الإعلام العربي بحاجة إلى إعادة بناء ذهنية تراعي المجتمعاتالتقته فاطمة عطفة: شعرت بحرج شديد وأنا أقوم بإعداد الأسئلة قبيل هذا اللقاء، لأن من أحاوره شاعر متميز في المقام الأول، لكني تغاضيت عن الحديث في الشعر وإن بدا تصرفا مثيرا للاستغراب، وركزت أسئلتي على الإعلام والفنون التشكيلية والمسرحية والدراما التلفزيونية، التزاما بتغطية المجال الذي كلفتني به ‘القدس العربي’. وأعترف للقراء الكرام.. وللشاعر العزيز بأني لم أمتلك الشجاعة الكافية لأخبره بذلك. وحين رأيته يستجيب لأسئلتي بكرم الاهتمام ورحابة الصدر، رغم بعدها عن اهتمامه الأول، شعرت بمزيد من الاحترام والتقدير لهذا المبدع القادم من الجزائر. ويطيب لي أن أحييه وأشكره على تفضله بهذا اللقاء خلال زيارته لأبوظبي بمناسبة صدور العدد الأول من مجلة ‘الإعلام والعصر’ وهو من الهيئة الاستشارية للمجلة التي صدرت عن المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان. إنه الشاعر والمسرحي والإعلامي الجزائري عز الدين ميهوبي، وزير الاتصال الجزائري سابقا، وقد عمل بالصحافة ورأس تحرير جريدة الشعب وأدار الإعلام والبرامج المتخصصة في التلفزيون الجزائري كما انتخب في البرلمان ممثلاً لحزب التجمع الوطني الديمقراطي. إن سيرة الأستاذ ميهوبي وحضوره الأدبي والمسرحي في الساحة العربية والعالمية يؤكدان المكانة المرموقة التي يشغلها في مجالاته الإبداعية. وعز الدين نشأ في جو علمي يحتفي بتراث الأمة الذي لا يقل أهمية واستنارة عن اكتساب علوم العصر ومعارفه. إن حواري معه سيكون بعيدا عن الشعر. لكني سأظل مع قراء “القدس العربي” على موعد مع الشاعر في حديث أدبي خاص بالشعر والرواية والنقد في الجزائر الحبيبة التي تعلمنا منها، على اختلاف أجيالنا، ومن ثورتها وشهدائها ونضال شعبها العظيم دروسا وتجارب لا يمكن أن تنسى. ـ ننطلق من البدايات، ما هي الملامح والذكريات الباقية من أيام الصبا؟ وخاصة أن الفنون تستلهم الكثير من مخزون تلك المرحلة؟* ‘لا أعرف لماذا كلّما سئلت عن طفولتي أجيب بأنني وُلدت طفلا فوق العاشرة، أيّ أنني لم أعش طفولة مكتملة، بالنظر إلى الحرمان الذي كنّا عليه أيّام الثورة الجزائرية، فأنا من مواليد بلدة العين الخضراء (شرق الجزائر) التي لم تكن تتوفر لا على ماء صالح للشرب، ولا على كهرباء، إذ يكتفي الناس بمصابيح الغاز، ولا مدارس. وأذكر أنّ حلاّق القرية كان يأتي بعتاده مرّة في الشهر وننتظر دورنا في طابور طويل، وأحيانا يتكفّل بالأمر أحد الأقارب الذي يحوّل رؤوسنا إلى ما يشبه تقليعة المارينز.. فالتحقت بالمدرسة كبيرا، ولم أدرس المرحلة الابتدائية كاملة، وهو العام الذي انتعلت فيه حذاء جلديا مريحا، وشاهدت التلفزيون، ورأيت الناس محلّقين حول ملعب لكرة القدم. كنت أسعى وراء تفاصيل الأشياء، أريد أن أفهم ما لا جواب له، وأجيب عن أسئلة لم تطرح عليّ، إنها الدهشة الأولى، تعيد هيكلة الوعي بكل شيء. فالحرمان هو الدافع إلى تدارك ما فات، وهو المحفّز على تحقيق أمنيات ولو كانت صغيرة. اكتشفت الكتاب، لأنّني سليل عائلة عُرف عنها أنّ قوتها يأتي من العلم والتعليم. ولأنني والحمد لله، أنعم بذاكرة تحفظ كلّ شيء بما في ذلك المهملات.. كنت إذا قرأت نصّا حفظته إلاّ الحساب، ولم أشعر إلا وأنا أكتب أشياء أزعم أنها شعر أو خواطر، ومع مرور الوقت، وجدت من يشجّعني ويهتمّ بما أكتب، إلى أن التحقت بزمرة الكتبة والكتاب، قبل أن أكتشف الألوان، وأختار بعد الباكالوريا الالتحاق بمدرسة الفنون الجميلة، وهكذا صرت كلّما استهواني شيء أسرعت بفضولي لأكتشفه، فحياتي في النهاية حالة اكتشاف مستمرة’. ـ ماذا أضافت دراسة الفنون والآداب لتجربة الأستاذ عز الدين الإبداعية؟
