة، وظلوا على بساطتهم وانضباطهم؛ مثل أبو بكر يونس آخر قائد للقوات المسلحة الليبية حتى ثورة 17 شباط/فبراير ببساطته وكرمه، ومصطفى الخروبي بصمته وتدينه، وعبد السلام جلود المحب للحياة وأهم رئيس وزراء فيما بعد 1969، وعمر المحيشي أول المتمردين على معمر القذافي وتميز بالاطلاع والاهتمام بالبحث العلمي، وأقرب إلى فكر حركة القوميين العرب. أما بشير هوادي فكان أقرب إلى الدراويش ورجال الطرق الصوفية، وروح القبيلة لديه غالبة، وكانت اهتمام الخويلدي الحميدي بالأمن هو الأساس، وهو من طراز خاص، يبدو غير متحمس لعروبة ليبيا.

والآخرون من أعضاء مجلس قيادة الثورة منهم محمد المقريف الذي قتل مبكرا في حادث غامض ولم أتعرف عليه، وعبد المنعم الهوني شغلته العلاقات الخارجية ولم ألتق به إلا من سنوات في لندن بصحبة الأخ العزيز محمد زيان المحامي الوطني الليبي المعروف، المقيم بين مصر وبريطانيا. أما محمد نجم ومختار القروي فكان وجودهما دائما في المنطقة الشرقية بالقرب من بنغازي بعيدا عن طرابلس. وعلى ما أذكر كان مصدر الارتياح لأبو بكر يونس أنه حين تدخل بيته تجده في حضرة شعراء وأدباء ومفكرين وعلماء من كافة الاتجاهات، وفي بيته تعرفت على الشاعر العراقي مظفر النواب والمفكر السوداني المرحوم بابكر كرار، ومفكر سوداني آخر هو ناصر السِّيد، ولم يتخل أبو بكر يونس عن عاداته العربية مع ضيوفه؛ يخدمهم بنفسه على مائدة الطعام، وكان رئيسا للأركان وقتها يمكنه الاستعانة بمن يشاء من جنود وضباط أدنى وظيفة ورتبة لكنه يأبى.

وأثناء الإرهاصات التي سبقت ظهور النظرية العالمية الثالثة والكتاب الأخضر؛ اتصل بي مفكر فلسطيني معرووف كي نلتقي للأهمية، وكان ذلك في 1973 قبل حرب 1973 وبعد الانقلاب الذي قام به القذافي ضد زملائه من مدينة ‘زوارة’ بالقرب من الحدود التونسية، واستولى به وحده على الحكم، وفي خطاب له هناك أعلن نقاطا خمسا ألغى بها القوانين والدستور وهياكل الدولة وبدأ ‘ثورة ثقافية’ كانت بداية العنف المفرط ضد المواطنين، وكانت علاقتي بذلك المفكر الفلسطيني، الذي رحل عنا منذ سنوات قليلة، قديمة وثقتي به عالية، ولفت نظري أن اللقاء تم على شاطئ البحر في طرابلس، ودار الحديث في الهواء الطلق، فأدركت أن الرجل يتجنب الأماكن المغلقة ربما تحسبا وحرصا من المتابعات الأمنية، المهم أن الحديث دار حول فكرة النظرية العالمية الثالثة، وطلب مني المشاركة في إنضاجها وبلورتها، وشرح بالتفصيل فكرته وهدفه من هذه المشاركة، وكان يراها تحافظ على بقاء القذافي في دائرة العروبة، قلقا من جماعات تلتف حوله تعمل على إخراجه منها، ورأى أن ذلك لو تم خسارة كبيرة.

لخصت له رأيي مستشهدا بما قاله الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل؛ حين سمع بنية القذافي إصدار نظرية ثالثة، فعلق بما معناه.. أن النظرية الثالثة موجودة فيما يعرف بالطريق الثالث، وسار عليه عبد الناصر وعدد من زعماء التحرر الوطني والقومي، ونسب إليه وقتها قوله: ‘إذا كان غيرنا قد اخترع الكهرباء فلماذا نعيد اختراعها من جديد’، ومن يومها وُضِع هيكل على قائمة القذافي غير المرغوب فيهم في ليبيا. وقلت للمفكر الفلسطيني إن رأيه مبني على حسن نية كبير، وهناك بوادر تشي بأمور أخرى.. فالقذافي يتنصل من إرث عبد الناصر، بوحي من صديقه الأديب الصادق النيهوم، وبدأ في تسفيهه، وردا على محررة ‘الباري ماتش’ لما سألته عن مثله الأعلى، قال لها أنه لا يتخذ من أحد مثلا أعلى، وحين لاحقته بسؤال آخر؛ وماذا عن جمال عبد الناصر؟ قال لها إنه كان قائدا للأمة العربية أما هو ‘قائد عالمي’ والمعنى واضح.. أنه أكبر من عبد الناصر. وكانت إذاعاته المرئية والمسموعة لا تتوقف عن بث خطابات الزعيم العربي الكبير وأحاديثه، وكانت وجهة نظري وقتها أنها وسيلة استقطاب لأحباء عبد الناصر وعشاقه، ونكاية في أنور السادات بعد أن دب الخلاف بين القذافي وبينه. قلت للمفكر الفلسطيني إن الرجل غير طبيعي، ونرجسيته واضحة، والتعامل معه تحفه المخاطر، وتقلبه يستوجب الحذر والحيطة بدلا من الاندفاع والاستعجال، وثبت فيما بعد أن ما صدر عنه من كتب في الغرب أكد هذه النزعة لديه، وقد وضعته الكاتبة الإيطالية ميريلا بيانكو في مكانة الرسل في كتابها ‘القذافي رسول الصحراء’، وكذا تبنيه فرقة أبناء الله الأمريكية وتأليفه الأغاني لها ومشاركتها الأداء. بدا القذافي وكأنه من طراز خاص ‘فوق بشري’، متصورا أنه أكبر من أي شخص، وأهم من أي زعيم، وفوق الأمة، حتى لو كانت بحجم الأمة العربية.. فتعالى على الشعب واحتقر الناس، وتدنى بمكانة الأمة وقلل من شأنها حتى أعلن إنسلاخه عنها. وما زال بالجعبة حكايات وأسرار نستكملها معكم بإذن الله.’ كاتب من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية