حسن بنشليخةتتناول المخرجة، فيو ألضاغ Feo Aladag ، في أول إخراج سينمائي مطول لها ‘عندما نرحل When we Leave’ موضوعا مثيرا للجدل، يحفر عميقا في القوى الكامنة وراء الأسرة والمجتمع والتقاليد والحرية والإرادة وبطبيعة الحال الدين مادام الأمر يتعلق بأسرة مشرقية. تتمحور القصة حول امرأة في مقتبل العمر (اوماي) ولدت في ألمانيا لأسرة تركية. وبينما هي تنتظر في محطة للحافلات بالقرب من شقتها في برلين يطلق عليها شقيقها الرصاص في الرأس بأمر من عائلته لينهي حياتها. تندرج جريمة (اوماي)، الذي لعبته بمهارة فائقة الممثلة الألمانية، سيبل ككيلي Sibel Kekilli بما يعرف اليوم في أوروبا والعالم العربي-الإسلامي وربما العالم بأسره ب’القتل الشرف’. وسبب اغتيالها جاء نتيجة حفظ ماء الوجه وعرض الأسرة. حصل ذلك بعد أن هربت (اوماي) من اسطنبول من زوجها التركي العنيف ومن قران قهري لتعود إلى ألمانيا حيث تقيم أسرتها وتكتشف أن حالها لن يكون بأحسن. ويتبين لها لاحقا أن الأمل المنشود في تحقيق ذاتها تقتله قيم وتقاليد عائلتها ويتسبب لها في حالة ممزقة ويبدأ صراع مجنون مع الزمن والإرادة، ولك أن تتخيل ما دار في ذهن هذه المرأة سيما إذا كان الأمر يتعلق بمعضلة وصمة العار المزدوجة كامرأة وذات أصول مشرقية في نفس الوقت. هكذا يدرك المشاهد منذ البداية أن نهاية هذه الفتاة لا يمكن أن تكون إلا كارثية. وتستغل المخرجة داخل هذه الدراما العائلية قصة مؤثرة بعمق الجحيم وصورة جذابة وأداء رائع يشمل جميع أفراد أسرة البطلة بمن فيهم الأب والأم والأشقاء لتتحول شقتهم إلى مربض تحاك فيها المؤامرات. فالكل لم يعد يتحمل وزر (اوماي) والكل بدا يتصرف بطريقة قاسية عندما تأكد لهم أنهم أخفقوا في إقناعها بالرجوع إلى زوجها وأنها تحولت من مجرد ‘فتاة’ مطيعة قانتة متلقية إلى ‘إنسانة’ صاحبة قرار. ويزداد الوضع تأزما عندما يخرج الخبر عن دائرته ليطال الصديق والجار. فصديقة الأم تتوقف عن زيارتها لتناول الشاي معها، وخطوبة الطفلة الأصغر تفسخ، ويتحول الإخوة الآخرون في أعين أصدقائهم (من أصول تركية) إلى أناس عديم القيمة لأنهم، حسب الأصدقاء، يأوون ‘عاهرة ألمانية’ تلوث شرفهم. ويتضاعف عبئ المصيبة وتنزل بكل ثقلها على العائلة ولا تدع متسعا أو مجالا للاختلافات. وفي ظل هذا الجو المشحون والمعاد تضطر (اوماي) إلى مغادرة بيت الأهل لتنزل بملجأ للنساء للاحتماء به وتبحث لاحقا عن شقة سكنية لها ولابنها (سيم) في برلين.