كما قلت، اكتشفت عوالم الجمال، لغة وألوانا، ورأيت كيف يكون التفرّد داخل المجموعة، ولا يكون إلاّ بالإبداع وتقديم الإضافة غير المألوفة. ولعلّ أقصر طريق ليكون للمرء موقع الامتياز في المجتمع، أن يوظّف مواهبه بالقدر الذي يتيح له انتزاع احترام الآخرين، وهذا يقتضي جهدا كبيرا، وصبرا على الظلم والمماحكات والغيرة، لأنّ أعداء النجاح ينتشرون كالفطريات في أرض الله. أمّا الإضافة التي يمكنها أن تعيد صياغة المشروع الذاتي للإنسان، فيمكن أن تأتي في مجال معيّن يكشف فيه عن مهارات وقدرة في إنتاج القيمة المطلوبة، وشخصيا أشعر بالراحة عندما أنتهي من نصّ شعري أو مسرحي أو أقرأ في عيون الناس شعورا بالرضا عن أي شيء، ولو في كلمة عابرة بمناسبة ما’. ـ ننتقل إلى الحياة العملية، كيف استطعت التوفيق بين المبدع الحالم بالتغيير.. والمسؤول المشغول بالواقع اليومي وتجاذباته السياسية؟* ‘مسألة التغيير، ليست مقرونة بحراك جماعي في سبيل الوصل إلى تحقيق جملة من الأهداف الثقافية والاجتماعية والسياسية، ولكنّها تبدأ مع حاجة الفرد الواحد إلى ذلك، فأن تحسّن أداءك كلاعب كرة، ذاك لأنّك تطمح إلى اللعب في المنتخب أو الالتحاق بفريق أكثر احترافية. وأن تبرز موهبتك في فرقة تمثيل فذاك لأن عينك على أن تكون نجم شبّاك، وفي كلّ موقع يكون للمرء رغبته في تغيير مسار حياته نحو الأفضل، وتتفاعل الطموحات الفردية لتكون مطلبا جماعيا، لهذا فإنّ الفرق بين المجتمع العربي والغربي، أن فعاليات المجتمع المدني في أوروبا وغيرها تتأسس على قيم الإنسان والجمال، بينما في مجتمعاتنا تعيش في ظلّ المؤسسات الحكومية، وتتغذّى على الخطاب المستهلك تماما. أكاد أقول إنّه لا يختلف عن ذلك الذي قيل له ما حاصل جمع عشرة وعشرة، فأجاب مجموعها عشرون لكن كم تريدونها أنتم… وأنا لا أجد فرقا كبيرا في أن أقوم بمهمة ذات طابع مهني أو إداري أو سياسي، وأواصل مشاريعي الثقافية، وكلّ ما في الأمر أن أحسن توظيف عنصر الوقت، إذ لا مبرّر لاستثمار وقت الوظيفة في كتابة قصيدة أو أي عمل آخر، لأن حالة التنافي ضرورية في أمر كهذا، فالمهنة تبرر بمقابل مادي لها، أما الموهبة فالمقابل قيمة اعتبارية، فهما مساران مختلفان، وقد لا يكونان متناقضين بالضرورة. ولحدّ الآن لا أشعر، كيف كتبت عديد الأعمال، دون أن يتناقض ذلك مع مسؤولياتي’. ـ الفن المسرحي يحتاج إلى جو ديمقراطي منفتح، وهذا غير متوفر عربيا، لا على المستوى الرسمي ولا الاجتماعي، كيف استطعت أن تتخطى هذه الحواجز في كتاباتك المسرحية؟