النظامٌ السوري يسقط على منحدر الفظاعة والترويع على منحدر الفظاعة والترويع، يتدحرج النظام السوري إلى نهايته ـ لا ريب في ذلك ـ فساعة النظام اقتربت، وها هو يتعثر في خطاه، على أرض الزمن الذي لم يعد زمنه. وليل السوريين الراسفين بأصفاد القمع، التي استحكمت حلقاتها، وزفير الإذلال، قد أذن بانبلاج وانبثاق. ولا يتحدثون غير حديث الحرية، وإن تحدث النظام حديث الطلقات والمدافع والراجمات، فقد تحرر أهل الشام من لغة التهديد والوعيد. وانكسر الخوف كإناء زجاجي، يتعذر على عصابات الأسد، وزمرة إعلامه المفلس ترميمه. وإذ فتشوا في أسفار العنف والترهيب، لم يرصدوا أساليب فتك بالإنسان وكرامته أشدّ بشعب الشام الثائر، مما تفتقت عنه ذهنية البطش في دهاليز نظامهم المستبد. فهل يصدق أحد ـ باستثناء من عرف سطو النظام على الحريات والكرامات ـ أن مشاهد التنكيل والتعذيب والتشويه تحدث في بلد الثورة والممانعة.
وهل سبح أحرار سورية في بحر الدماء لطرد الفرنسيين، ليسبحوا مرة ثانية في بحر دماء جديد، فرش نظام الأسد رماله وشواطئه بالجثث والمصابين. أما كان أولى أن تطهر هذه الدماء الزكية تراب الجولان المحتل من دنس الأعداء، وتسيّج الأجساد الممزقة في درعا والرستن وحماة واللاذقية وحمص وإدلب ودير الزور ودوما وكل منبت للدم في سورية الجريحة، حريته ورجوعه لسورية الأم.
إن من يسرف في قتل شعبه، يجرد نفسه يوما إثر يوم، من أنصاره وحلفائه، وسينفضون عن سفحه، إلى فضاء آخر. ونظام الأسد أسرف كثيرا في القتل، ومشهد الحلفاء والمؤيدين آخذ في الثبات على صورة شعب يذبح، كذبح الشاة لا تتقي ذابحها إلا بشخب العروق. أفلا يعي الأسد، أن دائرة الاستهداف ستحيط بنظامه، وأن المغامرة الأطلسية التي يستخف بها إعلامه المنساق في الكذب والتضليل، ربما تطل برأسها من أبواب غروره وهروبه من قراءة المتغيرات في خريطة المنطقة.
ألا يخشى أن يتحاماه العرب كلهم، لفرط السلوك الشرس الذي يصبغ بلونه الدامي عاصمة الأمويين، فيفرد إفراد البعير المعبد، كما قال الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد. فلا منجاة أبدا لكل الطغاة، والعروبة براء ممن يلوثون اسمها ومعانيها السامية.
وإذا أتيح لهرقل عظيم الروم بعد معركة اليرموك، أن يودع سورية الوداع الأخير فيقول والغصة في قلبه: السلام عليك يا سورية، سلام لا لقاء بعده، ولن يدخلك رومي بعد اليوم إلا خائفا، فقد لا يتاح لأباطرة الإرهاب في نظام الأسد ترف الوداع هذا، ولن يقفوا على أطلال حكمهم الخرب، إلا كلمى مهزومين ووجه الشام وضاح وثغرها باسم. أحمد فائق أبوسالمسر حب الخليجيين المفاجئ للاردن والمغرب ما تفكر فيه السعودية وتخطط له بالنسبة لضم الاردن والمغرب لمجلس التعاون الخليجي فيه ابهام لا يدركه الكثيرون وانا من هؤلاء، فالمغرب بعيد جغرافيا وانسجام شعبه مع عادات وتقاليد الخليجيين له بعد آخر لا يقل ثقله عن البعد الجغرافي. والاردن ليس له تلك الكثافة السكانية التي تستطيع ان تقلب المعادلة الديموغرافية بشكل لافت. وفي ظني ان المناداة بالوحدة العربية لدول الجوار كاليمن ومصر هي اولى وافعل؛ وهذه الوحدة ستقلل من خطر التغلغل الايراني الذي يقض مضاجع دول الخليج، كما انها ستوفر عمالة تحل محل العمالة الاسيوية الخطرة على مستقبل العروبة في هذه الدول التي اصبحت الرطانة اللغوية تتغلغل في كل مرافقها واصبح السكان الاصليون والوافدون العرب يحتاجون الى ترجمان للتفاهم مع هذه العمالة المسحوقة.
