ورود الموسوي ‘الشاعر الجاد هو الذي تنمو تجربته على مراحل داخل نصه وهو الذي يختار لغته الخاصة به بمفردات وعوالم ينطبع بها ويُعرف بها فتنمو وتتصاعد داخله اولاً ومن ثم يحيلها شعراً’ بتصرف عن الشاعر الناقد الدكتور علي جعفر العلاق.من هذا المنطلق فالمتابع لتجربة الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان يجدها تنمو وتتصاعد عاماً بعد آخر بنضج واضح في المفردة والنص والأداء وكأن دواوينها تكمّل بعضها الآخر بسلسلة واحدة وقفزات صحيّة لا تُشبه تلك القفزات التي تخلق فراغاً مما يخلق تشوَهاً داخل التجربة ! فالشاعرة تكتب قصيدتها بوعي جاد بالشعر وبالمفردة وببداية النص ونهايته وما بينهما ..كي لا يضيع القارئ في حشو لا معنى له .. وأيضاً هي ترسم له طريقاً كي يتبعها بجدارة .. تعرف جيداً كيف تُمسك يد القارئ كي لا يضيع وتنتقل به من زهرةٍ لأخرى دونما ملل … حتى وكأنها كلما ختمت ديواناً ابتدأت من حيث ما اختتمت به … وهذا ما أراه تحديداً في ديوانيها الأخيرين ‘ما يفوق الوصف’ و’رشق الغزال’ الصادر هذا الصيف 2011 بطبعة خاصة كما كل دواوينها السابقة.في آخر سطر من ديوان ‘ما يفوق الوصف’ ختمت سوزان رحلتها بــ:يا طيور اطلقيني وها هي تأتي لتخط في داخل الغلاف (كلمات من الشعر النبطي) لتقول ‘نبتدي .. اليوم نبتدي .. غصب نبتدي ..’ وكأنها مواويل النازلين الى البحر في رحلة أخرى باحثين عمّا يُخبئه لهم البحر بأسراره ومفاجأته لتُصبح البداية هي البحر والبحر هو الحب الذي لا ندري ماذا يُخبئ للعاشقين بين ثيابه… فسوزان عليوان في ‘رشْق الغزال’ وكما أخيه ‘ما يفوق الوصف’ تعيد للحب كبرياءه من كل مَن أهانوه وجعلوا منه مطيّة غرائز ولم يرتفعوا بأرواحهم لأسمى معانيه .. فكأنها العادل الوحيد الذي يحاول تعديل كفّة الميزان بنفض الغبار مما علُق من (وسَخٍ) رماه الآخرون على وجه هذا الملاك النقي (الحب) وليتحوّل الحبيب فيه كما الأساطير فتنهج نهج كبار الشعراء حين يحوّلون قصة صغيرة على الأرض ويرمّزونها بتمّوز وعشتار رمز النماء والخصب والعشق الأبدي محاولين إيجاد العلائق المشتركة بين واقع البشر والآلهة.. هكذا هي سوزان حين تحوّل رحلة الحب بمفهومه الأوسع لعالم يُشبه الأساطير ليتماهى فيه وجه الحبيب فيستحيلان وجهاً واحداً فلا يعود ثمة فرق بينهما فكلاهما رمز نلهث وراء تفاصيله .. فيستحيل كل ما هو واقعي لخيال وكل خيال قد يكون واقعاً وبهذا تحقق الشاعرة تماهيها ايضاً مع الأساطير فيتحول الحب / الحبيب لرمز النماء والعطاء القليل الفَرِح والكثير المواجع .. لكنه يظلُّ وجهاً يلوح لنا من بعيد كلما اقتربنا منه لتبيّن ملامحه لا نرى منه سوى تفاصيلَ رجلٍ مهيب .. يملأ الكون بعين محبوبته وكأنه يلبسُ معطف تمّوز وكأنها عشتار التي ما زالت بانتظاره رغم الفصول التي أضاعته … منه تبدأ وفيه تنتهي:من خاتمة الخيالمن مآل النفق الى نقطة انطلاقهمن زوال رغبتي في حوار أو حصادمن زهر الليمون وتيجانه المداسةمن خفة فراشة على قبر سحيقبنداء الهاوية أبدأ حياتيكمن يموتمبتسمالا لشيءسوى أنه أحبّ وسامح وحلَّقَبلا رايةٍمع النسور. ديوان (رشق الغزال) والذي يتبين لنا من عنوانه الذي يدل عليه معنى النص الداخلي دون أن يكون له وجود داخل النص .. أنه عنوانٌ يفتح باب التأويل فكما جاء في لسان العرب عن الرَّشْق: الرّشقُ الرمي، والإرشاقُ إحداد النظر .. وأرشَقتِ المرأةُ والمهاة ,, والمُرشِقُ من الظّباء التي تمدّ عنُقها وتنظر فهي أحسن ما تكون والمُرشقُ من النساء والظباء ايضاً هي التي معها ولدها وقيل الإرشاق امتداد أعناقها وانتصابُها…الخما يجعلنا نطيل النظر في هذا التفاعل الحي بين اللغة العربية وبين إيصال المعنى .. إذ لم يعد في وقتنا الحاضر مَن يعتني بسلامة معنى مبناه فالعناوين بدأت تظهر لنا على شكل (موضات) بعناوين أطول من الغلاف .. نجد سوزان عليوان ترمي لوضع حجرها الذي أسسته وبنت بنيانها الصلب فوقه .. لتضع ماسةً جديدة في بيتها الشعري .. هذا العنوان يحمل داخل محتواه الكثير من معنى المضمون فثمة انعتاق لأعلى وانطلاق للحب من أقفاص كبيرة .. وهي ترمي ايضاً بسهام الذاكرة لتؤثث منها بيتاً من حروف وورق .. وتنطلق برحلة السؤال مادّة يدها لنتبعها دون عناء بتقصّي حقيقة الرحلة.فن الرحلة داخل الشعر:لولا وجهكالعالم عقابيخط الخيبة أطول من الرحلةأن تقرأ سوزان عليوان لابدّ أن تتمتع بذائقة عالية كي تتذوق كل حرف وسطر وجملة … ولابد أن تكون ذا حسِّ عالٍ بالمفردة التي تختارها سوزان كي تقرأ النص دونما عجالة ودونما أن تبخسه حقه، لذلك قراءةٌ واحدة لا تكفي لشاعرة تختزل الحياة ببضعة سطور .. ولشدّ ما استوقفني في تجربتها الفريدة بناؤها التصاعدي للنص والذي يبدأ من نقطة مبهمة لدى القارئ ليقع نهاية النص في فخ الإيضاح لكل ما مر ..وليكتشف انه أمام نصٍ ينغلقُ لينفتح وهذا سرٌّ من أسرار نصوص سوزان القائمة على الخفاء والتجلي ففي الخفاء توارب ولا تعطي معنى الحكاية فتقول:لست الترابكي أنتشي بعودة الجسدوليست الروح من حجرلأنحتها وأحرر حصاناوبعد بياض سطر يأتي التجلي لاستمرار الصورة أعلاه ..الى صهيلهداخل الصخرة العملاقةأصغيالعاشق إناءٌ فارغ. بهذه الروح تشكل موسيقى النص بتونات ترتفع وتنخفض حسب مراحل النص ومحطاته ففي ديوانيها الأخيرين ‘ما يفوق الوصف’ و ‘رشق الغزال’ اعتمدت فن الرحلة (المواربة) لو صح التعبير … هناك رحلة ومحطات تتشابك وتتصاعد الطرق فيها حتى تصل لنهاية مفتوحة كلها تفضي الى الحبيب الذي تماهى مع الحب فاستحال رمزاً:هي علاقة مفتوحة كجرحكالتي بين فأس وشجرة.