* ‘يحدث كثيرا أن تكون قناعاتي الثقافية والإبداعية غير متوافقة مع رؤية سياسية محددة، أذكر هنا أنّ في العام 2005 تم إقرار لجنة مراقبة الكتاب بوزارة الثقافة، بوضع قيود جديدة تحدّ من الحريات، فأسال هذا الإجراء حبرا كثيرا، وأعلنت بصفتي رئيسا لاتحاد الكتاب مع الراحل الطاهر وطّار رفضي لذلك، من خلال سلسلة مقالات، وتمّت مراجعة ذلك الإجراء في لقاء مع وزيرة الثقافة التي تفهّمت مخاوف الكتاب. لهذا فإن إيماني بالحريّة هو الذي جعلني أصدر بيانا أرفض فيه استباحة دم الروائي السوري حيدر حيدر بعد إعادة نشر روايته ‘وليمة لأعشاب البحر’، رغم أنّ فيها ما يسيء إلى ثورتنا المجيدة، إنّما المبدأ هو حماية حرية التفكير والإبداع. وإيماني بالحرية هو الذي جعلني أضع شعارا جديدا لاتحاد الكتاب الجزائريين ‘الكلمة أولا.. الحريّة أبدا’ وأرفض أن تكون في هياكل الاتحاد لجنة للانضباط أو التأديب، فالأصل في الإبداع هو الحريّة، ولا يحاسب الكاتب إلاّ في حالتين، إذا ثبت بالدليل أنّه خائن لأمته أو إرهابي يمارس القتل والترويع. وهو ما جعلني أصدر في العام 2007 كتاب ‘لا إكراه في الحرية’. فالحرية ثابت في ممارستي للكتابة بكلّ أنواعها، بل إنني أحيانا، وأنا في موقع كاتب الدولة للإعلام، أشاهد على التلفزيون مسرحيتي ‘عيسى تسونامي’ الغارقة في النقد السياسي، فأقول أليس هذا مؤشرا على أنّ الحرية ليست كلمة فضفاضة إنما هي فعلٌ ثابت في العقل، متغيّر في الزمان’. ـ أنت متعدد المواهب، أين وجدت نفسك: في الشعر، في المسرح، الرواية.. أو في المقالة الصحفية؟* ‘ربّما يكون الشاعر هو الطاغي في تعامل الناس معي، ثم يأتي الكاتب الصحفي والروائي والمسرحي والمجهول جدّا هو التشكيلي، وأعتقد أن الشاعر يأخذ الموقع الأول بامتياز، وتصنّف بقية الاهتمامات في خانة متقاربة، وأنا أسعى لتقليص المسافة بينها، فتكون صفة الكاتب لا المؤلف هي الأكثر ارتباطا بي، لأن المؤلف يمكن أن يكتب عن الثوم والبصل، مثلما يكتب عن النووي والأزمة الاقتصادية والثورة والانقلاب ونقد الشعر بهدف الكسب.. أما الكاتب فإنّه يطرح قيّما جديدة وأفكارا ذات دلالات’.. ـ كيف يرى الإعلامي عز الدين ميهوبي ما يحدث من تحولات ثورية في المشهد العربي؟
وفي سياق هذه التحولات، هل ستبقى القنوات الفضائية تنتظر الصدفة ممثلة بشاهد عيان أو أننا على أبواب تغيير جذري للإعلام العربي؟* ‘الإعلام العربي الذي يسوّق نفسه المبشّر بعصر الجماهير والحرية والانعتاق، بحاجة إلى أن يعيد بناء ذهنية إعلامية عربية تراعي طبيعة هذه المجتمعات، إذ أنني لا أفهم أحيانا، لماذا تضع بعض الفضائيات البلدان العربية كلّها في سلّة واحدة، وكأنّ المطالب واحدة وإن تقاربت، ويجعل من القبائل والطوائف قوى ديمقراطية قادرة على التغيير.. مستخدما في ذلك أدوات وعناصر تحليل لا صلة لها بالعمل الإعلامي أحيانا، فيبدو إعلاما غير متوازن، أو كما وصفته سابقا، إعلام منفلت ومتواطئ، فهو يتحلّى بقليل من المهنيّة، وكثير من التعبئة السياسية… وبالتالي لا أفهم لماذا اتخذت فضائية ذات انتشار واسع أيام أزمة الكرة بين مصر والجزائر قرارا بمنع التعامل مع صور اليوتيوب، بينما يتحوّل اليوم اليوتيوب في هذه القناة إلى المصدر الأول لما يجري في سوريا وليبيا مثلا.. وابتداع عنصر شاهد عيان.. أسلوبا جديدا لتحصيل معلومة افتراضية. مع هذا الانزلاق المهني لم يعد هناك نموذج إعلامي عربي يحتذى به، مع استثناء ما تقوم به بعض الفضائيات الأجنبية التي تبث برامجها بالعربية من جهد للحفاظ على الحدّ الأدني من معايير المهنيّة. فالإعلام العربي محكوم عليه بمراجعة أدبياته والاستفادة من التحولات التي يشهدها الشارع العربي ليكون على مسافة غير بعيدة من ذلك. وهناك مسألة أخرى لا أفهمها، فشبكة السي أن أن مثلا، بعد وقوع هجمات 11 سبتمبر 2001، لم تلعب دور المحكمة والتجريم، بل اعتبرت نفسها في بيان شهير أن أمنها، كشبكة، من أمن أمريكا، وهي تضع نفسها تحت تصرّف الإدارة الأمريكية، أي أن الحريّة ليس لها معنى إذا لم تكن مقرونة بوجود أمن دائم، بينما بعض الفضائيات العربية يرقص في أعراس غيره، ويلعب أدوارا لا صلة لها بالمهنية، فهو يحاكم ويصدر القرارات، ويؤلب من يشاء على من يشاء..’ـ مرت الجزائر بتجربة قاسية رافقتها تضحيات كبرى، هل استخلص الشعب الجزائري من تلك التجربة ما يجنبه الكثير مما يجري حوله من أحداث دامية؟* ‘الأسئلة التي يطرحها الشارع العربي اليوم، طرحها الجزائريون في انتفاضة أكتوبر 1988 أي قبل سقوط جدار برلين، وبالتالي، فالحديث عن الديمقراطية والتعددية الحزبية والصحفية وإطلاق الحريات والتداول على السلطة.. أشياء مكرّسة في الشارع الجزائري، وأعتقد أن فاتورة ذلك كانت باهظة جدّا، وبالرغم من أن المشهد السياسي في الجزائر، يعكس ذلك، فإنّ الأزمة الدامية تركت ندوبا كبيرة في الجسد الجزائري، فالإرهاب استهدف الدولة والمجتمع، وكان يرمي إلى تقويض الجمهورية وثوابتها، ونجحت مقاومة الجزائريين والجزائريات لهذا الخطر الداهم، وتعزّز ذلك بالحلول السياسية والقانونية التي طرحها الرئيس بوتفليقة للاستفتاء، ضمن رؤية جزائرية خالصة تهدف إلى المصالحة والوئام، وتكريس الجهد للتنمية’. ـ كيف ترى تناول وسائل الإعلام الغربية للتطورات الأخيرة في الوطن العربي؟ هل فيها مصداقية تؤيد التحولات الديمقراطية فعلا.. أم هناك حرب إعلامية موجهة؟* ‘الإعلام الغربي جزء من منظومة القيم الغربية المؤسسة على الحرية والتعددية وحقوق الانسان، وبالتالي فإنّ تناول هذا الإعلام لما يشهده الشارع العربي من حراك فيه كثير من العنف، لا يختلف عن مواقف عديد البلدان الغربية، أمريكا وأوروبا ودول أخرى لها مواقف شبيهة، وصار التركيز على الخسائر البشرية هو الورقة التي يلوّح بها لإدانة هذا النظام أو غيره. ولكنّ السؤال الذي يطرح نفسه، إذا كان هناك ربيع شعوب وخريف أنظمة عربية، فما هي التسميات التي تطلق على ما يعرفه الشارع الغربي، بريطانيا، إسبانيا، إسرائيل، اليونان.. إنّ لها ذات المواصفات، إمّا أعمال شغب، أو نصب خيام في الساحات ومطالبات بالتغيير.. أعتقد أنّ الأزمة لا جنسية لها، إذا توفرت لها شروط معيّنة، وقع الانفجار’. ـ الغرب يواجه أزمة اقتصادية لا يعرف متى يخرج منها، والبلاد العربية تواجه انتفاضات شعبية تحتاج لوقت طويل حتى تتضح ملامحها وتستقر، برأيك لماذا كانت هذه الأحداث الكبيرة مفاجئة؟.. أم أن هناك مراكز بحث كانت تتوقع ذلك دون أن تكشف عنه؟