عبد الحميد عبود ‘ستحب البحرَ دائماً أيها الإنسان الحر، إنه مرآتكْ، تتأمل نفسك في انبساط أمواجه الأبدية، روحُك خاوية لا تقل عنه مرارة، ونفسُك ليست أقلّ عمقاً من أغواره، أنتما الأثنان غامضان ومتكتّمان، أيها الإنسان، لم يستطع أحد سَبْرَ خفاياك، أيها البحر، لا يعرف أحد كنوزك الخفيّة، لِشدة حرصكما على كتمان أسراركما، ومع ذلك، فقد مرّت قرون لا تحصى وأنتما تتصارعان، بدون ندم ولا شفقة لفرط ما تحبّان المجازر والموت هجستُ بأبيات بول فاليري هاته وأنا في الباخرة المبحرة من نابولي إلى صقلية، أنا كذلك أشعر بالحرية في البحر، هل هو البحر ما يجعلني حرا؟ أم ان السعادة في داخلي لأني على رحيل؟ سافرتُ كثيراً في مدن العالم الكثيرة ويبقى البحر أجمل مدن العالم طراً، البحر يرجعني لبداياتي ونهاياتي، يصيرني طفلاً وكهلا، يستفز فيَّ حكمة الشيوخ والحنين إلى براءة أوليّة، يفتح لي باب التخيل الفنتازي على مصراعيه، أبحرُ في البحر، في أمواجه الزرقاء، في براريه الشاسعة، وفي رموزه وإكسسواراته، البحارة النوتية القباطنة، الصواري، القلوع، النوارس، الغرقى، المرجان، الحيتان، الجماجم والكنوز المرصودة في القاع ،الأساطيل، الأساطير الحوريات، الطحالب والتاريخ والجغرافيا وهلم جرا، نتناضح أنا والبحر، نسترد انسجامنا المفقود، أعطيه بعضا من طمأنينتي، ويعطيني موجه وقلقه، يبحرُ فيّ البحرُ، يذكرني دائما بأسماءَ سفنه وغرقاه، بأن سفن القراصنة هي أضخم أسطول أنتجه التاريخ، البحر بجلاله وقدره، سعته وانبساطه، معانيه وطلاسمه، المشهد البكر، فيه أشعر بشعور مركب من الدهشة والأسى، شايف البحر شو كبير، قد البحر خيبتي، البحر لم يكن يوما بحرنا ولا جزءا من تاريخنا وتراثنا، أبداً أبدا، البحر بحرهم هم الذي سموه ‘ماري نوسترا’، بحيرتهم الرومانية، البحر كان دائما خارج حساباتنا لذلك سمينا المتوسطَ بحرَ الروم، وسمّينا البحر الأحمر بحرَ القلزم، وسمينا ما يسمى الآن بالخليج (العربي) الخليجَ الفارسي، ابن خلدون يشهد على هذه التسمية، أما القصص البحرية في القرآن عن الطوفان وسفينة نوح ويونس في بطن الحوت وموسى في اليم فهي كلها مأخوذة من قصص التوراة، نحن العرب أهل بادية ومصابون بآفة الطلاسوفوبيا، ندير ظهرنا للبحر، البحر ليس ميداننا كما هو ميدان شعوب البحار، الفايكنغ، سكان الجزر البولينيزية، الإغريق والروس والبرتغال والباتاف والإنكليز، الفتوحات تمت بواسطة الجمل سفينة الصحراء، حين كاتب فاتحُ بلاد الشام الخليفةَ عمر يسأله هل يكمل غزوه إلى تخوم بلاد الروم عابرا الموج المتلاطم؟ كان ردّ الخليفة حاسماً ومنطقيا ‘لا تخاطر بحياة المسلمين فيه’ علاقتنا مع البحر كانت دائما متشنّجة، فالصحراء هي الحاضنة الأولى لروحنا، مجالنا الحيوي، الردهة الداخلية للصميم العربي، نحن طبعاً نخشى الماء المالح ونفضل عليه الماء العذب، نفضل عبور عشر صحاري على قطع بحر واحد، أمام البحر تبطل فعاليتنا، نتحاشاه على طول الخط، هو في أعيننا بحر الظلمات وبقية الكليشهيات السلبية، مدى وسدى وخواء، مفهوم عقيم للماء المالح، مفازة غريبة ومريبة تفصل ولا تصل، كرنتينا حِجْر صحي وطاعون، علامة استفهام كبيرة، ريح نو صاخبة، تسونامي، فك مفترس، تيتانك، قرصان أعور زائد راية مكونة من عظمتين وجمجمة، وما تبقّى من عظام بائسٍ غريق، يحسدنا من يرى شواطئنا المترامية، ما أكثرها لغيرنا وأقلّها لنا! ففرنسا تأكل أسماك موريتانيا، إيطاليا تستغل مرجان تونس، الصيادون الإسبان يسرقون سردين المغرب (بإرادة المخزن) ثم يبيعونه إياه في شكل معلبات، تريدون أمثلة أخرى! تريدون كلاما أوضح! تريدون تفاصيل! حسنا، أنا نفسي ولدت في طرابلس البحرية وأغرق في جرن معمودية، ولا أعرف سباحا عربيا أولمبيا واحدا نال ميدالية حديدية، وهذه ليست نكتة، أثناء أولمبياد 92 في مسبح برشلونة الأولمبي تخلف متسابق سعودي عن بقية المتسابقين الذين ذرعوا ضفتي المسبح مرتين وهو بعده في المرة الأولى مما أهّله (أهّل تأخره) لأن يكون في المقدمة، كما يقول كوبرتان لا يهم الأرقام القياسية بل المهم المشاركة، ما علينا من الرياضة فنحن في صدد الحديث عن البحر وعدم ارتباط العرب به، لا يختلف عاقلان على كون قناة السويس مشروعا أوروبياً، فكراً وهندسةً وتنفيذا وتمويلا، باستثناء جزيرة سوقطرة اليمنية، التي أعجبُ كيف لم تنزعها إثيوبيا منا بعد! فليس لنا جزيرة واحدة تستحق اسمها، الطنبتان، قبرص، رودس، كريت، لمبيدوزا، صقلية أرخبيل البليارس، هذه الجزر رغم قربها من مياهنا الإقليمية ليست لنا، مالطة تكاد تصرخ ‘أنا جزيرة ليبية’، الكناري او الخالدات انتزعتها اسبانيا، زنجبار تخلينا عن سيادتها، صقلية انتزعها منا النورمانديون، قد يقول قائل انه كان للدولة العثمانية أسطول قوي، ولكنه دُمِّر في ليبانتي، في موقعة نافارين أغرِقتْ كل سفن المصريين والعصمليين، وقد يقول آخر كان هناك عروج باشا وأخوه خير الدين بربروسا ولكنهما كانا أرناؤوطيان ،وقد يقول ثالث انه كان عندنا رياس بحر باهرون من طراز العلج علي وصالح ريس وحميدو باشا كانوا يبارزون الفرنجة في القرصنة بسفن شراعية يحركها جذافون وعبيد وأسرى، نعم، ولكننا فقدنا السّبَق باختراع (الفرنجة) للآلة البخارية، أصبح البحر، إلا أقله، في أيديهم، أفقدونا الثغور البحرية، طنجة وعدن وباب المندب وطرابلس الغرب وأغادير ووهران، أفقدونا البحر برمته ومعه البر، وهذه هي البحرين اسم على غير مسمى، وتلك هي شواطئ الإمارات أصبحت مستعمرات بحرية للبوارج الفرنسية والأسطول الخامس، أما مهنة الغوص للبحث عن اللؤلؤ التي كانت منتشرة هناك فقد انقرضت بعد أن فتح الله على الغواصين بما هو أهون وأثمن من اللؤلؤ، أستطيع ان أجزم بكل اطمئنان أن البحر الميت (الذي نملك نصفه)، هو بحرنا الوحيد، وأن كلمة اصطرلاب ليست عربية فكيف يكون اختراعا عربيا؟ وأزيدكم من الشعر بيت، حين أرادت سلطنة عمان تخليد ذكرى ملاحها الشهير ابن ماجد فانها لم تستطيع أكثر من بقششة ملاح انكليزي ببترودولاراتها ليقوم بنفس الرحلة حول رأس الرجاء الصالح، بوسعكم أن تقولوا لي كل شيء عن العرب سوى انهم أمةٌ بحرية، ليس عندنا شاعر للبحر، لا بول فاليري عربي، ولا أميرال البحر، لا نيلسون ولا أرمادا، لا أوديسا، لا بحرنامه ولا مقبرة بحرية، باستثناء رواية ‘الياطر’، لا يوجد شغف أدبي بالبحر، لا موبي ديك ولا زوربا، يمكن المواصلة الى ما لا نهاية، كل ما يربطنا بالبحر هو بعض قصص سندبادية تظهر ارتيابنا منه، حفنة قراصنة صوماليين ومهاجرين حراقة، ويخوت فخمة اشتريناها من امريكا وتستعمل ككازينوهات للقمار ومواخير في مراسي مربيا المنورة وبانكوك المنوّرة، ما أحوجنا الى تواصل صميمي مع البحر لنتخفف من صحرائنا، ها قد أوصلتني أفكاري البيضاء والسوداء والزرقاء إلى نتيجة إيجابية، وإلى نهاية الرحلة، فرضة باليرمو التي سأحدثكم عنها لاحقا.