وبهذا تفتح لنا باباً آخر.. فحين تكون الكتابة استرسالاً بلا عناوين فرعية تصبح رحلة طريق واحدة تتشعّب لكنها تظل جسداً واحداً وتحتاج قارئاً من طراز خاصّ ليفتح سرّ مغاليقها حيث أنها لا تمنحه مفاتيح محطاتها ..أو حتى لحظة توقفها أو بداية البداية بعد الاستراحة فتترك للمبحر معها لذة اكتشاف ما لم يكشفه النّص ليجسّ نبضه بذائقة العارف ويجوب معها حتى يعثر على وقفة :بك بقربيبمعطفكبشالك الأخضربقبعة من الصوف وقفازينبابتسامة لائمةعبثا أحاول إطالة اللحظةمثل ظل أو طريق.من هذه الطريق ننطلق مع الشاعرة في رحلة الغوص عن حب بلا قرار .. أو عن كبرياء حب .. او عن استعادات للماضي بمحاولة استمرارها .. فهي أشبه بمقامات المتصوفة وأحوالهم .. فتكون محطات الرحلة مقامات أحوال وانتقالات من حالٍ لمقام ومن مقام لحال وقد رصدت لها في ديوان ‘رشق الغزال’ ثلاثة مقامات بأحوالها فسميتُ الأول بـ مقام الانتظار وحال الذاكرة والمقام الثاني : مقام الذاكرة وحال الصدى والمقام الثالث ذاكرة القرب ومقام المقام .المقام الأول : مقام الانتظار وحال الذاكرة: حين يتوقف الزمن ويتجمّد لحظة .. تبدأ الذاكرة بخطّ صورها واحدة تلو الأخرى فيتجاذبها اليأس العارم والخيبة المطلقة لكنها لا تستسلم للخوف وظلامه فثمة ما ينفرج كلما استيأست الروح وعلّقت عينها بالسماء ليهطل المطر لتكون بداية الرحلة: أنتظركبأقصى ما يستطيعه يأسبأقل قدر من ظليأثق بالمطر.مقام الانتظار هذا مليءٌ بالتأمل ,, بالذاكرة والعودة الى الماضي الذي كان .. الذاكرة هنا تلعب لعبتها القاهرة .. بما تختزنه من تفاصيل .. تعبأها لتملأها استعادات لحوادث، شخوص، أماكن، مدن مرّت .. وحتى حالات وتساؤلات منحت نفسها السرّ بالبوح :أطفالي ليسوا لي صغارك أيضاوهل يعبأ نهربخاتم أو وريث؟في هذا المقام انتقالات وتحولات .. تعود حيث البداية أمام ذلك الشارع المكسو بشجر الكستناء .. تستعيد تفاصيل طفولتها وأيامها .. تنفتح نافذة لنطل على مشهد من الماضي تصافحه هي أولا ثم نصافحه بعدها تسامحه ونسامحه أيضا :كأنني لم أغادرفي الممر المشمساخوتي صغارضاحكين يركضونأمي صبيةعصبيةآسرةكتبيقواميسيوقارورة عطر نسيت اسمهعلى الرف العتيقحال الذاكرة هنا يلعب دور المؤشر ضد النسيان فهاهي الذاكرة تفتح لنا سراً آخر لتهمس بلغة العارف بالحب .. وتسكب كل ما في عالمها بين يديّ الحبيب الذي يظل طيفاً بعيداً أو نجماً يلوح في سماء بعيدة فيغدو نافذة فتحت لها كل هذا العمق الروحي فتعترف:لولاكَلما صهرني الألم أوراقاًلما أصبحتُكل هذه الكائنات الأليفة.المقام الثاني: مقام ذاكرة الذاكرة وحال الصدى ..في مقام ذاكرة الذاكرة وحال الصدى تُحيلنا الشاعرة لعشتار آلهة الحب والخصب التي ظلّت تصرخ وتتوسل بكل الإلهة أن يطلقوا تموز من أسره في العالم السفلي .. لكنها لا تحل محل عشتار بالبحث عن الخلاص لتموز ,, فتموزها في الأعالي .. وتريده أن يظل هناك كي تتخذه كما قمر فتناجيه أو كوكب في السماوات فينطلق صوتها لحظة المناجاة .. هذا الصوت المناجي يمكننا سماع بحّته لكثرة ما تعتق فيه النواح .. هذا الصوت الذي أتعبه صمته راح يصرخ بالمناجى / الحبيب ويهديه كل الألقاب الممكنة والقريبة من القلب كـ الصاحب وغيرها المنتقى لتتكرر النداءات بستة مقاطع مأهولة بالذاكرة والحنين والشوق (يا صاحبي، يا ياسمين، يا غزالاً، يا لغتي اليتيمة، يا طعم أوتاد في تنهيدة، يا محبرتي، يا سحر الصحراء، يا حنين الفضّة فيَّ، يا قبائل العشاق، يا ظمأ ظباء وسدرة المنتهى، يا سراب النواحي، يا معاركي الخاسرة، يا جرس مدرستي، يا طفولتي وعلبي، يا أغنيات الغربة، يا خزامى الغروب، يا مسك الختام): الى خلودي خذني …واحرسني هناكدونما مرثيةبحكاياتٍ بصوتك أحبهامع جثث مسجاةكبَسْطات باعة مفقودينوسط شوارعنا.قد يخيّل للقارئ أنّ الديوان يمكن أن يغفل الذاكرة ولو ببيتٍ أو سطرٍ أو ركنٍ أو زاوية فيه لكنه في كل صفحة وسطر وكلمة يرتطم بذاكرة لا تشيخ .. تعد التفاصيل واحدة تلو الأخرى .. وتصرخ كلما هزها الشوق أو كلما حاول النسيان سرقةَ مقطعٍ منها !هكذا يتصاعد صدى الذاكرة ويعيد حكايات الوجوه والأصوات والضحكات .. حتى تبلغ مداها فتكون الأسطورة:لك ما اخترت من درب خلوةوأطياف دخانولي درب التبانةوصبّارة صغيرةترتق ما يتلفه الدهربين الحنايا أربيها.هذه الصورة من جملة صور تحتاج لوقفة طويلة ,, حالة التجاذب بين اليأس والرجاء بين البعد والقرب بين الخيار واللا خيار … هذا ما يجعل الحب يتسامى ويعلو .. هنا ثمة عاشقة أسطورة .. تخبئ وجعها الذي يُشبه صبارة صغيرة .. بما لها من دبابيس وأشواك بين الحنايا تحملها ورغم ما بها من وخز تربيها !المقام الثالث: مقام ذاكرة القرب ومقام المقامفي ذاكرة القرب والتي لا تبين إلا في الصفحات الأخيرة من الرحلة بعد عناء وحشة الطريق المقفر إلا من الذاكرة وما لها من شفرات غياب وعذابات .. ها هي تهدينا مشهد لقاء تُقنا اليه :الى العتبة نعودمهد القبلة الأولىمسرح الوداعات المتعاقبةحيث تخاصمنا كثيراثم بقبلة تصالحنا….الى عتبة وقبلةنطيعه ونطير.في الصفحات الثلاث الأخيرة يتحقق هدف الرحلة لتوصل القارئ دون أن تتركه في ظمأه لمقام القرب والجنة الموعودة بقرب الحبيب .. لكن سوزان دائماً ما تترك نصوصها مفتوحة على التأويل ولا ترضى لها بخاتمة حتى لو كانت جنة القرب لتختم ديوانها بمتاهة أخرى أو رحلة أخرى لا ندري لأيّ الاتجاهات ستُفضي :كأنني لأول مرة أراكوجهكضحكتكعيناك الأجمل من أن تكونادمعة مَن إذاًهذا العالم؟*شاعرة من العراق تقيم في لندن