زلمان شوفال
عاد مبعوثا الرئيس اوباما الكبيران روس وهيل كما كان متوقعا، الى واشنطن، من غير أن تؤتي جهودهما لمنع خطوة الفلسطينيين المخطط لها في الامم المتحدة، ثمارا. وينبغي أن نفترض أنهما لم يفاجآ على نحو خاص. فقد كان هدفهما الرئيسي أصلا من هذه الزيارة أن يخبرا الفلسطينيين خطر رفضهم وعلى التأثيرات السلبية التي ستكون لذلك في علاقتهم مع الولايات المتحدة.
وكما كتبت هنا قبل عدة اسابيع، كان واضحا أن الصيغة الممكنة الوحيدة لتجديد التفاوض بين اسرائيل والفلسطينيين كانت التأليف بين خطبتي اوباما، الاولى التي قضى فيها بأن ‘حدود 1967’ مع ‘تبادل اراض متفق عليه’ ستكون الأساس لرسم الحدود في المستقبل، والاخرى في أسس خطبته أمام لجنة ‘ايباك’ التي حدد فيها كلامه السابق وأعلن ان نقطة الانطلاق لن تكون حدود 1967 بل سيجري الطرفان تفاوضا في الحدود الجديدة، وكانت هذه هي الصيغة التي قدمتها وزيرة الخارجية كلينتون (مع زيادات ما، الى ‘الرباعية الدولية). رفض الفلسطينيون الاقتراح، أما اسرائيل، وبرغم تحفظات ما، فكانت مستعدة لقبوله. يمكن أن نثير تخمينات مختلفة تتعلق بما جعل ادارة اوباما، وهي لا تتفق كما تعلمون دائما مع اسرائيل على الشؤون السياسية المختلفة، ما الذي جعلها تسلك في تصميم ايجابي كبير جدا لكنها لا تنتقل عن موقفها في الحقيقة.
ان ما يفهمه الامريكيون اليوم، بخلاف يساريين اسرائيليين يعبرون عن تأييدهم للخطوة الفلسطينية من طرف واحد، هو ان السلطة الفلسطينية اتخذت قرارا استراتيجيا على عدم دخول تفاوض حقيقي مع اسرائيل. ومن هنا تنبع جميع خطواتها السياسية والدبلوماسية. فالتفاوض يعني مصالحات وتنازلات متبادلة ومنها في مسألة اللاجئين والقدس والحدود وما شابه. وأبو مازن وشركاؤه، مثل زعيمهم عرفات، لا ينوون دخول التاريخ العربي باعتبارهم كانوا مستعدين للمصالحة، وليس ذلك بيقين وهم يؤمنون أن طريق الامم المتحدة الالتفافي سيأتيهم بالنتائج المرجوة. ويعلم الفلسطينيون ان مجلس الامن لن يمنحهم اعترافا بالدولة (وربما دون حاجة الى نقض امريكي ايضا). لهذا استقر رأيهم على اجراء يمكن تعريفه بأنه ‘خيار الفاتيكان’ أي أن تمنحهم الجمعية العامة للامم المتحدة، حيث توجد لهم أكثرية آلية، مكانة ‘دولة مراقبة ليست عضوا’، كالفاتيكان بدل مكانتهم الحالية (‘مراقبين’). وبرغم ما قد يراه رجل الشارع لعبا كلاميا مجردا فان الفرق في واقع الامر متعدد المعنى. وكلمة السر هي ‘دولة’، ومنذ اللحظة التي ستظهر فيها هذه الكلمة في العناوين الصحفية سيصبح كل شيء آخر غير ذي صلة. وذلك برغم ان هذه ‘الدولة’ سيعوزها الصفات الاخرى لدولة طبيعية وعلى رأسها السيطرة على الارض. تستطيع ‘الدولة’ الفلسطينية مثلا أن ترتبط باتفاقات دولية تشمل شؤونا أمنية، مع دول اخرى؛ وأن تنتخب عضوا كاملا في منظمات دولية مختلفة؛ وأخطر من ذلك من وجهة نظر اسرائيل، انها تستطيع الانضمام الى المحكمة الدولية وأن تجعلها حلبة لدعاوى لا تنتهي على اسرائيل وجنودها ومواطنيها.
والى ذلك، وحتى من غير اتفاق بين فتح وحماس، لا شك في انه سيكون لحماس ولجميع المنظمات الفلسطينية المتطرفة الاخرى حضور كامل في ‘الدولة’ الجديدة، في مؤسسات الحكم أو على الارض ‘فقط’. قد تصبح هذه دولة عدائية وارهابية تقتضي من اسرائيل أن تعمل بطرق عسكرية وغيرها لمواجهة التهديدات الامنية المطلة منها. يزعم أبو مازن في الحقيقة أنه بعد ان تنشأ الدولة سيتم تجديد التفاوض مع اسرائيل، لكن الخدعة في هذا الكلام واضحة، لأن الشؤون الرئيسية التي كان يجب أن يتم التباحث فيها ستكون قد أصبحت آنذاك بمنزلة ‘ماء تحت الجسر’. تفحص اسرائيل، لا من اليوم عن طرق مختلفة لتجد ردا صحيحا واقعيا على الخطط الفلسطينية والتهديدات التي تنبع منها، وهل يمكن ذلك قبل ‘ساعة الصفر’ في الامم المتحدة، لكنها تفعل ذلك في الأساس لتواجه الوضع الذي قد ينشأ بعد ذلك، ومن هذه الناحية ايضا فان العلاقات الوثيقة الحالية مع الولايات المتحدة وتنسيق المواقف معها حاجز مركزي ضروري لمواجهة الاختلال والاضطراب الآتيين. واذا كان ما يزال يوجد من لا يفهم الأهمية العليا للعلاقة مع امريكا، فيحسن به أن يفكر في أحداث القاهرة في نهاية الاسبوع.
اسرائيل اليوم 12/9/2011