من سخرية الثورات: المجلس العسكري ملك الزمان

حجم الخط
0

د. يحيى مصطفى كامل

للثورة جانبها الساخر، و في حالة الثورة المصرية العبثي أيضاً… تصادف أن جمعتني ندوةٌ أقيمت في لندن بأحد القيادات من كبار الناشطين في حقل العمل العام قبل الثورة و من وجهاء المرحلة الحالية و نجومها اللامعين، و قد تزامن ذلك مع بداية تيقظ الجمهور على المحاكمات العسكرية للمدنيين و الكشف الطبي على عذرية بعض المتظاهرات و ما إلى غير ذلك من ممارسات قبيحة تتراوح بين الفظاظة المفرطة وصولاً إلى الانتهاك لأقدس حقوق الإنسان قبل المواطن، ولذا فليس من عجب أن بدأت تنثال الأسئلة المستفسرة المستنكرة من كل الجهات و من أناس ذوي مشارب مختلفة عن المجلس العسكري… العجيب فعلاً أن ذلك الناشط راوغ و زاغ في الإجابة و الأهم من ذلك أنه لم يحاول إخفاء ذلك، بل لعله كان يقصد الإيحاء إلى الحضور بأنه لايستسيغ الحديث في هذا الشأن؛ ليس ذلك فحسب، فالأكثر لفتاً للانتباه أنه انبرى متحمساً و في نبرةٍ مسرحية راغبةٍ في التأثير يحملها صوتٌ مدرب ليؤكد: أن القوات المسلحة هي وتد الخيمة و أنه لا يسمح لأحد بالمساس بها…!! للحق، دهشت..(و ذلك على الرغم من مباهاتي بأن الايام علمتني بألا أُدهش لشيء) استدرك الرجل فيما بعد فسلم على مضض و بصوتٍ خافتٍ مستحٍ بأن تصرفات المجلس يشوبها قدرٌ غير ضئيلٍ من الارتباك عائدٌ لقلة الخبرة، كما أنه أكد في حديث خاص بأن أعضاءه يسألون النصح و المشورة و يستمعون جيداً… فيما يخصني، عبرت عن أرائي حينها بصراحة فقلت في تصرفات المجلس العسكري ما فيه القسمة مما جادت به القريحة مما سبق و ضمنته في مقالات سابقة؛ ما يعنيني هنا أن هذا الرجل من أجرأ معارضي مبارك الذين كانوا يهتفون بسقوطه كل يوم في زمنٍ لم يبح فيه الكثيرون من المتنطعين على الثورة و طلقائها، و بغض النظر عن حديث الأوتاد و الخوازيق المفعم حماسةً أزعم أنها مفتعلة فإن كلام الرجل استوقفني و استغرقني… حضرتني مسرحية المبدع الراحل سعد الله ونوس الفيل يا ملك الزمان حيث يلح الناس على مقابلة الملك ليجأروا مما حل بهم من فيله الذي عاث في الارض دماراً و قتلاً حتى إذا وقفوا في حضرته جعلوا يمجدونه و يثنون عليه عوضاً عن عرض شكاتهم.. سألت نفسي، ما الذي يدفعه لذلك؟ منذ الأيام الأولى للثورة و أنا أراقب و أترقب عن كثب تحركات الجيش؛ لست ساعياً لادعاء الحكمة بأثرٍ رجعي و إنما لأنني أدرك من دروس التاريخ أنه منذ ثورة يوليو 52 والمؤسسة العسكرية دائماً ما تلعب الدور الحاسم و الفاصل في اي نزاعٍ على السلطة العليا في مصر… لذا، و مع تعاظم و اتساع الثورة و بداية تضعضع ثم انهيار منظومة الأمن الشرطية تدخلت القوات المسلحة كما مان متوقعاً منها لتبدأ مرحلة من عمر الثورة المصرية تشهد دوراً متعاظماً لها، سافراً حيناً و مستتراً في احيانٍ أخرى، ولنا هنا جملة من الملاحظات… أولاً، لقد أدرك قادة الجيش( كما أدركت أطراف عديدة على رأسها الولايات المتحدة) أن مباركاً بات و رقةً محروقة و ميتاً سياسياً، و فهموا جيداً و بحدة ما لم يفهمه الأخير لبلادته و شح ذكائه وغيبته عن الواقع المصري: أنهم أمام ثورة حقيقية، ثورة جارفة عارمة غير مسبوقة ما يني سقف مطالبها يرتفع و تؤذن بجرف كل ما يقف في طريقها، و أن مؤسسات الدولة، على فراغها، سوف تتساقط واحدةً بعد الأخرى، بل، و الأهم من ذلك فقد تيقنوا بالدليل العملي أن الحل العنيف القمعي لا مكان له كونه لم و لن يجدي بل سيزيد النار ضراماً… لقد تحلوا إذن بالواقعية إذ أدركوا أنهم لا يملكون من أسباب القوة ما يستطيعون به الوقوف أمام الطوفان البشري، لا سيما أنهم حتماً وضعوا في اعتبارهم أن متوسطي الضباط و الرتب الصغيرة ليست لهم أية مصلحة في الدفاع عن مبارك و نظامه نظراً لما وصلت إليه حالهم من التدهور و صعوبة الظرف المعيشي، فضلاً عن كون الجيش المصري وطني في تكوينه و لم يُدرب أعضاؤه أو يعدوا لمهام كالتي تقوم بها الشرطة من القمع. و هناك سؤال جوهري يطرح نفسه: ألم يكن في الطوفان ما يفيدهم؟

بكل تأكيد… أن الجيش لما تحرك لحماية ما تبقى من هيكل الدولة على اهترائه صرع بذلك الحجر الميمون عدة عصافير: أولاً، أحبط مشروع التوريث نهائيا حيث لم يكن سراً أنه في جملته كان ساخطاً ناقماً على مشروع التوريث الذي كان يدك الأرض بخطى واثقة قبيحة؛ ثانياً، أعاد المكانة للجيش الذي فاضت مرارة ضباطه من تهميشهم مقابل تعاظم دور الشرطة و تضخم رصيدهم في حساب القوة، و ثالثاً كسب ود الشارع و حاز شعبيةً جارفة ربما لم يعرف مثلها في تاريخه، و رابعاً، فقد لا يخلو الأمر من إرضاء طرفٍ خارجي ربما أوعز ( أو ألح؟..) بأن على مبارك المضي… أنا طبعاً لا أنفي كليةً أية مشاعر وطنية عن أعضاء القيادة، إلا أنني أكاد أجزم بأن ما حركهم هو حسابات دقيقة و ليس المشاعر… لقد اتخذوا بذكاء الخطوة الوحيدة المتاحة و الواقعية.

أما ثالث الفصول فيرفع فيه الستار عن المجلس العسكري حاكماً فعلياً، و تكفي بضعة ساعات من التأمل الدقيق لمجرى الأحداث لندرك أنه، و بعد فترةٍ من التخبط و التحركات و التصريحات التي تختلط فيها المبادئ النبيلة و النوايا الحسنة و التظاهر بالنفور و عدم الرغبة باللعبة السياسية بأخرى تتراوح بين انعدام الكياسة و الخراقة الصريحة المدهشة، بدأ المجلس يجيد اللعبة فارضاً نفسه كقوةٍ أساية حلت لتبقى… و تحت ضوضاء إعلامٍ مشبوه يصفق للثورة و تحت مظاهر الاحتفاء و تمجيد العلاقة بين الجيش و الشعب المصري العظيم، إذا به يعيد إنتاج نظام مبارك منتهجاً نفس آلياته المميزة و أهمها: العند و البطء… بالطبع هناك فارق نابع من إدراكهم أن ثورةً فريدةً في التاريخ قد انفجرت بما لا يسمح بالعودة إلى عدم الاكتراث بهذا الشعب و التعامل معه ككتلة صماء مهملة، و لذا فهم يسمعون و يتظاهرون بالاهتمام و يتملقون حالة التوهج الوطني… لقد قبلوا على مضض، و تحت ضغطٍ عارم، بالتضحية بتلك الثلة العتيدة من رموز النظام لعلمهم قبل غيرهم بأنها أصبحت عبئاً و محض أوراق ميتة تهاوت من شجرة النظام؛ المهم ألا يقترب أحد من النواة الصلبة و قلب النظام ألا و هو التحالفات الإقليمية و الدولية و الارتباط العضوي بشبكة رأس المال العالمي و المصالح الأجنبية و احتكارات السلاح و طرق النفط، وقبل ذلك العتبات المقدسة من رموز المجلس؛ من هنا نفهم غزارة الحديث عن الشكل السياسي الصرف للدولة و العملية الانتخابية دون التطرق و أحياناً تجاهل الشأن الأهم حول العدالة الاجتماعية و إعادة تشكيل المجتمع مع رد ممتلكات الشعب التي شيدت اقتطاعاً من قوت المعدمين ثم بيعت بخساً، كما لو كان مبدأ الخصخصة التي لم يُستفت عليه أحد صائباً و المشكلة تكمن فقط في السمسرة النهبية و العمولات.

إنه ليخيل إلي أن المجلس العسكري بعد طول بحثٍ عثر على مستشارٍ داهيةٍ محنك أملى عليهم هذه الخطة فها هم يراهنون على الوقت و فيما يغازل كل فريقٍ على حدا ( خاصة اليمين الإسلامي ذو الثقل في الشارع والذي لا يعترض على التركيبة الاقتصادية الاجتماعية) فإنه يستغل الإعلام المشبوه ليغرق القيادات، و خاصةً الشبابية، في بحر الأضواء الفضائية و يلعب على بعض الذوات المتضخمة التي أخذت تنشق على أحزابٍ لم تتكون بعد… مما يؤدي، طبعاً إلى تشرذم القوى السياسية و استهلاك طاقتها بينما يلتف النظام حولها ساعياً إلى إعادة تهميشها كما كانت من قبل أمام جمهورٍ يدمر معنوياته الملل و اليأس و الضيق من فصائل تعيد إنتاج الضعف و يراهن كلٌ منها على الحصان العسكري تماماً كسابق عهدهم.

و أخيراً، تأتي الحماقات و التصرفات غير المحسوبة التي تحيط بها علامات استفهام و شكٍ عديدة لتصنع قاعدةً شعبيةً للجيش الذي لن يتردد في استثمار الخوف من الفوضى و حديث المؤامرات الخارجية وتعبد الطريق له كمخلصٍ و خيارٍ مضمون و آمن يستطيع إعادة النظام لشارعٍ منفلت.

لا يعني ذلك أنني أتملص من مسؤوليتنا كجمهور أسقط على الجيش تصوراتٍ مثالية و أخذ يطبل و يزمر.. الخلاصة، لكل ما سبق فإنني فهمت لماذا خشي القيادي من التعرض للمجلس، فالحال أنه وغيره الكثيرين من العلمانيين ينتظرون الفرج و منَّة الجيش مراهنين عليه خوفاً من الإسلاميين ( الذين يقومون أيضاً بالتنسيق و التربيط مع الجيش…) و من كان يناضل و يتظاهر فلا يخشى أن يضرب و يزج به في المعتقل ساباً مباركاً و نظامه بات لا يطيق التلميح إلى الجيش، تماماً كسيرة بعض قدامى المناضلين من مبارك.

ألم أقل أن للثورة جانبها الساخر؟!’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية