الشعب العربي.. نظام آخر.. زمن مختلف وافق مفتوح

حجم الخط
0

يوسف مكي من الناحية الزمنية والمبدئية، مثلت الثورة التونسية التي استمرت قرابة شهر، اقول، مثلت الشرارة الأولى المناسبة والضرورية التي انطلقت على إثرها الثورات العربية المتتالية من المحيط الى الخليج. هذا مع ان احمد ابو الغيط وزير خارجية مصر السابق اعتبر انتقال شرارة الثورة التونسية الى مصر عبارة عن هراء وان مصر مستقرة وليست على ابواب ثورة على غرار ما حدث في تونس، وما هي الا ايام معدودات واذا الوقائع تكذب تأكيدات ابو الغيط وتجعله اسوأ وزير خارجية مصريا في العصر الحديث غير قادر على رؤية مايمور به الشارع المصري من اسباب الثورة، لتأتي الايام اللاحقة بالعجب العجاب لتدحض هراء ابو الغيط بالحقيقة التي لا مراء فيها. اضافة الى ذلك، فإن الثورة المصرية التي اعقبت الثورة التونسية واستمرت ثمانية عشر يوما، وهي فترة زمنية قياسية من حيث السرعة، هذا اذا لم تكن اسرع ثورة في التاريخ، فقد مثلت القاطرة التي تسير في إثرها قاطـــرات الثورات العربية الاخريات. لكن ذلك لا يقلل من اهمية ودور الثورة التونسية في تحفيز الشعوب العربية والتفاعل معها وتأثيراتها غير المرئية فيما حدث لاحقا. لكننا عندما نعتبر الثورة المصرية باعتبارها القاطرة التي تجر وراءها بقية العربات، وإذ نؤكد على الدور المصري، انما بسبب من كون مصر تقع في القلب من الوطن العربي من جهة وبسبب دورها التاريخي والسياسي في المنظومة العربية سلبا وايجابا على حد سواء. فهي تحتل دور القاطرة في مسيرة الشعب العربي بالمعنى الحرفي وليس المجازي، وهذا ما تثبته وقائع واحداث الماضي والحاضر. فعندما تكبو مصر ينام الشعب العربي ويغط في سبات عميق اذا لم نقل يعيش في ذل وهوان وعلى هامش التاريخ، وعندما تستيقظ مصر يهبُّ الشعب العربي في مختلف اوطانه من المحيط الى الخليج مرفوع الرأس، وفي قلب التاريخ، لا بل يصنع التاريخ.

لذلك ليس من الغريب ان تنداح دائرة الثورة المصرية وتصل الى ابعد نقطة في المشرق كما في مغرب الوطن العربي، ليبدأ الشعب المغربي في التململ من حكمه الاستبدادي الطويل والمطالبة بالمزيد من المشاركة الشعبية لا بل بملكية دستورية، ولتبدأ الثورة الشعبية في ليبيا ضد طغيان نظام القدافي الذي اسف لسقوط الطاغية بن علي – واجهزة حكمه القمعية، ومكذبة في الوقت نفسه الاستقرار الظاهري الزائف لحكمه الممتد على مدار اربعة عقود من العسف والاستبداد والسياسة الخضراء المستندة على هراء الكتاب الاخضر، ليستعيد الشعب الليبي حريته وكرامته بعد ستة شهور من الثورة المسلحة.

وقبل ثورة 17 فبراير في ليبيا كان الشعب العربي في اليمن والبحرين على موعد مع الثورة ضد الطغيان، حيث بدأ الشعب اليمني ثورته في 11فبراير للتخلص من نظام لم يجلب لليمن سوى الخراب والدمار والحروب الداخلية والفقر والتخلف التاريخي. ولأن المصالح الاقليمية والدولية لا تزال ترى في نظام علي صالح الممثل الامين لمصالحها، فانها تحاول بطرق متعددة وملتوية اجهاض الثورة، حتى ولو تطلب الامر تطويل زمنها والوصول بها الى حافة اليأس والملل، ثم اقناع الثورة تالياً بالقبول بنظام علي صالح بنسخة معدلة من حيث الشكل، لكن النظام هو، هو من حيث المضمون ومن حيث ارتباطاته الاقليمية والدولية ورعايته لمصالحها واجندتها، وكأن شيئا لم يتغير. الا ان مسيرة الثورة اليمنية اثبتت مع الايام ان هذا السيناريو لن يحدث طالما ان الثورة اليمنية واعية لذلك. لكن رعاة النظام الاقليميين والدوليين يعتقدون لعل وعسى.. ان يحدث ما يريدون.

ولم يكن الخليج الهادر بمنأى عما يحدث في مصر او تونس او اليمن او المغرب اوليبيا، فكانت البحرين الصغيرة بجغرافيتها، الكبيرة بشعبها وبتاريخها السياسي والنضالي العريق هي اول المتهيئين للثورة والمستقبلين للربيع العربي، حيث كان يوم 14فبراير هو الموعد المضروب لانطلاقة الحركة الاحتجاجية الشعبية الواسعة وغير المسبوقة في تاريخ هذا البلد. ولأنها حركة ثورية شعبية غير مسبوقة فإن النظام والمنظومة الخليجية التي ينتمي اليها لم تتحمل مطالبها العادلة والمشروعة، فما كان منها الا ان قامت بسحقها وقمعها عن طريق تدخل قوات درع الجزيرة شكلا وهي قوات سعودية مضمونا وبمباركة امريكية وعربية، حيث الجامعة العربية لا طعم ولا لون ولا رائحة، وتسمع ولا ترى ما يجري في البحرين. إلا إنه على الرغم من القمع الشديد الذي قوبلــــت به الثورة البحرينية، وسياسة القبضة الامنية، فإن الثـــورة لا تزال مســتمرة وهي تدخل شهرها االثامن، حتى مع التواطؤ السياسي والاعلامي عربيا ودوليا مع النظام، ومع التدخل العسكري الخليجي.