ومن بين المشاهد التي تحز القلب حتى لقد تدمع منك العين والروح عندما تحاول (اوماي) استعادة الاتصال مع عائلتها يوم عيد الفطر بزيارتها المفاجئة وهي تحمل بعض الحلويات. يفتح الأب الباب وينظر إليها نظرة مثقلة بالقسوة والكراهية ويغلق الباب في وجهها. وفي نهاية المطاف يسافر الأب ليعود إلى قريته في تركيا ويلتقي بابيه. وفي منظر سينمائي رائع يجلس فيه الابن مع أبيه دون أن ينطق احدهما بكلمة واحدة، يتخيل لك أنك أمام مشهد من مشاهد ‘العراب’ حيث يرحل احد رجال العصابات من أمريكا إلى ايطاليا لإبداء الولاء للقبلية العنيفة المجرمة، ويطلب مسبقا مباركة الانتقام للتخلص من كل إهانة واستعادة شرف العائلة. سينما العولمة في ستار الواقعيةالفيلم قصة إنسانية واقعية حصلت بالفعل في ألمانيا في حق هاتون سوروشو، المرأة ذات الأصول التركية ولاشك أن المخرجة تأمل أن يستفيد الجميع من مرارة هذا الحدث. لكننا نشك في حسن نية المخرجة ونعتبر فيلمها دعاية خبيثة، ليست بالأولى ولن تكون الأخيرة، للإساءة للدين الإسلامي. فالفيلم في نهاية المطاف يفـتقد الموضوعية و يقدم صورة نمطية تكونت في ذهنية أوروبا والغرب عموما عن المرأة العربية والمسلمة وتوظف مجددا بشكل سلبي في ‘سينما العولمة’ لتساير أهداف المنخرطات في الحركة النسائية الغربية والتسويق للحملة السياسية ضد الإسلام. وهذه الحركة تدعي تحرير المرأة لكنها في الحقيقة حركة انحرافية أغرقت المرأة في أوحال الجنس والسجال التافه. فالمخرجة وكاتبة السيناريو في آن واحد تحاول أن تقنعنا بان معاناة البطلة سببه أسرتين من طينة واحدة فرعها في السماء وجذورها متأصلة في الدين والتقاليد والعادات البائدة. إننا نعتز بالفعل بهذا الفيلم الذي يصور الظلم والمعاناة التي تتعرض له ليس فقط المرأة التركية ولكن المرأة المسلمة. إلا أن ما نعيب على الفيلم هو استعمال العدسة في ستار الواقعية لمعالجة موضوع اجتماعي محدود وفريد من نوعه لينشر الشبهة التعميمية ليطال كل المجتمعات الإسلامية ويضعها في قفص الاتهام. إذا كانت (اوماي) تعيش ‘الحصار’ من طرف أهلها باسم التقاليد فان المجتمع الألماني ‘يحاصر’ 4 مليون ونصف المليون من المسلمين المقيمين بألمانيا باسم الحداثة. وإذا أرادت منا المخرجة أن ننظر بعين الرأفة لما حصل للبطلة، ونحن معها على طول الخط، فيجب عليها أولا أن تنظر بعين الرحمة لما حصل لمروة الشربيني، المرأة الألمانية ذات الأصول المصرية التي تعيش في ألمانيا والذي صور فيها الفيلم. هل حركت المخرجة والحركات النسوية أي ساكن في واقعة مروة الشربيني، المرأة المسلمة الحامل والأم لطفل في الثالثة من عمره التي ذبحها آلماني عنصري متطرف 18 مرة بالسكين في قلب محكمة ألمانية؟ لماذا ارتأت المخرجة السفر بعيدا إلى تركيا لتعثر على قصة امرأة تتعرض للظلم والإهانة لتصورها؟ ألا يكفي ظلم مروة الشربيني لإنتاج فيلم عنها؟ لكن على ما يبدو، تفتقد هذه المخرجة، ومعها الحركة النسوية، إلى مثل هذه الحساسية. هكذا تتجاهل الجمعيات النسوية في ألمانيا والتي تريد رفع القيود عن المرأة المسلمة المعتدى عليها في بلدانها واقعة مروة الشربيني ربما لأن الحركة لا تتفق مع الحجاب وتعتبر لابساته خارج التاريخ. يجب إدانة الاعتداء على النساء أينما وكيفما حصل، ويجب احترام الحريات الشخصية والفردية في كل مكان مهما كان الاختلاف. إن حرمان بطلة الفيلم ‘حريتها’ على يد أهلها يعادل تماما تمرير القوانين التي تحظر اللباس الإسلامي على كافة النساء في كل فرنسا، أو على المدرسات المسلمات في ألمانيا واسبانيا واللائحة تطول. وما يفتقر له الفيلم في الأخير هو قانون الموازنة بين لائحة الاتهام وهيكل الأسرة، واهم من ذلك فهم الصراع الداخلي على أسس تاريخية وليس على قاعدة الدين أو التقاليد.
الاستخفاف بالآخريتميز الغرب في تعامله مع النساء كافة بالانحطاط في المستوى الآدمي. فأهل الشرق مثلا لا يأكلون لحم النساء بعد قتلهن كما يحصل في ألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول الأوروبية، ولا يبقرون بطن الحامل ويستخرجون أحشاء جنينها من بطنها لينشروها على الأسلاك كما يحصل في أمريكا. ولا تتعرض المرأة المسلمة وحدها إلى العنف والقتل والإهانة في ألمانيا بل يشمل ذلك المرأة الألمانية نفسها. وتضعنا آخر دراسة أجريت بإيعاز من وزارة الأسرة والمرأة الألمانية أمام نتائج تثير الفزع والشجون والألم. هذه الدراسة تثبت بالأرقام والحجج حجم الانتهاكات الصارخة التي تتعرض لها النساء في ألمانيا. وبطلة الفيلم ليست الوحيدة التي طلبت المواساة من ملجأ النساء بل 45 ألف امرأة ألمانية تحتمي ببيوت النساء سنويا هربا من عنف الزوج و52 في المائة من الألمانيات يتعرضن لاعتداءات جسدية أو جنسية على يد شريك حياتهن. وحتى في أمريكا، رأس هرم الحضارة، تتعرض 6 ملايين زوجة للضرب القاتل كل عام وتموت أكثر من 400 زوجة كل سنة، 65 بالمائة منهن قتلا بالرصاص على يد الزوج. وللوقوف على حجم ظاهرة العنف ضد النساء في ألمانيا وأشكالها المختلفة يجب الاستفادة من تقارير الأكاديمية راحيل فولتز المتحدثة باسم مركز ‘عالم المرأة’ التي توضح أن ظاهرة الاعتداء على المرأة في ألمانيا باتت تمثل ‘حالة طوارئ وطنية’ بسبب العنف المنزلي. كما تشير إلى أن مابين 95 ألف و 130 ألف امرأة تتعرض إلى الاغتصاب سنويا في ألمانيا وحدها وبذلك تحتل المرتبة الثامنة عالميا من بين الدول الخطيرة على المرأة! ولا يزال دافع ‘الشرف’ يستخدم لاضطهاد المرأة إلى يومنا هذا في ايطاليا.
لا أحد يمكن أن ينكر أن المرأة العربية-المسلمة تعاني من التمييز الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي ويجب أن تدينه المبادئ والأخلاق، وتصوره سينما تدعو لإزالة كافة أشكال التمييز والعنف لكن بروح عادلة ونزيهة وخالية من الاستفزاز والاستخفاف بثقافة الآخر واحتقار قيمه واتهامه بالتعصب والانغلاق ومن دون استصدار الأحكام لغرض تعميم موجة العداء وتأجيج أجواءها كمدخـل للاحتلال (أفغانستان نموذجا). الحقيقة هي أننا أمام نوع من الإخراج السينمائي يصلح عليه تسمية ‘سينما الخداع’ الذي يريد التأثير في مفاصل صناعة القرار الفكري والثقافي والسياسي الذي لا يؤمن بالتنوع ويتعصب لتراثه الحضاري لتبرير الكراهية ضد الإسلام وبالتالي التعاطف مع الحروب المدمرة التي يشنها الغرب ضد الشرق.*مخرج وناقد سينمائي من المغرب[email protected]