عن الحكومة المنّانة.. والجزيرة للمرة الالف

حجم الخط
0

الطاهر الطويل ‘اشكون شكرك يا العروس؟ امي وخالتي’، مَثل عامّي مفاده أن مَن يثني على العروس هم أقرباؤها، وهو يصدُق على الحكومة المغربية التي شرعت مؤخرا في ‘زفة’ دعائية لـ’منجزاتها’ عبر مختلف وسائل الإعلام والاتصال ومن بينها التلفزيون.

توقيت هذه ‘الزفة’ لا يهم، وإن حاول بعض الماكرين ربطه باقتراب موعد الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها (في 25 نوفمبر)، حيث ينوي عدد من الوزراء المغاربة الترشّح لها، لتحقيق المزيد من الرفاهية للشعب المغربي! بل المهم هو الحصيلة الكبيرة التي تزفّها حكومة ‘آل الفاسي’ الرشيدة للمواطنين المغاربة، مستعرضة الإنجازات الجبارة المتحققة ـ على عهدتها ـ في مختلف المجالات الاجتماعية من صحة وتعليم وسكن وتغذية وغيرها. لكن الواقع يكذّبها بالملموس وكذلك تقارير المنظمات المحلية والدولية، والصحف والمواقع الإلكترونية تنشر يومياً أخباراً تُثبت أن الصحة ‘مريضة’ بسبب ندرة المستشفيات بالعديد من أقاليم المغرب وقلّة التجهيزات فيها، وأن التعليم متدنِ بسبب برامج الوزارة المعنية وسياستها المتذبذبة، وأن التغذية مُرّة بسبب الارتفاع الصاروخي لمحتويات القُفّة، وأن السكن اللائق أصبح مطلبا عسير المنال بالنسبة للكثيرين بسبب جشع فئات متعددة من المضاربين العقاريين أفرادا كانوا أم شركات. لا فرق، إذن، بين صاحب مال ونفوذ يقيم الولائم ويوزع العطايا على الناس طمعاً في تزكيتهم له خلال يوم الاقتراع، وبين وزراء يطبّلون ويزمرون لأنفسهم ولما يقولون إنها مكاسب ومنجزات، فالحكاية في النهاية مجرد حملة انتخابية سابقة لأوانها. والحملات في المغرب، كما في معظم بلدان العالم الثالث، مواعيد ظرفية مرتبطة بمناسبات فقط: حملة التلقيح، حملة تنظيف الشواطئ، حملة جمع التبرعات… الخ؛ لكن المثير في الحملة الحكومية المغربية الحالية أن تكاليفها المالية باهظة جدا، وقد استفادت منها شركة للتواصل، تعاملت مع المغاربة كما لو أنهم جميعاً أمّيون، إذ اختارت لشعارها عنوانا باللهجة العامية: ‘آش تغير في حياتنا؟’ (ماذا تغير في حياتنا؟) خارقة بذلك مقتضيات الدستور المغربي التي تنص على أن العربية (وليس الدارجة) لغة رسمية للبلاد، وبجانبها طبعاً الأمازيغية.

والملاحظ أيضا أن هذه الحملة جاءت متزامنة مع حملة مكثفة أخرى، تقف خلفها الحكومة الموشكة على الرحيل. هذه الحملة التي تُمرَّر عبر التلفزيون كما لو أنها إعلان تجاري، تحمل من ‘الدهاء’ الشيء الكثير، وتقدّم للمغاربة خطاباً ضمنياً مفاده: ‘عليكم أن تشكروا الحكومة وتحمدوا صنيعها، فلولاها لمتّمْ جوعا’. في تلك الوصلة التلفزيونية الدعائية، يقول صاحب دكان للزبونة: ‘هل تعلمين أنه لولا صندوق المقاصة لكانت أثمان المواد الاستهلاكية أكبر بكثير مما هي عليه الآن؟’ فتجيبه قائلة: ‘لهلا يخطّي الدولة علينا!’ (دعاء بدوام الدولة، ، والمقصود بها الحكومة)… ‘إياك أعني وافهمي يا جارة’! فموتوا بغيظكم يا من يقومون بالمظاهرات والمسيرات السلمية مستعجلين رحيل الحكومة ومحاربة الفساد، يا من يزعمون أن أسعار الخضروات واللحوم والأسماك مرتفعة! اثنوا على الوزارات التي توفّر لكم ما تأكلون وما تشربون، حتى وإن لم تدفعوا الضرائب (بالمناسبة هناك حملة تلفزيونية أخرى لتحسيس المواطنين بدفع الضرائب على السكن والمحلات التجارية). لذلك، احذروا أن تصيبكم ‘عدوى’ الاحتجاج. فالحكومة بيدها الخزائن التي تقيكم نار الغلاء، ويمكن أن تترككم في مواجهة هذه النار متى رفعتم أصواتكم بالتعبير عن عدم الرضى!

هذه، إذن، هي الوصفة السحرية التي نصح بها ‘الاستراتيجيون الكبار’ حكومتنا ‘الرشيدة’: ‘أكثروا عليهم من المنّ حتى يصدّقوكم، ويكذّبوا أعينهم وواقعهم وما تقوله تقارير المنظمات المحلية والدولية’! ولكن، إلى متى؟

في الحاجة إلى إبداع برامج تلفزيونيةغريب أمر هذه الفضائيات التي تصر على تحقير المخيلة العربية، فبين الفينة والأخرى تخرج علينا فضائية من فضائيات آخر زمان بإعلان بالبند العريض وحملة إعلانية ضخمة: ‘نبحث عن أفضل راقصة للعرب’، وأخرى ‘arab idol’ وثالثة ‘أكاديمية النجوم’،… إلخ، وكأنها اكتشفت مياها على سطح المريخ أو لبتون أو بلوتون… آخر هذه الفضائيات كانت قناة م. ب.

سي الأولى التي خرجت علينا مؤخرا بفتح مبين جديد يحمل تسمية ‘arab got talent’ فأقامت له الدنيا ولم تقعدها وكأنه سبق سيحول مسار الإعلام في العالم، ويجعل قنواتنا العربية تحمل شعلة القيادة بنبوغها الجديد المذكور. هذا البرنامج، أيها السادة والسيدات، كغيره من برامج أخرى تتبجح بها بعض الفضائيات في عالمنا العربي، ليس سوى نسخة ممسوخة من البرنامج الأمريكي الشهير ‘american got talent’ ، الذي يُعتبر نبوغا لافتا بمنطق الثقافة الأمريكية وفي سياقه الخاص هناك، ويتحول إلى ما يشبه النعجة ‘دولي’ في سياقنا العربي.

وأقل ما يمكن القول عن مثل هذه المواد التلفزيونية الهجينة، أنها تعكس عجز القائمين على الإعلام العربي عن التفكير في برنامج تفاعلي حقيقي، يحمل قدرا هاما من الابتكار والخلق والإبداع ويعكس خصوصيات واقعنا العربي، بعيدا عن أي شكل من أشكال الاستلاب الإبداعي والانبهار المجنون أمام الإعلام الغربي. فمتى يخجلون من أنفسهم… ؟’الجزيرة’ مرة أخرى وللمرة الألف!

من جديد، توجه سهام الاتهام لقناة ‘الجزيرة’ بادّعاء صلتها المزعومة بالنظام الأمريكي. يقول مثل عامي: حينما لا يصل القط إلى اللحم يقول ‘نيئ’. وكذلك الأمر بالنسبة للشباب الطائش، حينما يعاكسون فتاة ما، فتعرض عن ألفاظهم الخادشة للحياء ولا تجيبهم، يتقولون عليها بأبشع النعوت.

نحن هنا، لا نرمي الورد لـ’الجزيرة’، ولكن الواقع يثبت أنها أضحت معاملا أساسيا في المشهد الإعلامي البصري العربي والعالمي. صحيح أنها ترتكب أحيانا أخطاء مهنية شتى، وصحيح أيضا أنها تكيل بمكيالين في التعامل مع هذا البلد أو ذاك، مع هذا الزعيم السياسي أو ذاك؛ غير أن كل هذا لا يمنع من القول إن ملايين المشاهدين العرب وغير العرب يعتبرونهم مرجعا أساسيا في تلقي الأخبار والاستماع إلى وجهات النظر.

و’الجزيرة’ أيضا تغيظ أصحاب القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد جربوا محاولات عديدة لسحب البساط من تحتها من خلال تمويل فضائيات ناطقة بالعربية، ولكنهم لم يفلحوا. يمكن أن تكون ‘الجزيرة’ حريصة على تحقيق ‘توازنات’ معينة، سواء مع أمريكا أو مع ‘إسرائيل’، بيد أن هذا المنحى الذي قد تمليه اعتبارات سياسية واقتصادية كبرى، لا يعني أنها ‘باعت الماتش’ بلغة الرياضيين، أو أنها تخلت كلياً عن رصيدها الإعلامي الذي جعلها مصدر اعتزاز لدى الكثير من العرب، ولاسيما مع هبوب نسمات الربيع العربي التي رفع خلالها أبناء عدة بلدان لافتات كتب عليها: ‘شكرا الجزيرة’! كاتب من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية