ادريس الروخ: من التمثيل إلى الإخراج، مسار طموح واعد تقديم وحوار إدريس القري: يظل ميدان الفنون البصرية المرئية من الميادين الأكثر إثارة للجدل على المستويات الشعبي والخاص بل وحتى السياسي، حيث كثيرا ما كان مادة لمساءلات الحكومة ببلادنا بالبرلمان، وإن من منطلق حسابات سياسوية لا علاقة لها بالنقد المتخصص، بقدر ما هو الأقل استقطابا للتحليل والنقد والتنظير الرصينين: ففي ظل أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية تتسم بهيمنة العقلية الأبوية والزعيمية الخانقة لكل تبادل سليم ومنتج وخصب بين الأنا والآخر، لا يمكن مبدئيا انتظار انتاج سينمائي أو تلفزيوني مبدع في أفق بنية ثقافية مهترئة، تجتر الرياء والمديح وفي أحسن الحالات الاحتماء وراء ‘الماضي المجيد’، عوض مواجهة الحاضر ولو رمزيا وبذكاء عالي التعبيرية على شاكلة التجربة الإيرانية خلال العشارية الأخيرة. إلا أن الفنانين والمثقفين وإن كانوا نتاجا لظروف مماثلة تتسم بالقهر وبالإكراهات، فمن الأكيد أنهم راشدون فكرياً، وبالتالي فهم يتحملون مسؤولية اختياراتهم ومواقفهم، كشخصيات عمومية، تتمتع بالشهرة. من هذا المنطلق نحاور مجموعة من الفنانين المتعددي التخصصات بين التلفزة والسينما بل وحتى الفنون التشكيلية، مرورا بالفوتوغرافيا الفنية والمسرح، وذلك في أفق تناول هذا المتن بالتحليل والاستنتاج في كتاب خاص. حلقة اليوم وهي الأولى خصصناها للفنان الممثل والمخرج إدريس الروخ الذي برهن عن قدرة متميزة في إخراج السيتكوم مع الجزء الثاني لـ’جيما جيران’. من الأكيد آن إدريس الروخ اصبح غنيا عن التعريف، لكن التذكير ببعض من محطات مساره المتعرج والغني سيكون مفيدا للمعجبين به، كما سيكون مفيدا للمهتمين بميدان الفنون البصرية والإعلام، نقدا ودراسة، في استجلاء عطاء هذا الفنان المتميز الذي استطاع شق ورسم مستقبل باهر، عبر طريق شائك مليء بالمنافسين الأقوياء ومحاط بظروف صعبة. يقول ادريس الروخ عن نفسه: *أنا من مواليد مدينة مكناس، أنحدر من حي شعبي يسمي ‘ديور الجداد بن امحمد’، حي يحبل بمجموعة من المتناقضات، فهو حي يدخل ضمن دائرة الاحياء والطبقات المهمشة الحياة فيه فوضوية بشكل أو باخر، لكن بفضل هذه الفوضى تولدت لدي فوضى داخلية غذتني في الحياة الفنية على جميع المستويات. وكما نعلم فمدينة مكناس مدينة جمعت بين الأصالة والمعاصرة.*ماذا عن دراستك؟ *درست في مجموعة من المدارس تنتمي إلى هذا الوسط، تعلمت على يد مجموعة من الأساتذة أجلاء ونشطت في سن مبكرة في عدة جمعيات ثقافية وفنية. ولعل ذلك ما ساعدني على دخول مجال الفن والمسرح من جميع أبوابه. ومن هنا انطلق بروز بعض مميزات شخصيتي سواء الشخصية أو الفنية التي بدأت مسيرتها بالدراسة بالمعهد العالي للفنون المسرحية والتنشيط الثقافي سنة 1990، وهي المرحلة التي أعتبرها طريقا للنجومية، حيث فتح المعهد لي مجالا أوسع للبحث والتعمق أكثر في ميدان المسرح والسينما والتلفزيون الذي يمكنك دخوله محترفا عن طريق هذا المعهد، رغم أنني كنت لا أزال في طور التكوين أو في أول الطريق إن صح التعبير. لكن هذا المعهد، ويا للأسف، ما زال في حاجة إلى اهتمام أكبر من طرف المسؤولين حتى يكون بارزا على الصعيد الوطني والعربي والعالمي، لأن له كبير الفضل في تكوين نجوم مغاربة متألقين. لقد ساعدني هذا المعهد على اكتساب القدرة على تشريح وتحليل شخصيات ونصوص من خلال أدوات وكلمات معينة، كما ساعدني على كيفية الاستماع والقراءة والمشاهدة، واكتساب مناعة قوية ضد كل السلبيات والصعوبات والعوائق المنتشرة في ميدان الفن ببلدي وبالعالم العربي عامه، ثم بالتالي بناء شخصية فنية ألا وهي الماثلة أمامك الآن. فتح لي المعهد، من جهة أخرى، أبواب الاحتكاك مع شخصيات عالمية سواء في المسرح أو السينما آنذاك، حيث انتقلت إلى فرنسا بعد تخرجي للاشتغال بالمسرح الوطني ‘ستراسبورغ’ سنة 1994 ثم بباريس سنة 1995 قصد الدراسة المعمقة للمسرح والفن واكتساب خبرة عالمية، الشيء الذي ساعدني على الانخراط في مجال الفن بشكل أكثر تدقيقا وأكثر خبرة. *ثم ماذا عن أهم الأعمال التي تألقت من خلالها كما اكتسبت التجربة وبالتالي رسخت مكانتك وطنيا وعربيا ودوليا؟ *شاركت في عدة أعمال أجنبية مع فنانين ومخرجين عالميين خلال فترة استقراري بالسويد، وسبق لي التعامل مع المخرج الأمريكي ‘فيليب راك’ في فيلم ‘الوضعية’ والمخرج الأمريكي أو المخضرم المكسيكي الجنسية ‘ألخاندرو غونزالس’ في ‘بابل’ مع النجم العالمي ‘براد بيت’، اشتغلت أيضا مع المخرج ‘بيتر فيليب’ في ‘جنود الكهف’، وانتهيت مؤخرا من تصوير فيلم ‘غرين زون’ مع المخرج ‘بول غرين غلاس’ والذي تم تصويره بين المغرب ولندن، كما لدي عدة أعمال أخرى مع مخرجين فرنسيين، دنمركيين، وسويديين. وطبعا كنت أحاول دائما أن أزاوج بين أفلام مغربية وأجنبية لأني أحب الإشتغال بالسينما المغربية التي أبقى دائما أنتمي إليها، والتي تعاملت من خلالها مع مجموعة من المخرجين المغاربة الكبار كحسن بنجلون، محمد اسماعيل، نور الدين الخماري… وأن أكون دائما متصلا بجمهوري المغربي الذي يحبني ويحب أعمالي الفنية، لأن الفن بالنسبة لي شريك حياة، فلا حياة لي من دون فن، حيث لا تربطني به لحظة ممارسة فحسب، بل هو فصلي السنوي المفضل ولا حياة لي من دونه. ومن آخر أعمالي المغربية على مستوى السينما فيلم ‘ألو 15’ وهو فيلم يتحدث عن رجال الوقاية المدنية، عن حياتهم العملية، والذي تم تصويره بين الدارالبيضاء والجديدة. أما على مستوى التلفزيون فهناك شريط ‘الزيتون’ للقناة الثانية والذي شاركت فيه مع مجموعة من الفنانين الشباب، وهناك شريط آخر للقناة الأولى بعنوان ‘شمس الليل’ للمخرج ‘عبد الرحيم مجد’ والذي يتحدث عن لصوص النخيل والذهب ومهربي المخدرات بالجهة الجنوبية من المملكة. أما على مستوى المسرح فهناك مشروع عرض مسرحية ‘الفلوجة أبواب الجحيم’ التي تتحدث عن الاحتلال الأمريكي للفلوجة سنة 2004 وكيف أذاب أجساد العراقيين، حيث سنشرع في التداريب شهر ايلول /سبتمبر قصد عرضها شهر كانون الاول/ديسمبر ولأول مرة بمسرح محمد الخامس بالرباط إن شاء الله.* ما الإبداع في نظرك وما علاقته بالواقع: محاكاة كما يقول أرسطو، أم تجاوز لهذا الواقع كما يرى هيغل، أم أن هذه العلاقة تكتسي طابعا جدليا خاصا ينطبع بتميز المبدع ولونه؟ *أعتقد ان الأوضاع الثلاثة تتقاطع في هذه العلاقة بين الإبداع والواقع: ففي المسرح مثلا أعتبر المتخيل آساسا للإبداع وتجاوز الواقع، وذلك من خلال اسقاط الأنا على الآخر، ذلك أن الأنا في نظري لا يمكنها الابداع إلا خلال التشبع بالآخر والتماهي معه وفيه، فالفكرة لا تولد إلا عبر هذا الآخر وهكذا يتم تطويعها. يتعلق الأمر بالنسبة لي بحالة مشابهة للتصوف حيث تكون هناك حالة ذوبان ذاتين، وذلك ما تختصره قولة كافكا الشهيرة: Je suis un autre أما في التلفزيون، فالآمر أصعب في نظري نظرا لارتباطه بالبعد التجاري وبالشكلية وبالسرعة والنفعية. أختصر الإبداع في التلفزيون بالنسبة لي في القولة الآتية: تابعوا عيناي فهي تترجم أفكاري. وإذا كانت السينما تبصم فإن التلفزة تدهش *شكل النقد في عالمنا العربي، وفي المغرب خاصة، عائقا أمام تطور الإبداع، ذلك أن النقد، وربما بسبب انعدام الديموقراطية في حياتنا العامة والخاصة على مستوى اليومي، لا يقبل من الاخر إلا متى عادل الاطراء والمدح، أما كشف النقائص والعيوب وفتح آفاق جديدة لقراءة الابداعات وتفكيك جودتها وتقويمها، فيعد طعنا من الخلف وخيانة، أقول هذا طبعا وأنا مقتنع بأن النقد الفني عامة والسينمائي خاصة ببلادنا يعاني ما يعانيه من أزمة عميقة تجعل الكتابات الصحافية، تجاوزا، وما يرافقها من انحرافات، هي المسيطرة على الميدان، علما بأن النقد من المنظور الفلسفي بل وفي التصور البسيط لدلالاته فكريا، ضرورة لا مندوحة عنها لتحقيق التطور والتقدم الذي ليس سوى نوع من تصحيح المسارات ومعالجة العيوب، وذلك ما لا يمكن الكشف عنه إلا بواسطة هذا النقد المبغوض ببلداننا وبكل البلاد اللاديموقراطية. ما النقد بالنسبة لك كممثل وكمخرج، وما ضرورته من عدمها في تطور العمل الفني والفنان عموما؟ *أعتقد بأن النقد يعيش أزمة حقيقية ببلدنا وببلداننا العربية على وجه الخصوص. إنها وضعية محيرة ومأزومة. فمن المفروض أن يمارس النقد بعيدا عن الذاتية وعن الأغراض الشخصية، ذلك انني أعتبره من الشروط الأساسية لتطور الإبداع إن لم نقل لوجوده. فبدون نقد لا يمكن للمبدع فهم نفسه كمبدع، ولا اكتشاف ابعاد جديدية لأعماله وبالتالي تطويرها أكثر إلا من خلال النقد، وهذه المسالة تفيد المبدع حتى في تطوير علاقته بالجمهور ضامن شعبيته واستمراريته. أسمح لي بأن أقول في هذا السياق بأن النقد كان من العوامل التي بها حسنت أدائي وأعمالي. من المؤسف القول بان النقد لدينا لا في الأوساط الفنية ولا في الأوساط الاجتماعية والسياسية، كذلك يعتبر تفكيرا قاصرا يعتمد الذاتية بمعناها السلبي، أي الاسقاط غير المبرر لأحكام قيمة مخجلة أحيانا، كما أنه يعتمد اختزالية فظيعة وسائدة تتمثل في ثنائية القيم: الخير والشر، جميل قبيح، أبيض أسود… إلخ إنها انطباعية وليست نقدا رصينا يستحق هذا النعت، بحيث يفيد الطالب والباحث والجامعي بل وحتى المبدع، وذلك للمساهمة في انتاج تلفزي وسينمائي ذكي ومفيد ومنخرط في قلب التغيرات الاجتماعية للمجتمع الذي يتنفس من هوائه يشرب من مائه. لكن الملاحظ أن هذا الميدان يعاني ما تعانيه مساحات الإنتاج الثقافي والسياسي عامة ببلادنا، فآغلب ممارسي النقد بأنواعه السينمائي والفني والتلفزيونيô إلخ ليس بينهم والنقد سوى الخير والإحسان. *بالنظر إلى التجربة الكبيرة التي اكتسبتها في التمثيل حيث أصبحت مطلوبا من مخرجين كبار عالميا ما التمثيل بالنسبة لك، وما الحدود الفاصلة في رأيك بين الممثل الكبير والممثل العادي؟ *التمثيل بالنسبة لي هو فن تذوق ودراسة شخصية. وهو كذلك تعامل مع فريق بكامله والانسجام معه. التمثيل اشكالية تتعلم منها باستمرار لأن الإبداع تعلَُم لا ينتهي. هذا التطور المستمر نتيجة طبيعية للتطور الدائم لتكنولوجيا السمعي البصري. من مكناس إلى البيضاء ومن المسرح إلى السينما تطورت كثيرا. وهنا أقول بكل وفاء بأن المعهد كان اختيارا موفقا اكتسبت فيه التعلق بطرح السؤال خاصة وليس الجري وراء جواب لن يعمر طويلا. إن لحظة الحقيقة هي لحظة الوقوف على الخشبة وأمام الكاميرا. بعد ذلك شاء القدر أن يمكنني من الوقوف أمام الكبار. وهو وقوف تعلمت منه على وجه الخصوص التواضع ثم التواضع، ثم الابتكار عند معاناة الصراع مع الشخصية المراد تقمصها وتجسيدها. إن التمثيل في نهاية المطاف – وكما سبق وقلنا ـ إعادة بناء للذات، تسمو بها بعيدا عن اليومي المبتذل. *لا يُنسب العمل السينمائي في نهاية المطاف إلا لصاحبه وهو المخرج. فالمخرج هو المايسترو القائد الأول والأخير، السريرة التي تخاطب المتفرج والمجتمع بل والإنسانية جمعاء لتقول لها من خلال الحكاية، هذا ما أراه فيما يخص الحياة والموت، الأمل واليأس، الماضي والحاضر، الحب والكراهية، الأهواء والعقلôôمن التمثيل إلى الإخراج ماذا تغير في مساحة حرية الإبداع وماذا نقص من باب الإكراهات؟ وما موقع التخييل من جهة كمنبع أساسي للإبداع؟ وكذا أهمية الإمكانيات المادية من إبداعية الإخراج والإمساك بتلابيبه؟ * الإخراج مسألة معقدة ولكنها في الوقت نفسه مثيرة وجذابة ومسؤولية كبيرة أيضا. وهي بالاساس مسألة وقضية إبداع بالدرجة الأولى. عند الحديث عن الإبداع في الإخراج تنمحي مسألة الماديات. إنه منفلت من الماديات التي قد لا توصل إليه وإن توفرت بشكل كامل، فمن المعروف أن هناك أفلاما صرفت عليها الملايين من الدولارات ولم تكن ناجحة إبداعيا. لكن المبدع قد يحتاج ميزانيات إنتاج ضخمة أحيانا بسبب طبيعة المشروع في حد ذاته، ولعل التجربة الإيرانية جد دالة في هذا المضمار. بالمغرب لدينا مخرجون مبدعون، لكنهم يعانون من نقص مريع في الإمكانيات. أعتقد أن الأزمة الحقيقية في ميدان السينما ببلادنا إنما هي أزمة تخييل حتى أجيب عن البعد الثالث في سؤالك. وهي الأزمة التي نلاحظ استمرارية حضورها حتى في حالات توفر الميزانيات الضرورية لصناعة شريط جيد. تعلمنا التجربة الإيرانية وكذا بعض الأفلام المغربية التي حققت إبداعية عالية بميزانيات بسيطة. فالبساطة والتواضع والوضوح في الرؤية هي الأساس.* والسياسة في كل هذا؟ ما موقع السينمائي من السياسة عموما وبالمغرب خاصة؟ فقد لا حظنا بأن العهد الجديد أطلق موجة من ‘الشجاعة’ في معالجة مواضيع سياسية تعلقت أساسا بعهد الإعتقالات والسجن السياسي، ليخبو هذا المد من جديد؟ *الملاحظ أن السينمائي لم يصاحب السياسي إلا متأخرا، وربما عاد الأمر إلى القمع الذي كان سائدا والخوف من فقدان الحرية الذي رافق أغلب الفنانين في تلك الفترة، وقد سبب ذلك شرخا بين المثقف والفنان والمجتمع في مواجهة هذه الظروف. والواقع أن كل كلام هو في حد ذاته سياسة، وكل فيلم فيه سياسة بشكل أو آخر. وها قد قلت كناقد سينمائي بأن تلك الفترة عرفت سينمائيين عبروا بشجاعة عن هموم سياسية وإن بشكل غير مباشر مثل فيلمي المعنونين ‘الحال’ و ‘ليام أليام’ وفيلم ‘حلاق درب الفقراء’. والحقيقة أنني لم أشاهد فيلما سياسيا بالمعنى المحترف لأن لا وجود له في تاريخ السينما المغربية. هناك أفلام تتحدث عن مواضيع سياسية فقط، كما هو الحال مع الأفلام التي شكلت موجة سينمائية على إثر سقوط جدار برلين. إن ما يحدث في المغرب الآن ضمن إطار ما سمي بالربيع العربي، يطرح السياسة من بابها الواسع، كما يطرح أمام الفنان الوضع السياسي بالعالم العربي عامة وبالمغرب خاصة من بابه الواسع، بين الماضي والحاضر. لكن للأسف وكما تعلم الفنان والمثقف بالمغرب لا يطرح بوضوح وشجاعة المشاكل والقضايا المستقبل للنقاش الصريح وتلك مسألة أخرى على كل حال.