الحديث عن الصورة مشوق وعميق وله أبعاد تختلف من شخص الى آخر ومن زمن الى آخـــر ومن مجتمع الى آخر. وللصورة أدبيات ودلالات لا تعد ولا تحصى، فهناك صورة الخلق في كوكب الأرض، وهناك صورة المجتمعات التي تتغير باستمرار بحكم ثقافة كل عصـــــر، وهناك الصـــــورة الاستنباطــــية التي لا يدركها عامة الناس بســــهولة، وأخيرا الصورة النمطية الرقمية والتي تعتمد في أصلها على عددي 0 و1 بلغة العصر الرقمي والتي تربعت على الــــقيادة في سلم الترتيب مع مجموعة من الصور المتــــعارف عليها كالصورة الفوتغرافبة والصورة الزيتية والصورة التشـــكيلية والصورة الكاريكاتورية والصورة التجارية ويستحيل التفكــــير بدون صورة كما قال الفيلسوف أرسطو، لكن لابد من الاشارة ان الصورة أولا كان إسمها في الأزمنة الغابرة – رؤية – قبل أن تتطور أدبياتها. مرت عملية التفكير البشري بمراحل، فقد اقترن الفكر بالتدوين اليدوي والطباعة أولا، ثم قفز الى اقتران الفكر بالصوت، وأخيرا استقر في زمن العولمة على الوصفة السحرية الفكر والصورة.
يجمع العلماء أن تعريفات الصورة تفوق العشرة ويجمعون أيضا أن الصورة تأتي بالتدقيقات واللذة في آن واحد، بعدما هيمنت ثقافة العولمة التي تتعاطف بسخاء مع ثقافة الترفيه العالمية عبر الصورة.
خلق الله الانسان في أحسن صورة، وزوده بخمس حواس: الشم واللمس والذوق والسمع والبصر، ومنحه أكبر رزق ألا وهو العقل، وعلمه بالقلم مالم يعلم، ونظم حياته الدنيوية بشريعة من فوق سبع سموات، وبين له الحرام والحلال، ووصف له النار والجنة، وصور له معاني الخلق والنشر والحساب والعقاب، وصور له أيضا مكانة الاستقامة والاحسان والعدل وحسن المعاملة وحسن الحوار والجوار.
الصورة الاستنباطية هي صورة مجازية، ولكي يستوعب القارئ هذا الصنف من الصورة خاصة لدى المسلمين، يكفي أن يتدبر الانسان الصورة التي فرضها الله على كل مسلم يحج الى مكة لأداء مناسك الحج، إذ اشترط على كل حاج أن يقصد بيت الله بملابس غير مخيطة، لئلا يقع التفاوت في المظهر، لأن الخياطة تفضي الى التنميق والتنميق يفضي الى التباين في الصورة.
عبر التاريخ البشري مرت قبائل وشعوب وحضارات تلو حضارات، ولكل سيرته الخاصة، هذه السيرة جمعها التاريخ في كتب وخزنها البشر في ذاكرته على شكل صور، فمنهم من اتخذ من الجبال بيوتا ومنهم من بنى أهراما، ومنهم من صعد الى القمر، وفي كل هذه الحالات يخزن الانسان صورة عن الحدث في زمن ذات الحدث وليس قبله.
الصورة الأساسية التي ظلت المجتمعات عبر العصور تجري ورائها هو الرخاء والازدهار والرفاهية والعيش الرغيد. لقد تم استغلال الصورة عبر العصور بمستويات متباينة، وقبل أن يشرع الانسان في رسمها على الجدران، كانت البداية بالصورة الأدبية عبر الشعر والغناء، ثم انتقلت الى تزيين الجدران بصور زيتية، ولعل أكبر استغلال في هذا الاطار هو ما قامت به الكنيسة حينما كانت تحكم العالم الغربي إذ قامت بدعاية لها عبر الصورة في أماكن العبادة التي كان يتوافد عليها الرواد. ونفس الشيئ حصل مع الحضارات السابقة.
لازالت كل كنائس العالم خير شاهد على هذا العمل، ورغم أن دورها أي الكنيية تقلص كثيرا فإن الصور التي تزخر بها انتقلت من خانة الدعاية الى خانة الثراث الحضاري الانساني.
أضحت الصورة هي المهيمنة على ثقافة العصر وصارت تســاهم في تنظيم المجتمعات المعاصرة وتوجيهها في السياسة والاقتصاد والحياة العامة.
وقد ظلت الأنظمة تحتـــــوي- من الاحتواء – تموجات المواطنين عن طريق الصورة، لكن المعادلة الرهيبة هي أن النظام الحاكم يمكن أن يتلاشى بنفس السلاح أي الصورة، ولنا في تونس ومصر وليبيا خير دليل وصالح عبرة.
محمد بونوار – المانيا