* ‘ما كان يبشّر به فوكوياما من أنّ التاريخ بلغ منتهاه، وما كان يردده هنتغتون من أن صدام الحضارات واقع لا محالة، تبيّن أنه صدام داخل الحضارة الواحدة، وأن تصريحات تماسك الدولة في الغرب ليس أكثر من خرافة، شأنها شأن السوبرمان. ويبدو أن ما قاله نعوم تشومسكي بعد أزمة رفع سقف الدّيْن الأمريكي هذه الأيام من أنّ ذلك يمثل بداية النهاية لأمريكا، فهل سيعيد العم سام تفكيك أسئلة المستقبل، وألا تظلّ أمريكا عبئا على الاقتصاد العالمي بورقة خضراء، تزداد اخضرارا في أزمات الغير، وتصفرّ تماما في أزمتها. وأمّا مستقبل ما يطلق عليه اسم الثورات العربية، أو هذه الانتفاضات (هي أكبر من احتجاج وأقلّ من ثورة)، فهو مقرون بقدرة كلّ طرف في استيعاب النموذج المراد طرحه بديلا لما هو سائد، ولا أعتقد أنّ هناك بدائل جاهزة، إنّما هناك رغبة في إطاحة أنظمة، بعضها لفساده، وبعضها الآخر لحاجتة إلى الحرية، وبعضها أراد أن يتحرك لوجه الله..’ـ صورة ليبيا قد تكون أوضح لقربها من الجزائر، ماذا عن اليمن وسوريا البعيدتين؟ كيف ترى الصورة في ما يحدث في هذه البلدان الثلاثة؟.. وإلى أين؟* ‘ليس جديدا علينا ما فكّرت فيه مختبرات غربيّة ودوائر صهيونية قبل نصف قرن، وهي موثّقة في كتابات وتقارير، من أنّ المنطقة العربية بحاجة إلى سايسكس بيكو جديد يفتّتها إلى دويلات وطوائف، كأنهم قرأوا الأندلس جيّدا، فلا غرابة أن نرى ما يحدث، ولن نزداد غرابة إذا قلنا إنّ الذي يطلق على ما يحدث ربيعا، هو في الواقع يريده خريفا.. قد يقول بعض الناس إن هذا الكلام يدخل في خانة ثقافة المؤامرة، فليكن والله ينجينا من الآت’. ـ نعود إلى فن الكتابة.. ونبدأ مع السيناريو وأنت المتميز بهذا اللون، لماذا تقدمت الدراما السورية عن غيرها: بسبب الموضوع، النص الجيد، اللهجة الشامية، أو قدرة المخرجين والممثلين؟* ‘يبدو أن الدراما السورية قرأت جيّدا أزمة الإبداع العربي في مجال التلفزيون، لأنّ العرب وهو يستهلكون ما تنتهجه قطاعات الانتاج الدرامي المصرية، كانوا في واقع الأمر يعيشون تاريخ مصر بحاراتها ورموزها وقضاياها الاجتماعية، ولم تتجاوز الدراما المصرية محيطها، مما ولّد حالة تفكير لدى العرب الآخرين، في ضرورة إيجاد بدائلها الفنية، وكان السوريون سبّاقين إلى إنتاج الفانتازيا في البداية، ثم اقتربت أكثر من أسئلة التاريخ والمجتمع، كما أنّ التميّز السوري هو نجاحه في إيجاد التمويل الخليجي لمشاريعه، واستفاد أكثر من طفرة الانتشار الهائل للفضائيات. فضلا عن بروز حركة الدبلجة التي تناولت مسلسلات مكسيكية وبرازيلية وتركية وكورية، فكان كلّ ذلك حافزا ليهتمّ كل بلد بإنتاج ما يروق جمهوره، ولو كان محدودا فنيا، ويتجلّى ذلك في بروز دراما خليجية، وفي هذا التنوع إغناء للمشهد الفنّي العربي. وأنا أسعى لأن أترك بصمة جزائرية في بعض الأعمال التي أقتبسها من تراث الجزائر’. ـ ما هو الجديد لديك في الشعر، الرواية.. أو المسرح؟* ‘في الشعر لي مجموعتان قيد الإعداد للنشر ‘مكابدات الرجل الذي مات واقفا’ و’قصائد حملتها الريح من أورانوس’ وتتضمنان تجربة مختلفة في التعاطي مع اللغة التكنولوجية الجديدة، أمّا الرواية فإنني أشرفت على إنهاء عمل بعنوان ‘رماد السلالات’ وفي استقراء لحالة تاريخية معقدة هي كيف يكون التاريخ عنصرا حاسما في الأمن. أمّا المسرح، فاتفقت مع مسرح قسنطينة على إنجاز عمال حول شخصية صالح باي بايات قسنطينة، وهناك كتاب، أراه مهمّا، ويتعلّق بالأمن اللغوي هو ‘نهاية اللغات’ وفيه مقاربات حول الحروب اللغوية الدائرة في العالم’.