* سمعنا الكثير عن أسباب تدني مستوى السينما المغربية، وهو التعبير الذي أشكك في صلاحيته ما دمنا أمام أفلام مغربية وليس سينما مكتملة الدورة، فمن أزمة التخييل إلى أزمة الإخراج إلى أزمة التمثيل وتقنيات الصورة، ألا ترى أن كتابة السيناريو تشكل عائقا أيضا في وجه تطور الفيلم المغربي؟ ثم ما السيناريو الجيد في نظرك، هل هو تقنية بالأساس آم موهبة أدبية، وهل يمكن صناعة فيلم جيد بسيناريو دون المستوى؟*السيناريو كتابة تقنية بدون شك، لكن التخييل والموهبة لا يمكن تحقيق شيء بدونهما. أما السيناريو الجيد فهو الذي يتضمن لحظات عديدة تدفعك لإعادة قراءتها وكأنها جميلة تغويك. تعلمت هذا الأمر من المسرح ومن كتابات تشيكوف بخاصة، الذي كان يجعل من اليومي المبتذل روعة تثيرك بشخصياتها التي لا تتركك تتنفس حتى، إذ تصبح سجينها وكأنها شياطين غواية آسرة. *من تجربة ‘ياك حنا جيران’ إلى ‘ديما جيران’، وهو السيتكوم الذي قلنا في حينه أنه من أجود ما تم إنتاجه وسط ركام الرداءة التي بلغت أحيانا درجة غير مسبوقة من الاسفاف، ما الذي تغير في خبرة المخرج الشاب إدريس الروخ؟ *تجربة رمضان 2011 كانت رائعة في نظري فقد حبلت بالكثير من الجديد والمثير. فعلى مستوى الإخراج يمثل هذا الجزء نضجا جديدا. فبعد مرور سنة على هؤلاء الجيران الذين تشاركوا الأفراح والأتراح، وتغير ما تغير من أحوالهم، فكرنا في أن قوة السيتكوم تكمن أساسا في الشخصيات وقوة رسم ملامحها وتقاسيمها، نفسيتها وأوضاعها. لا يتعلق الأمر هنا بسؤال بقدر ما يتعلق بقسوة الحياة. كما ارتأينا أن يكون هذا الجزء رسالة تفاؤل في نفس الوقت الذي هو عرض خفيف في قالب فكاهي لأوضاع فكاهية – لكن إنسانية عميقة الدلالة – من المجتمع وأحوال الناس. *في نفس السياق لاحظنا اشتغالا جديدا على الديكورات وعلى الألوان أيضا هلا لخصت لنا الجديد؟ إدريس الروخ: بالفعل فقد اشتغلنا على الديكورات انطلاقا من تغير أحوال شخصيات السيتكوم، لكن محاولين الحفاظ على طراوة الصورة وجاذبيتها: لهذا لاحظتم أن الألوان كانت مفتوحة وميالة نحو التفاؤل.* لكن إذا كان ما تقوله يدل على ‘القطيعة’ فأين يمكننا تلمس الإستمرارية علما بأن كل قطيعة تحمل في طياتها استمرارية بمعنى أو بآخر؟ *على مستوى الشخصيات مثلا أقول أن ‘غيثة’ أداء منى فتو – و’رقية’ – زينب السمايكي – و’عبد الله’ – بصطاوي – و’بوشعيب’ – محمد مجد – ôإلخ هي شخصيات تدل على الاستمرارية، بينما جاء الجديد مع شخصيات مثل ‘سفيان’ أداء عزيز حطاب – و’سعاد’ – دنيا بوتازوت – و’عبد المجيد’ – محمد خيي – ثم ‘عبلة’ – بديعة الصنهاجيôألخ على مستوى الإنارة اخترنا الإنارة الدرامية إن شئت حيث الظلال لا وجود لها والغنى والتعدد حاضر، وأعتقد أن ذلك ما أغنى جمالية الصورة وعزز إمكانيات التماهي بالنسبة للجمهور. زوايا إلتقاط الصورة أيضا تم الاشتغال عليها بقوة حيث تغيرت بتغير الإنارة التي ارتبطت بديكورات جديدة لإخفائها وبالتالي التمكن من الإلتقاط المتزامن للإيماءات في نفس لحظة تصوير المشاهد. في هذا السياق استعملنا ثلاث كاميرات في التصوير لأول مرة، كما أن زمن اللقطة راعينا فيه القصر لخلق خفة الحركة والتعبيرية المعروفة عن السيتكوم بالمعايير المحترفة.