ثورة ليبيا.. والفخ في التدويل

حجم الخط
0

لا ادري ان كان من المفرح حقا ما آلت اليه الحال في ليبيا. بداية هو ليس دفاعا عن نظام القذافي لأنني اظن ان هناك اجماعا عاما على فساد هذا النظام وديكتاتوريته التي وصلت درجة تقديس الحاكم، وعبودية المحكوم. ولكنه امعان نظر في حقيقة ما يجري.

لا بد اننا ندرك ان من حق الشعب الليبي ان يختار طريقة حياة اكثر حرية وكرامة مما كان عليه، كونه ظل تحت حكم القذافي لأكثر من اربعين عاما. عاش فيها الشعب الليبي ظروفا حياتية صعبة، فكانت ليبيا الدولة النفطية دولة لا تقارن بمثيلاتها. حتى اننا نشعر انها من الدول الأكثر فقرا في العالم، لما نجد فيها من مظاهر التخلف وسوء البنية التحتية وضعف المؤسسات. في حين كانت توزع ثروات هذا البلد على دول اخرى بطريقة جنونية بغية تحقيق اهداف خاصة بالقذافي وعائلته وجلها بغية امجاد شخصية. وبالنظر الى ذلك وما يفوقه من دوافع لهذه الثورة نجد انفسنا متعاطقين مع الشعب الليبي في ثورته. ونجد أنفسنا نمني النفس بسقوط نظام القذافي والبدء بعصر جديد يكون اكثر عدلا لهذا الشعب الذي تحمل الكثير طوال هذه السنين.

ولكننا اليوم واذا نظرنا بتجرد الى الوضع القائم نجد ان نتائج ما يحدث كانت لا تخدم الشعب الليبي في حقيقة الأمر. انما تخدم مشروعا تقسيميا جديدا. بل وتخدم وضعا استعماريا جديدا. لقد كان التدخل الأجنبي هوالعامل الحاسم في هذه ‘الثورة’ بمعنى اخر ان الناتو هو من انتصر في هذه الثورة. ولا اظن انه سيجانب الصواب كل من تساوره شكوك سوداوية في دوافع تدخل الناتو، كوننا جربنا هذا الأمر سابقا. وفي دولة عربية تعج بالثروات هي العراق. ربما سيجد البعض ان المقارنة هنا في غير مكانها ولكنه واقع الحال والأحداث الأخيرة كلها تثبت ذلك. ففي الوقت الذي نجد التدخل الأمريكي- الأوروبي في بلد ما. يغيب في بلد آخر هو في نفس وضعيةالبلد الأول. بمعنى آخر انها سياسة ‘الكيل بمكيالين’ او ‘المعايير المزدوجة’. وهذا له اسبابه ودوافعه. فالتدخل مرهون بمدى العلاقة بين دولة ما والولايات المتحدة الأمريكبة. ومرهون ايضا بمدى الفائدة التي ستجنيها الولايات المتحدة من هذا التدخل. وهذا الأمر ثابت والأدلة عليه يعرفها الجميع.

لقد ولى العصر الذي تحاول به القوى الاستعمارية تبرير تدخلاتها في الدول الأضعف بمصطلحات نشر الحرية والديمقراطية والدفاع عن حقوق الأنسان. كون هذه الدول نفسها لا تمتلك ادنى درجات احترام حقوق الأنسان. حتى خلال حملاتها التي تشنها بهدف مساعدة الشعوب المقهورة. أليس من التناقض ان يقتل ويشرد الناتو البشر وهو يدعي الدفاع عن حقوقهم كما حصل في العراق وافغانستان؟ واليس من التناقض ان لا تكون حماية دولة ما ونشر الحرية فيها الا بتقسيم هذه الدولة الى دويلات كما حصل في السودان ويحصل في العراق ايضا؟

لقد كنا سنفرح ونهلل عندما يقلب الليبيون الطاولة على القذافي ونظامه بذات الطريقة التي حدثت في مصر وتونس. كنا سنسعد بثورة صنعوها وحملوها الى آخر الطريق بأيديهم، ولم يسمحوا لغريب بالتدخل في بلادهم. ولكن ذلك لم يحدث وكان لمن لانريد لهم مكانا بيننا ما ارادوا، واصبح لهم موطأ قدم في بقعة جديدة في هذا العالم العربي. اقسى ما يمكن ان تشاهده ولا يقبله العقل هو جل امتنان الثوار في ليبيا الى الولايات المتحدة الامريكية. ففي سبيل ابعاد ديكتاتور يلقي الليبيون بأنفسهم في حضن قوة استعمارية هي امريكا وحلفائها. والأقسى من ذلك ان تكون هذه الثورة شاهدا على محدودية العقل العربي وسوء تقديره لعواقب الأمور. فنجد اننا شعوب لم تتعلم يوما من اخطائها. الم يشهد اهل ليبيا ما أصاب الشعب العراقي بعد ما سمي بحرب تحرير العراق؟ فتستفزك مثلا صورة احد الثوار يقبل العلم الأمريكي.. و يستفزك اكثر ان تقرأ خبرا في صحيفة، يتحدث فيه مراسل اسرائيلي كيف استقبله الثوار بحرارة.. وتقرأ على لسان معارض ليبي قوله:’اننا سنعمل على الحد من تهريب السلاح الى قطاع غزة من خلال ليبيا’. وان كنت اتمنى ان تكون كل هذه مخاوف تراودنا وأنها لن تكون صحيحة، ولكن نظرة شمولية الى ما يجرى، ستدفعنا الى ان نسأل من اين ابتدأت هذه الثورة والى اين ستنتهي؟

اتراه يحق لنا ان نسأل انفسنا سؤالا بسيطا اخرا.. من يضيع بلادنا؟ لقد قيل مرة ‘ان الطغاة كانوا دائما سبب الغزاة’… ولكن ماذا عن الشعوب التي لاتعرف طريقها؟

مؤيد موسى حبو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية