العَقْد الضائع: منذ 11 ايلول الى اليوم

حجم الخط
0

صحف عبريةمثل مقتل كنيدي، ومثل مقتل رابين، ومثل نشوب حرب يوم الغفران حينما يحدث شيء ما غير متوقع جدا لا تستطيع أن تنسى أين كنت حينما علمت بنبأ تهاوي برجي التوائم قبل عشر سنين بالضبط في 11 ايلول 2001. بدا الامر هاذيا وكأنه صورة من فيلم أبله، أو كاميرا خفية، سيأتي بعدها صوت فكاهي يُبين انهم أرادوا فقط أن يروا رد فعلك. هذا كل شيء. لكن هذا الصوت لم يأت.

كان ذلك الوقت في البلاد ساعة بعد الظهر. وكان توم فريدمان من صحيفة ‘نيويورك تايمز’ يزور آنذاك البلاد وحدد معي لقاء في مكتبي ولم يأت. وعندما هاتفت سكرتيرتي لتستوضح أنه لم يقع خطأ في ساعة اللقاء، اعتذر واقترح أن اشاهد الـ ‘سي.

ان.

ان’ وما سوى ذلك تاريخ.

ليس جورج بوش وحده هو الذي لم يكن بين أذكى رؤساء بلاده هو الذي لم يفهم ماذا يحدث، واستمر في قراءة قصة للاولاد في الروضة التي زارها، فقد قام عالم كامل دهشا إزاء السهولة غير المحتملة لمس شديد بهذا القدر للقوة العظمى الوحيدة في العالم.

ضياع الأمنليس عدد الضحايا الكبير بل قابلية الولايات المتحدة للاصابة، التي كان يبدو حتى ذلك الحين أنها في المكان الأشد أمنا في العالم، هي العامل الرئيس في الزعزعة. والباعث الغامض ايضا: فثمة صاحب ملايين سعودي يقود جماعة غير كبيرة من الناس، وفريق منهم متعلم، لحرب غامضة هدفها إبعاد الامريكيين عن العالم العربي.

مثل شخص صحيح الجسم يصاب فجأة بذبحة دون انذار سابق. ويمر الشعور الصبياني الذي كان عنده حتى ذلك الحين ومؤداه ان هذا لن يحدث له، دون أن يرجع. لن يصبح أبدا الشخص السليم الجسم الواثق بنفسه كما كان قبل لحظة من الذبحة.

فقدت امريكا أمنها الذاتي في ذلك اليوم وأدرك العالم ذلك. وامريكا هي التي تتحدث بلا نهاية عن تهاوي القوة العظمى، فكتب تكتب ومقالات تنشر ولجان تتباحث في سؤال أيحدث هذا أم سيحدث في المستقبل، وكل هذا يؤثر تأثيره.

تُقسم العشرون سنة الاخيرة قسمين. في كانون الاول 1991 انتقض الاتحاد السوفييتي. وانشغلت روسيا بطلب البقاء في الداخل، وتركت قيادة العالم للولايات المتحدة التي أصبحت القوة العظمى الوحيدة في العالم التي لها قوة عسكرية عظيمة وموارد اقتصادية وخبرة سياسية كي تؤثر في المسارات في الكون لمصلحتها ومصلحة الجنس البشري.

لكن منذ 2001 حتى اليوم أصبحت تقوم علامة سؤال على العظمة الامريكية حينما شعرت الولايات المتحدة بالحاجة الى حماية نفسها قبل كل شيء. أصبحت مثل قلعة ضخمة ليس دخولها سهلا ولا لذيذا، والسلوك في داخلها ايضا غير منظم بقدر كبير.

إن التفتيشات في المطار، واجهزة الكشف عن المعادن، والفحص عن بطاقات الهوية كل ذلك ولد آنذاك في ذلك الصباح المر. وثم صناعة ضخمة تكلف مئات المليارات ترتاب وتمول وتفحص وتحقق. عالم ‘حماية الوطن’ الذي يبدو أنه أُخذ من القرن الماضي واندفع الى عالمنا على أيدي من أرادوا اعادة العالم الى العصور الوسطى.

فشل أم نجاحوكما كانت الحال دائما فان أفضل دفاع هو الهجوم. واذا لم نعلم أين نهاجم نهاجم أين أمكن. وبدل العمل بواسطة وكالة الاستخبارات المركزية وقوات خاصة لتحديد مواقع قادة القاعدة، استقر رأي بوش على حربين على العراق وعلى افغانستان.

بدل العمل على نحو محدود واستعمال القوة بواسطة حصر العناية في أهداف دقيقة، فضل بوش أن يُدخل في المعركة آلاف الجنود الامريكيين. هُزم العراق واعتُقل صدام وأُعدم، وما تزال افغانستان حتى الآن في حرب متواصلة مع قوات طالبان.

ستخرج امريكا في المستقبل القريب من هاتين الدولتين ومن شبه المؤكد أن الفراغ الذي ستخلفه ستملؤه ايران وتوابعها. فاذا نظرنا الآن نرى ان حروب بوش التي لم تكن حاجة اليها خدمت نظام آيات الله أكثر من كل شيء آخر.

قرر توم فريدمان الذي لا يُعد رجل يمين ولا مؤيدا لبوش بيقين، أن يؤيد بمقالته حرب العراق الثانية. وكتب فيها انه اذا ارتفع سعر برميل النفط نتيجة الحرب بعشرين دولارا فقط (كان سعره آنذاك 40 دولارا) فسيكون ذلك نصرا امريكيا واضحا، أما اذا بلغ سعر البرميل 60 دولارا فسيكون هزيمة.

يحب فريدمان أن يتسلى بالمؤشرات البسيطة. فحينما بلغ سعر برميل النفط 100 دولار سألته هل هُزمت امريكا. وفي تلك المرحلة احتاج الى مؤشرات أكثر تعقيدا لكنها هُزمت.

كانت الحرب نتيجة الحاجة المعروفة الى ‘صنع شيء ما’ أكثر من كونها حاجة الى احراز شيء ما، وكما لم يكن باعث المهاجمين في 11 ايلول واحدا لا لبس فيه كذلك كانت أهداف الحرب غير واضحة. أما استراتيجية الخروج فلم تكن موجودة. قُتل آلاف الجنود وجرح كثيرون آخرون. وأنفقت امريكا حتى الآن نحو تريليون دولار على كل ما يتصل بحروبها وما يزال الحبل على الجرار. وكل هذا جاء على حساب نفقة على تجديد البنى التحتية والتربية والمساعدة الخارجية. وسبب حدوث عجز ضخم في الميزانية يبلغ شفا فقدان القدرة على أخذ قروض اخرى مع خفض تدريج الاعتماد الامريكي.

اجل، وعد الرئيس اوباما في خطبه الانتخابية بقتل بن لادن ونجح في ذلك. قتل رمزا وأسهم اسهاما غير قليل بذلك في المس بالروح المعنوية للمخربين. لكن بن لادن لم يكن رأس الافعى ولهذا تستطيع الافعى الاستمرار في الوجود في صورة منظمات متطرفة لا تشمئز من الوسائل وستستمر في مكافحة الغرب والعلمانيين والحداثة وكل ما لا يشابه تصورها العام.

بعد عشر سنين ايضا يصعب ان نعلم ما الذي توقعه ابن لادن حينما اجتهد في تدبير الهجوم المنسق على الولايات المتحدة، فاذا كانت ارادته ابعاد الغرب عن الدول العربية فقد تم احراز العكس. لكن من يحاول ان يقول ان ابن لادن فشل سيكون بعيدا عن الحقيقة ايضا.

ان امريكا 2011 هي دولة أكثر خوفا وأضعف وذات اقتصاد أكثر هشاشة ومجال مناورتها في العالم أضيق، تجعل المقعد الخلفي هو المقعد الأحب اليها في حين تُمكّن جهات اخرى من القيادة.

انها دولة تضيق حقوق الانسان فيها لضمان سيطرة أفضل على عناصر قد تمس بها. ولم يعد الشعور الوطني كما كان ذات مرة بل ان سجن غوانتنامو الذي وعد اوباما باغلاقه بقي مفتوحا يستضيف غير قليل من المعتقلين.

قبل عشر سنين دخلت الولايات المتحدة نظام دولة في حرب من غير وجود عدو محدد. إن امريكا اليوم ما تزال القوة العظمى الوحيدة في العالم لانه لا منافس لها ولن يكون لها منافس ايضا في السنين القريبة. لكنها قوة عظمى جريحة ضعيفة نتيجة الشر والتطرف من جهة والردود غير الحكيمة لقيادتها من الجهة الاخرى. وحينما يبحث المؤرخون في بدء مسار ضعف العالم الجديد، سيضطرون الى الاعتراف بأن أكثر التواريخ صلة بذلك هو 11 ايلول 2001. اسرائيل اليوم 9/9/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية