قصة الحضارة:

حجم الخط
0

احمد عمر(مهداة الى ول ديورانت وشكيب ارسلان) خصمي، شرير قصتنا، ‘الفيليان’ بلغة السينما، شيطانها بلسان الدين، ‘رجل’ آلي مستطيل الشكل بارد الملامح، ليس في قلبه الحديدي رحمة ولا في ضميره الالكتروني رأفة؛ ، وهو خصيم مبين، ليس لي وحدي بل لزملائي محدودي الدخل و.. الحلم. رجل ليس فيه شيء من شيم الرجولة. أما بطل القصة التراجيدي، الذي عاد من رحلة آخر الشهر بلا جرة ذهبية أو حتى بخفي حنين، البطل الذي لا يمكن أن يرضى بغنيمة الإياب مثل امرئ القيس الذي كان ‘ممتد الدخل’ وابن ملك ويستطيع أن يلحق ‘بقيصرا’ ليورّد له الديمقراطية معلبة في دبابات رومية. ‘هيرو’ قصتنا كل أيامه أمر، ليس فيها أي خمر.. يحاول دراهم معدودات أو يموت قهرا فيعذرا.

المأسوة تبدأ برغبة ‘من يهمهم الأمر’ الذين يبدو أنهم عثروا على جواب سؤال النهضة: لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا! فقرروا قرارا وجاهيا لا يقبل الطعن عن طريق النقض أن يحرقوا المراحل وأن يدخلونا في عصر الحداثة بالعصا السحرية فحرقوا السفن من غير أن يكون بأيديهم سيوف يقاتلون بها، فأوعزوا بالتعاقد مع دولة من العالم الأول، فأوردت لنا، عدة مئات من آلات الصرف الصحي، عفوا المالي، وزرعتها في أحياء البلاد وأسواقها ووزعت بطاقات ممغنطة، لكل منها رقم سري يفتح ‘السمسم’ الموصد ويحرر الأجر الشهري أو الرصيد المالي أو الحوالة من القمقم. وبشرتنا بدخولنا في عصر الحداثة.. سيقول مارد التحديث غدا: شبيك لبيك أجرك الشهري المحدود بين يديك. سيسميه زميل ‘الدجال الآلي’، وسيسميه آخر ‘السراق’ الآلي لأنه يسرق من أجر كل ‘عميل’ ‘عمولة’ وله مثالب أخرى منها انه يحتفظ بالقطع النقدية الصغيرة التي تقل عن العشرين روبل ويدخرها إلى أن تستوي قطعة نقدية كبيرة تحت شمس الزمن. والموظف المغلول الدخل لا يتحمل أن يقام الحد على دخله مرتين، الأولى بالغرم والثانية بالتعزير. والصراف الآلي مجرم حقيقي لأنه أحال معتمدي الرواتب إلى المعاش أو التقاعد أو إلى وظائف لا يتقنونها، وحرمهم من القطع النقدية الصغيرة التي يتركها لهم الموظفون، حياء أو كرما، وسبب ذلك أن حوصلته تضيق بالقطع ‘الفكة’، ودرهم على درهم يجمع، وروبية على روبية تغني، و’كوبيك’ يسند جرة، وجرة العيش ثقيلة مع دخل محدود ومهدود ومكدود ومنكود. بالمختصر المضرّ: أنه مرابي مقنع؟ السؤال الذي ‘يضرب’ نفسه: لمَ كل هذا الحقد والعداء لفرانكشتين آلي مسكين يبرمجه ولي أمره و.. أمرنا!

الجواب في بقية القصة: سابقا كنت استلم اجري من موظف نسميه معتمد الأجور. لم أكن ‘انزل’ إلى المدينة سوى في السنة مرة مثل ضيوف أغنية فيروز(بعض الناس يستخدمون فعل ‘اطلع’ إلى المدينة) إلا لعيادة طبيب أو لأعدى بمرض جديد! خاصة أن المدينة بعيدة، والسفر واعث ومكلف في طرقات وعرة سالكة بصعوبة، صيفا وشتاء، بثلوج أو من غيرها بعواصف أو من دونها. ولم أكن أتخيل إنني سأنزل إليها في شهر واحد سبع مرات.. ومن اجل فك رقبة أجري المرهون في قبضة الصراف الآلي الحديدية. عندما نزلت في اليوم الأول وقفت في الطابور الخرافي، الطويل.. وقد سألتني زوجتي بعد عودتي خائبا: كم كان طول القطار البشري يا يوليسيز؟

أجبت: هل تعرفين ما هو الأثر الإنساني على الأرض الذي يمكن أن يرى من صهوة القمر يا حبيبتي بنلوبي؟

فقالت على الفور: سور الصين العظيمفقلت: أصبحوا أثرين، سور الصين العظيم ورتل الصراف الآلي العظيم!! قالت: ولم تصفه بالعظيم يا سيد دون كيخوته دي لامنشاأجبت: سمعت مرة رئيس وزراء عدو سابق يقول: سأخاف من العرب عندما يقفون في الرتل بالدور. الوقوف بطابور الصراف مرابطة وجهاد في سبيل الله! على رئيس وزراء العدو السابق أن يخاف.. هاهو طابور عربي مستقيم ‘لا ترى فيه عوجا ولا أمتا’. فقالت: أظنك متفائلا أكثر من اللازم يا سيزيف بيك. قلت: وهل تشكين في ‘تفاؤمي’ أو في ‘تشاؤلي’ يا مدام زرقاء الغراب الاعصم؟ قالت: الصراف الآلي عادل ليس كالخباز البشري ظالم.. فهو لا يفرق بين ابن الست وابن الجارية، ولذلك استقام طابور التحديث؟

قلت: هذه هي الحداثة بعينها وأنفها.. لقد وصلنا يا هاجر.. نحن على قاب من تحرير القدس يا حفيدة صلاح الدين فزيديني دفئا في هذا الشتاء القارس زيديني. وبعد ثلاث ساعات مريرة، يتلكأ فيها الرتل المنتظر ويتلعثم بسبب جهل المرتلين بالحداثة وأبجدية التفاوض مع الآلة. والموظفون ناس بينهم المستقيم والمائل والعالم الجاهل والحليم والكليم والمريض.. والرجل الآلي يتكلم بكلام اخرس يظهر على الشاشة مثل ترجمة الأفلام: ادخل البطاقة.. ما هو المبلغ الذي تريد؟ ادخل الرقم السري.. فئات نقدية أخرى.. اللغة التي تريد استخدامها.. إنها متاهة حقيقة يا بروتس. أسعدتنا خوزقتك. مع السلامة.

وهذا العميل يطلب المساعدة وذاك يتهجى ‘مسمارية’ الصراف ويطلب الاتصال بصديق وذياّك يطلب مساعدة الجمهور وهذا يلقم الآلة رقمه السري بصوت عال وكأنه سيتبخر، وذاك يحاول إخفاء رقمه السري لكن كيف يمكن إخفاء رقم سري(الرقم السري المصرفي عورة اقتصادية) في كل هذا الزحام! وقد وصلت أخيرا إلى ‘خط النهاية’ الماراتوني وأطعمت الصراف بطاقتي حتى تستحِ عينه وأفضيت له بالرقم السري فخرج علي ساخطا بشتيمة تقول: حدث خطأ حسابي. أعدت إدخال البطاقة مرة ثانية وثالثة والرجل الآلي بقي ثابتا على موقفه! وتلك رجولة في هذا الزمن الذي تأكل فيه أنياب ‘المستعمرات الاستيطانية’ أرض القدس والضفة الغربية و.. قلبي يا فاطم، فإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي. الرقم السري صحيح يا سمسم بيك، فلو كان خاطئا لبلع الرجل الآلي المخلص بطاقتي فقد تمت ‘تربيته’ على هذا الأساس حتى لا يحتال عليه محتال إذا ما وقعت بيده بطاقة طائشة. فلكل بطاقة مفتاحان حتى تثمر، جسد البطاقة، وشرفها الرقمي الذي يضمره ولي أمر البطاقة. أخذت بطاقتي المطرودة من رحمة الصراف الآلي الحقير وأخذتها إلى المصرف أشكو إلى موظفيه سوء حظي وسوء معاملتي وهواني وقلة حيلتي، فتطوع موظف مشغول بدفع قطيع من ذباب الأرقام، اطلع على صحيفتي المالية ثم افهمني إني اقترفت ‘كبيرة’ من الكبائر المالية باستخدامي البطاقة ثلاث مرات!. فسألته عن كفارة هذه الكبيرة البائنة بينونة كبرى وعسى أن لا يحتاج الأمر إلى تيس مستعار فأفتى لي بأن كفارتها بسيطة وهي صوم يوم وليلة من غير اقتراب من جسد الآلة حتى يبرد حقدها علي! ولما سألته عن كفارة أخرى أخف، كأن يقوم هو بمسح الذنوب من صحيفة الآلة الرئيسة مقابل ‘اكرامية’، تشاغل بدفع ذباب الأرقام الطنان الذي هجم عليه من شق لا يرى في غيهب الكومبيوتر.

سحلت جثة خيبتي وعدت إلى فاطم وأولادها وكان من واجبي أن أعود غانما بغلة وافرة من الحاجات دونتها لي حرمي المصون من التراكم الامبريالي، على ‘ورقة مقواة’ لكن هيهات هيهات، وكل ماهو آت آت.

في اليوم الثالث، بعد أن انقضى أكثر من أربعين ساعة على الذنب، عدت وقد أملت في الغفران والثواب والعودة بالأجر، مع طلبات أخرى اضافتها حرمي المصون من الرأسمالية المتوحشة والناعمة كلتيهما، إلى ظهر الورقة المقواة، وتجولت سائحا سياحة إجبارية في عدة إحياء من المدينة واخترت صرافا آليا وسيما، تظهر عليه سيماء السماحة والكرم، والمتجلية في قصر طول الرتل المنتظر والذي لم يكن يزيد على ثلاثين أسيرا ومسكينا محصوري الدخل والأفق.. ثم سميت بالله واقتحمت العقبة.

وبعد مرور ساعات احقابية وصلت إلى حضرة الصراف الآلي وواجهته وجها لوجه، ودفعت ببطاقتي في شق الأمنيات المستجابة ولقمت الآلة تعويذة سمسم التي تفتح باب المغارة، في تلك اللحظة الخالدة، أو التي كادت أن تكون خالدة، حدث شيء لا على الباب ولا على الخاطر..!! لقد وقع النحس وانقطعت دماء الكهرباء عن شرايين الصراف المسكين فأصيب بالسكتة القلبية فتوقف عن الخفقان الذي كان قد بدأه وهو يحاول معالجة ألم بطاقتي الثكلى، لبث المزدحمون ساعة ثم انصرفوا إلى صرافات أحياء ميسورة تنعم بروح الكهرباء وريحانها، أما أنا فانتظرت تحرير رقبة بطاقتي الأسيرة لكن ‘النجاح لم يدرك طالبه’ يا أبا تمام الطائي.. بقيت رابضا ساعات مريرة أخرى ومربوطا إلى الآلة كالبعير إلى الوتد إلى أن هدني التعب وأنهكني البرد ورأيت النجوم في ‘ذل’ الظهر. استفتيت صديقا بهاتفي الجوال فقال لي أن البطاقة مهددة بالفقد بعد عودة الكهرباء ثم طمأنني بأن لا معنى ماليا لها من غير الرقم السري، يعني أفتى لي ‘بترك المرابطة على ‘الثغر’ على أن أعود غدا إلى المصرف الرئيس لتحرير البطاقة من ربقة الآلة، ففعلت ورميت بالورقة المقواة في سلة زبالة خالية تحفها الأوساخ كالسوار بالمعصم.. ولا نامت أعين الجبناء. عدت خائبا إلى ‘ملحوب’ الذي كان قد أقفر من أهله، فعرفت أنها تركت البيت اصفر، بلا تلويحة وداع، يعني: صرمتني ولم تجمل، وحردت خاطفة أولادي الأربعة إلى بيت أهلها ليس فرارا من قترة وجهي التي يمكن تحملها ولكن من حرقة البرد، إذا كان من المقرر أن اشتري وقودا أسوس به وحش البرد لكن في الشتاء ضيعت اللبن والوقود والكرامة.. والدم.

لم يعرف النوم سبيله إلى عيني. في صباح اليوم التالي أسرعت إلى المصرف وأنا استحث سائق الحافلة على غير عادتي، عدت إلى المفتي المالي المنكوب بطنين الأرقام السامة، وحكيت له حكاية بطاقتي السليبة، فطلب معرفة اسمي فأسميت له نفسي ووصفت له عنوان الصراف وأفضيت له برقمي السري فنبش بين أنقاض الأرقام، ثم ضرب أخماسا بأعشار قلب مقتل وتوقف متأسفا عن العمل: الكومبيوتر تجمد من الغيظ. انتظرت ‘عودة الروح’ إلى كاهن العصر المسمى بالكومبيوتر بعد أن أعاد إقلاعه.. بعد ساعة ونصف ودقيقتين استطاع مهندس الصيانة مداواة جروحه وبعثه من الموت المؤقت، وليته لم يصلحه فقد قال لي الموظف متأسفا بعد الدخول إلى حرم بياناتي المالية: صحيفتك المالية صفراء! يعني بالمختصر ‘المضر’: لقد وهب الصرّاف الآلي اجر ابن الجارية لابن حرام عابر بعد أن عادت إليه الروح.. يا بروتس!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية