ليس لدى الجنرال أوباما من يعارضه!

حجم الخط
0

عزت القمحاوي خطاب حرب ذلك الذي ألقاه أوباما أمام الكونغرس مساء الخميس (فجر الجمعة بتوقيت الشرق الأوسط). في ظاهره جاء الخطاب حربا على البطالة، من خلال قانون الوظائف الذي يطلب من الكونغرس تمريره، ولكن الحرب المضمرة والحقيقية في الآن نفسه التي شنها أوباما في هذا الخطاب هي الحرب على أي مرشح يمكن أن يتجرأ على منافسة هذا الخطيب المفوه.

ويبدو أن أوباما بات يحظى برضى الجمهوريين والأمريكيين معا؛ لقدرته على تخدير الرعية. ‘ليقل الداعية البليغ عديم النفع ما يريد ولنفعل ما نريد’ هذه هي الصيغة التي حكمت أداء مؤسسات السياسة الأمريكية طوال ثلاثة أرباع ولاية أوباما حتى الآن. والرجل الذي بدأ ولايته مثل مولانا ابن عربي ‘يدين بدين الحب’ أوشك أن ينهيها بتأجيج الصراع بين الحضارات والأديان، بإحياء القاعدة مجددا من خلال اغتيال أسامة بن لادن، بعد أن نسيه الزمان ونال منه برد الكهوف فجلس في بيت متواضع يتفرج على العالم من خلال تليفزيون قديم!

منذ تنصيبه اختفى أوباما الخطيب المفوه الذي أبهر الأمريكيين والعالم ببلاغته، وها هو يعود في خطاب الأمس بالحماسة التي افتقدها متابعوه لما يقرب من ثلاثة أعوام، وقد حول بحماسته الكونغرس الأمريكي إلى ضرب من مجلس شعب سوري، لم يختلف المشهد سوى بغياب قصائد المديح الحلمنتيشية التي يقاطع بها أعضاء البرلمان السوري بشار. لم ينقطع التصفيق بالقاعة منذ لحظة تجلي أوباما وحتى انصرافه، بينما تناوب الجمهوريون والديمقراطيون الوقوف إعجابا وحماسا بالرجل الذي اخــــتار أن يبدأ خطــــابه بالصيغة التي تبدأ بها خطابات الحرب: ‘الليلة نلتقي في وقت عصيب بالنسبة لبلدنا’ ولا بد لمن يستمع إلى هذا الاستهلال أن يتذكر الملك جورج، لحظة إعلانه قبول تحدي هتلر وخوض الحرب.

حرب أوباما المعلنة أقل خطورة من الحرب العالمية، هي ببساطة حرب ضد البطالة من خلال منح أصحاب الأعمال الصغيرة إعفاءت ضريبية كلما أقدموا على توظيف المزيد من العمال. الآن، والآن فقط يجب على الكونغرس أن يفعل ذلك، وقد طلب أوباما ذلك في خطابه بصيغة أمر ‘مرروا فاتورة هذا القانون’ خمس عشرة مرة، بترجيع شعري يجعل من الخطاب قصيدة يفتتح مقاطعها دائما بـ ‘مرروا’ وماذا غير الشعر يمكن أن يحقق الحشد والشحن المعنوي؟!

عاد أوباما إلى بلاغته، وإلى النبرة العالية لقائد في معركة. بعد أن كان ترك هذه النبرة في مكان ما ثلاث سنوات. والناس لا يتبعون قائدهم إلى الحرب ـ ضد البطالة أو ضد منافسيه ـ إلا إذا تم شحنهم بالتماسك كأمة واحدة يتهددها العالم ويجب أن تخرج من الحرب بوصفها الأمة المنتصرة والأعلى. ‘نحن أمريكيون’ يقولها أوباما مستغنيا عن الكثير مما يجب قوله عن القوة العظمى والأمة العظيمة. وقد كرر أوباما كلمة الأمريكيين ثلاث عشرة مرة، كما كان حظ كلمة ‘المستقبل’ من خطابه سبع مرات.’الأمة’ كررها أوباما تسع مرات في مقابل تسع مثلها لكلمة ‘العالم’. هي مصادفة غالبا، ولكنها مصادفة كاشفة بأكثر مما يمكن للتخطيط أن يكشف، وهذا لا يتعارض مع كون الخطاب مهندسا وموزونا بميزان الذهب. كلمة ‘الأمة’ ترد مقرونة إما بما يتهدد الأمة من أخطار أو بما يمكن أن تحقق من المعجزات.

والأخطار في خطاب الحرب هذا، ليس في طائرات القاعدة التي فجرت برجي التجارة، بل في سيارات الكوريين التي تجري في الشوارع الأمريكية وتخرج لسانها للمتعطلين. وإن لم يكن بالمقدور وقف غزو الكيا للأرض الأمريكية، فليرد الأمريكيون بهجومهم المضاد:’مثلما أرى أمريكيين يقودون كيا وهيونداي أريد أن أرى قريبا كوريون يقودون فورد وكرايسلر وشيفروليه’. وهذه الأمة الأمريكية تستطيع أن تجترح المعجزات ‘كان الرئيس كيندي يقول إن المشكلات يصنعها الإنسان، والإنسان أيضا من يضع حلولها، ويستطيع الإنسان أن يكون كبيرا بالقدر الذي يريده’. يستدعي أوباما لحظات المجد والتحدي مع كينيدي ولينكولن الذي لم تشغله الحرب عن مد الطرق وإنشاء المدارس. وهكذا تتماهى الأمة مع تاريخها ويتماهى أوباما مـــع أبراهـــام لينكولين الذي تصدى للانفصاليين محافظا على وجود الأمة وجون كينيدي الذي تصدى للروس في أسوأ لحظات الحرب الباردة، وكلاهما مات مقتولا. وها هو أوباما يتحدى غزو الصينيين والكوريين وإذا جاءه الموت لن يبالي: ‘يجب أن نعود بلدا للصناعة والإبداع والتعليم لكي نري العالم لم الولايات المتحدة الأمريكية رقم واحد ولم ستظل الرقم الواحد في العالم’. الغزو الأمريكي الجديد سيقوم به عمال محاربون عندما يعطون الفرصة للعمل، وسيكونون جنودا أبرارا مثل الجنود الذين يحاربون من أجل أمريكا وعندما يعودون يكون عليهم خوض حرب جديدة من أجل الحصول على فرصة عمل!

هذه تحية للجنود في حروب أمريكا العسكرية، ولم ينس الجنرال الذاهب إلى حرب الصناعة أن يسترضي كل الطوائف والحرف: المعلمون يجب أن يعودوا إلى مكانهم الطبيعي: الفصول، يعودون الآن وليس غدا، والمتقاعدون يجب أن نقول لهم شكرا من خلال قانون التأمين عليهم بعد أن دفعوا من أجل هذه اللحظة، والأبناء يجب أن ينعموا بمدارس يستحقونها.

نجح أوباما في حشد الأمة لحربه المعلنة، كما كان من السهل التأكد من نجاحه في حربه ضد من يجرؤ على منافسته في الانتخابات القادمة بعد أربعة عشر شهرا. كان نجاحه في هذه الحرب الأهم واضحا تماما على وجه مساعدته هيلاري كلينتون، الشاهد الأكثر حزنا في القاعة. هيلاري التي سبق أن رفعت الراية البيضاء علنا في حرب البلاغة مع أوباما أثناء حملة الانتخابات السابقة كانت تصوب إليه نظرات مشحونة بالحسد، ولم تصفق إلا تكلفا عندما تتأكد من شعاع الكاميرا على وجهها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية