محمد علي اليوسفي ما إن تنطق باسم تونس حتى يعيده إليك الآخرون مع بريق في العيون. كأنما هي زهرة لا تكشف عن بتلاتها ولا عن أريجها. فالاسم وحده لا يُشبع ولا يروي، لأن بريقها في العيون لا يخلو من تساؤل ودهشة. تونس بلد ‘منفتح’… والكثيرون لا يعرفون عنه الشيء الكثير إلا ما جمعت شتاته المصادفات والذاكرة.
كان ذلك منذ عقود حين كانت تونس منعزلة إراديًّا عن سياقها العربي في المشرق على وجه الخصوص. وحتى عندما حاولتُ السفر إلى المشرق، آنذاك، عبر البوابة الليبية كآخر نقطة في المغرب العربي، كانت كل سفارة ترفض جواز السفر التونسي، ابتداء من رد مصر، ثم لبنان: ‘كيف تريد السفر إلى بلادنا، وبلادكم لا تعترف بنا؟ ‘كنت أعود لأنغلق على يأسي، أنا القادم من بلد موصد دون الشرق، معتقدا في البداية أن ما كتب على جواز السفر التونسي غير ذي أهمية: ‘يسمح به للسفر إلى أوروبا وبلدان المغرب العربي فقط’. وحدها الدول ذات الإيديولوجيا القومية سوف تستقبلنا من دون اعتراف آبائنا بخروجنا للنزهة أو الدراسة: سورية والعراق!
وهناك سوف يسألك الكثيرون عن تفاصيل مضحكة حول تونس التي يجهلون. ولعلي نسيت كل تلك الأسئلة إلا سؤال عجوز في ريف درعا كانت أمام خيمتها وبعض دجاجاتها ومعزاتها: يا ابني؛ هل عندكم مثل هذا الدجاج والماعز في تونس؟
وهل لنا غير الماعز؛ عدوّ الشعب التونسي رقم واحد حتى قبل شعار العدو الامبريالي آنذاك، بحسب الزعيم بورقيبة؟
أما اليوم فقد سالت مياه كثيرة، بل دماء كثيرة، بين سيدي بوزيد ودرعا، بين تونس ودمشق. وسبقت ذلك عقود من الانفتاح التدريجي الذي لم يؤسس لأي علاقة استراتيجية جادة باستثاء اجتماعات ‘ اللجنة العليا المشتركة’ التي اشترطت ذات دورة ومن الجانب التونسي- مصادرة كتاب ‘ صديقنا الجنرال بن علي’ بعد أن نشرت دار سورية ترجمته العربية ووزع في الأسواق، وإلا فلا اجتماع! فتمت المصادرة. وكالعادة ارتفعت مبيعات الكتاب بسبب المنع!
كان السفر إلى الشرق جريمة في تونس ذات الأقفال، وها هوذا يكاد يشكل تهمة في الاتجاه المعاكس؛ فالجنسية التونسية باتت مثارا للريبة خصوصا في البلدان التي لاحت مُقْدِمة على مصير يشبه مصيرها: هبّة الشعب.
كان السؤال الذي يتردد حول تونس هو ذلك الصيت الذي لا يصل منه شيء إلى دول الــ ‘ هناك’ إلا بالقطّارة: مسرحية من هنا، وأغنية من هناك، بينما تسير العلاقات بكل أريحية باتجاه دول الغرب التي علّمنا بورقيبة ألا نقارن أنفسنا إلا بها، ولاحقا سوف يقولون لنا غداة انتفاضة الخبز: الخبز في تونس أرخص منه في إيطاليا!
غير أن تونس ذات الأقفال كانت كذلك حتى مع دول المغرب العربي؛ ومازالت كذلك عندما يتعلق الأمر بالتبادل الثقافي، إلى درجة أن ما ينشر في ليبيا أو الجزائر والمغرب بات يلوح أصعب منالاً مما يصدر في بيروت.
تونس التي كانت تخشى مطبوعات الشرق، غير الخليجية طبعا، كانت تتحسب لجرائد تعتبرها مصدراً للفتنة والانقسامات وبلابل الثورات. لكنّ الذين عملوا على إغلاق تلك ‘الطاقة’ ساهموا من حيث لا يدرون في فتح بوابة تعصف منها الزوابع!
ولا يعني ذلك أننا تخلصنا من عقلية الانغلاق الحذر: ما من مطبوعة تونسية استطاعت أن تغادر حدودها المحلية لتصير صوت تونس لدى العرب وصوت العرب في تونس. وفي عصر صارت الثقافة تتكلم فيه لغة العالم؛ هل يمكن التحدث عن مجلة ثقافية لا تنشر إلا للتونسيين، وجريدة تونسية لا تنشر إلا للهامش التونسي المبتذل مع تطعيمه بمقالات النسخ واللصق من المنابر العربية؟ ذلك ما تجاوزته بيروت عاصمة الثقافة الفعلية وليست الثقافة المهرجانية التي تتبناها اليونسكو فتفرخ بثقافة الهيمنة السلطوية دائما.
ويسألونك: من المفترض أن تلعب تونس دورا أهم من دور بيروت لقربها من أوروبا! فأبحث عن صيغة للإجابة الشافية؛ لكن من أين لها انفتاح بيروت، تونسنا ذات الأقفال السبعة التي صممها بورقيبة وصدّأها خليفته؟
فهل نبدأ بالحديث عن بداية سقوط الأقنعة وانكسار الأقفال؟
الإجابة أتت بها، بل قلْ: ستأتي بها المرحلة الأعمق من الثورة المرتبكة حتى الآن؛ مرحلة السؤال الثقافي الجاد الذي لم يُطرح في تونس حتى اليوم، وما زال يصعب حتى على العقول الخارجة حديثا من صدإ أقفال الماضي، أن تتعمق في السؤال متخلّصةً مما يتركه الصدأ في تلافيف الفكر وشغاف الروح!