علي حسنكليلة ودمنة الفلسطيني تذكرون كتاب دليلة وكمنة عفوا اقصد كليلة ودمنة الذي تتكلم فيه الحيوانات في قصص تهدف للعبرة والتسلية، في نفس السياق يقال ان الأرنب جاء يشتكي للأسد (باعتباره ملك الغابة) أن النمر يسأله: هي أذنك ليش طويلة؟ ثم يقوم بصفعه وتعذيبه!! لاحظوا الآن أن الأسد مفروض يرد الاعتداء الآثم عن الأرنب، لأنه لا ذنب له بخصوص شكل الأذن، فعلا طلب الأسد من النمر الحضور ثم قال له: مش مشكلة تضرب الأرنب وحتى تطحنه بس حاول تخترع سبب!! يعني مثلا اطلب منه أن يحضر تفاح (لاحظ أن النمر حيوان لاحم لا يأكل تفاح) إذا احضر تفاحا احمر اضربه بحجة انك طلبت اخضر، وإذا احضر تفاحا اخضر اضربه بحجة انك طلبت احمر!! (هيك العدل ولا بلاش! يحيا العدل!) المهم عاد النمر إلى الأرنب وأمره: روح جيبلي تفاح فقال الأرنب: انت عاوز تفاح احمر ولا اخضر؟ ذهل النمر (بازت يعني فشلت الخطة) فأمسك الأرنب من أذنه، وقال هي أذنك طويلة ليش؟ وأعطاه اللي فيه النصيب من الأذى.
ألا تذكركم الطرفة السابقة بحال الفلسطينيين- خاصة أهل غزة- مع إسرائيل وأمريكا، مهما فعل أهل غزة فإنهم متهمون ومذنبون ويستحقون كل ما تفعله آلة الحرب الصهيونية فيهم من قتل وتدمير. إسرائيل دائما على حق حتى لو سقط صاروخ من الهند على الدولة العبرية، فعلى غزة أن تجهز أطفالها للموت.
تخيل أن القانون الدولي- وفقا للتحقيق الاممي- في العدوان على (مرمرة) يعتبر حصار غزة مبررا وقانونيا (يحيا العدل!) إذا ثبت أن هذه هي نتيجة تحقيق استمر ثلاث سنوات فهذا القانون أعمى وأبكم وأطرش ومصاب بالزهايمر حاد ومزمن ولا يميز بين التفاح والملوخية والأفضل لنا أن نعطي أوراق هذا القانون لسكان غزة لأنهم يعانون من نقص في أوراق التواليت.
إسماعيل عاصي – عمانليلة بلا مصير وحيدا أدور وسط الزّحام، أرشف من البعد عطر التذكر، أمضغه مع الأحلام العجولة عساه يضيء قنديلا على صوت الموت القادم مع الليل المطير. أتفرج على السكينة التي عمت أفئدة الناس فتمايلوا في غنج على ألحان الدلال والهناء. الماء المتدفق من السماء ما عاد يثير في النفوس الاكتراث للُجج الحياة، هو فقط يخبئ الغصص المريرة خلف صوت ارتطامه على الأكتاف، ويمضي لحاله يقلب بين ظلل الذكريات عن ملامح القمر. أما أنا، فقابع في وحدتي، أصغي إلى وقع صدى الآهات تحت أسرّة الأعناق المتطاولة شبقا، تبغي ري الهياكل الآدمية بمدام العرق المتصبب من بين نهدي راقصة تتلوى بدراهم الفقراء.
يا ليل الهيضة، ما أبقيت في أمسيات الكبرياء من إباء؟ لا شيء غير قول مسكوب على أجنحة التفاهة، نوح وزفير، خوار ومواء يأوي الناس من حفر الكآبة قبل أن يسلم الليل نفسه لبرد الصباح، يصرخ في أعماق الذنوب، لتبقى الشفاه ظمأى تنتحب أحلامها التي ضاعت في متاهي الليالي الغابرات، راثية هوان الساعات المفقوء ألقها بقسوة القهقهات الباكية.
أمرق عبر الصفوف، أغترف من شواديف الهرج والمرج ما لذ وطاب من أغنيات، أسقط بها الفؤاد المتقد نارا في بركة ماء آسن حتى يريحني من كثرة السؤال، ويوقف في رأسي الطواحين السوداء. أُخرصه وأرسم على الأرداف المهتاجة نجمة أسرقها من عيون الأطفال المتشحة بالفرح. أتناسى الدوار الذي يصيبني كلما مرت سحابة حرية بين أذني، وأنا أتأمل ذهابها مفغور الفاه والحدقتين، دون أن تمطر.. لا أسأل عن الممكن والمحال، بل أشيخ مستكينا لدغدغات الهوى في الشقق المفروشة بالأحمر والأصفر، لكيلا أصبح في الغد سجينا يستجدي من الجاعرات المفر. يا ليل الهيضة، ما أبقيت في أمسيات الكبرياء من إباء؟ لا أحد يرد على المشتاق مهجته سوى سهد مؤرق، ومحراب مقفل على حروف النهى، يستأنس بالوعود المخنوقة، ويعلق على حبالها عجز المريدين، أولئك الباحثين في خرزات السبحة عن الخلاص. مازالت الليلة بلا مصير، تأتلق بالمشاعر الضريرة ولا تنام.
يوسف شكري – المغرب