ولكن مسيرة الثورة في البحرين استمرت برغم المقاييس المزدوجة، وبرغم كل الحصار المضروب عليها، كما ان قاطرة الثورة العربية لم تقف عند حدود البحرين بل وصلت الى سوريا ليهب هذا الشعب العظيم هبة رجل واحد لازاحة عقود من الاستبداد والحكم الفردي المطلق، وللتأكيد من قبل الشعب السوري نفسه انه لا يقل عن بقية الشعوب العربية الثائرة من حيث الاحلام والتطلعات المشروعة في الحرية والكرامة والديمقراطية واختيار النظام الذي يرتأيه و تحقيق الحياة الكريمة. وما تزال المسيرة مستمرة لهذا الشعب العنيد والمكافح الذي يكتب بدمه وعرقه تارخا جديدا لسوريا المستقبل. إلا انه على الرغم من الصعوبات الجدية التي تواجه الثورات العربية من قبيل الثورات المضادة والقمع الشديد من قبل الانظمة السياسية العتيقة، فإن الآفاق الثورية لم تزل مفتوحة والمستقبل العربي واعدا الى حد كبير، وهو ما يبرز في روح النفس الطويل الذي تمتازبه تلك الثورات، وهو ما يتجلى ايضا فيما يبرز من احتجاجات شعبية هنا اوهناك كما هو حاصل في الاردن مثلا وفي الجزائر بين فينة واخرى وفي العراق، وهي كلها في المحصلة النهائية تحركات تدخل في سياق تتابع الثورات العربية وكأنها قطع الدومينو المتساقطة التي سيشمل تأثيرها معظم إن لم يكن كل البلدان العربية بطريقة او اخرى، عاجلا ام آجلا. ولكن عندما نؤكد على دور مصر فيما يحدث في المنطقة العربية من ثورات وحراك غير مسبوق، لا يجب ان يفهم من ذلك ان الثورات العربية مجرد محاكات لما جرى في مصر. فهذا في الحقيقة ابعد مايكون عن منطق واسباب تلك الثورات. ذلك ان للثورات منطقها واسبابها ومبرراتها الخاصة بها التي قد تتشابه في اشياء وتتخالف في اشياء، ولكنها تبقى حركات اصيلة، وفي التحليل الاخير لا تشبه الا نفسها ولا تصدر الا عن اسبابها هي، كما انها صنيعة الشعب الذي يقوم بها اولا واخيرا.

ومن الطبيعي ان الثورات تستفيد من الثورات. لكن اللاحق لا يكون انعكاسا للسابق بحكم اختلاف الظروف والملابسات والاسباب المباشرة وغير المباشرة في قيام الثورة.

وعلى هذا الاساس فإن الثورة المصرية هي الثورة المصرية بامتياز، والثورة اليمنية هي الثورة اليمنية وليست المصرية، والثورة البحرينية هي البحرينية وليست المصرية ولا اليمنية وهكذا بالنسبة لبقية الثورات العربية.

إلا ان هذه الثورات على اختلافها وتعدد منطقها وتنوع ظروفها بتعدد البلدان العربية، فهي تتفق في شيء واحد مهم وهو انها اثبتت بشكل جلي ان الانظـــمة العربية وبدون استثناء لم تعد قادرة على الاستمرار، وقد تجاوزها الزمن منذ زمن، ولم تعد قادرة على مواكبة المستجدات، او الحكم بالطريقة القديمة ومنطق الاستحواذ والغنيمة، لذلك لا بد من الرحيل وهذا من طبيعة منطق الامور والتاريخ حتى ولو كابرت تلك الانظمة او قامت باداء رقصة المدبوح، فإنها لا محالة ستذهب مع الذاهبين، وستمكث في الغابرين.

وارتباطا بالاحداث والوقائع المتواترة في اكثر من بلد عربي منذ بداية هذا العام حتى الآن، فإن الشعوب العربية باتت على يقين باهمية طي صفحة هذه الانظمة، كما ان هذه الشعوب تمثل حالة متقدمة على انظمتها السياسية، واجزم انها اكثر تحضرا منها، وتستشعر مجيء زمن آخر، ونظام آخر، وترغب ان تعيش زمنها بكل مافيه من حياة وحيوية وروح العصر، وهي امور طالما افتقدتها الانظمة العربية منذ زمن بعيد بفعل التقادم وتخثر الدماء في عروقها، فلم تعد تستشعر المجريات واضمحلت لديها الحساسية التاريخية لسنة التغير. فما كان من الشعوب الا ان تثور على تلك الانظمة البائسة واليابسة والفاقدة للحساسية.

اما الشعوب حتى لو بدت في برهة تاريخية في حالة سكون، فهي تظل حية وتختار الوقت المناسب لتنفض عنها غبار الذل والقمع والزمن الراكد. وهذا ما حدث بالنسبة للشعوب العربية، حيث الثورة هي الطريق الانسب للحياة الافضل، وكنس ما علق بتاريخها من جمود واستبداد وطغيان طال امدها. انها الشعوب العربية النابضة والحية تصنع حاضرها ومستقبلها باتجاه نظام آخر وزمن مختلف وافق مفتوح برغم الكلفة الباهظة التي يجب ان تدفعها تلك الشعوب، الا انها على ما يبدو حزمت امرها وليكن مايكون. ‘ باحث في علم الاجتماع البحرين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية