مصر : الرجل الذي خسره الاخوان وكسبه الوطن

حجم الخط
0

شحاتة عوضربما تبدو مفهومة الصدمة العنيفة التي أصابت أنصار التيار الديني في مصر من تصريحات رئيس الوزراء التركي رجب طيب أرودغان خلال زيارتة الأخيرة للقاهرة والتي دعا فيها إلى أعتماد دستور جديد للبلاد يستند على المبادىء العلمانية. فالرجل يتزعم حزبا له جذروه الاسلامية ومن ثم كانوا ينتظرون منه موقفا مغايرا.

لكن ما فات هؤلاء أن تصريحات الرجل جاءت متسقة مع التجربة التركية الحالية التي حققت ذلك التعايش المدهش بين الحداثة والمعاصرة وأثبتت انك يمكن ان تكون مسلما ملتزما وقادرا، وفي الوقت نفسه على الانفتاح على مستجدات العصر وعلى التصالح مع الآخرين. وبينما نحج أرودغان ورفاقه في الخروج من عباءة الأب المؤسس نجم الدين أربكان واستطاعوا تحرير الفكرة الاسلامية من أسر وضيق الخطاب الايديولوجي إلى سعة التفكير السياسي المنفتح على مقتضيات المرحلة وحققوا انجازات هائلة على المستويين السياسي والاقتصادي، فان الاسلاميين في مصر مازالوا حتى اللحظة متمترسين عند عتبات الخطاب العقائدي وغير قادرين على تجاوزها. بيد أن المصدومين من تصريحات أرودغان كانوا محقين في القول بأن مصر ليست بحاجة لاستنساخ التجربة التركية وليسوا في احتياج لأرودغان ليعطيهم دروسا في السياسة، فهناك فروقات جوهرية بين التجربتين المصرية والتركية، لكن الأهم هو أن هناك رموز إصلاحية داخل التيار الاسلامي لا تقل قامة عن أرودغان وغيره، تستطيع إذا أتيحت لهم الفرصة أن يقودوا هذا التيارنحو آفاق جديدة بما يتلاءم مع أستحقاقات الحاضر والتحرر من أسر الماضي.

لكن هؤلاء الاصلاحيون للأسف يواجهون بحرب ضروس من قبل القطاع العريض من التيار الديني والذي ينظر لما يطرحونه من أفكار وإجتهادات بنوع من الشك والريبة أو والعزل والتخوين حينا أوالاستخفاف والسخرية حينا.

أحد الوجوه إلاصلاحية البارزة الذي يمكن أن يلعب دورا مشابها لدور أرودغان ولكن على الطريقة المصرية، هو الدكتور عبد المنعم ابو الفتوح أهم المؤسسين الجدد لجماعة الاخوان المسلمين.

هذا الرجل الذي لاأعرفه شخصيا ولم تجمعني به سوى لقاءات صحفية عابرة، يملك رؤية معتدلة وطروحات منفتحة عابرة للانتماءات الحزبية الضيقة، وأراء تبدو متحررة من ضيق الخطاب الايديولوجى التقليدي وقادرة على تقديم تصورات مستنيرة للتعايش مع القوى الاخرى وذلك على عكس التيار العام الحاكم في الاخوان والذي لايزال أسير سمات التنظيم السري المحظور وما أنتجه من قيم سياسية تجنح للعزلة حينا و الريبة والشك أحيانا، والتشدد والاستعلاء على الآخرين في معظم الاخيان.

لقد شكل عبد المنعم أبو الفتوح وعدد من القيادات الاصلاحية التي كان لها فضل إعادة تأسيس جماعة الاخوان المسلمين في السبعينات من القرن الماضي، بما يحمله من رؤية منفتحة خطرا داهما على نظام مبارك وأعتبر هذا الجناح تهديدا مباشرا للأسس التي بنى عليها هذا النظام إستراتيجيته لمحاصرة الاخوان وشيطنتهم في مواجهة الداخل والخارج.

فعبر طروحاته المعتدلة والبحث عن القواسم المشتركة مع شركاء الوطن وجه أبوالفتوح ضربة قاصمة لإستراتيجية النظام في مواجهة الاخوان ونزع الكثير من الذرائع التي ساقها للانقضاض على الجماعة، ومن هنا كان لابد من محاصرته للإبقاء على الصورة النمطية التي تقدم للجماعة باعتبارها فصيلا متشددا لديه ميراث معتبر من الممارسات العنفية و الافكار المنغلقة المناهضة لفكر الحداثة والتطور.

وعبر التنكيل والملاحقة للرجل وغيره من الرموز الاصلاحية الاخرى سعى نظام مبارك لدفع جماعة الاخوان وقياداتها لمزيد من التشدد من خلال إضعاف موقف الجناح الاصلاحي وضرب مبرراته الأخلاقية والسياسية لصالح جناح التشدد الذي كان يؤمن بعدم جدوى أي محاولة للانفتاح على هذا النظام القمعي. ومن هنا وجد أبو الفتوح نفسه ورفاقه الاصلاحيين داخل الاخوان بين مطرقة النظام الغاشم وسندان جناح التشدد في الجماعة وكانت النتيجة الاطاحة في آخر انتخابات لمكتب الارشاد والتي شكلت ضربة قوية للتيار الاصلاحي، وخسر أبو الفتوح والدكتور محمد حبيب مقعديهما لصالح شخصيات أخرى أقرب الى ما يسمى التيار القطبي / نسبة للشيخ سيد قطب /. بيد أنه قد يكون مفهوما موقف النظام السابق من أبو الفتوح وما يمثله، لكن ما لم يكن مفهوما هو موقف قيادة الجماعة من الرجل وهو موقف بدا لكثيرين مستندا لأسباب شخصية محضة أكثر منها أسباب موضوعية لاسيما وأن الموقف العدائي تجاهه والسعي لإقصائه كليا عن قيادة الجماعة تصاعد، على عكس المتوقع، بعد الثورة وسقوط نظام مبارك. فمنطق الامور كان يقول إن عبد المنعم أبو الفتوح كوجه إصلاحي بارز وعبر ما يطرحه من أفكار وأراء يمكن أن يكون جسرا ليعبر به الاخوان من خطابهم العقائدي الضيق، إلى التواصل مع كل مكونات المشهد السياسي المصري. كما كان يمكن أن يشكل فرصة تاريخية للأخوان لاعادة تقديم أنفسهم للرأي العام بصورة مغايرة تماما لما إعتاد النظام السابق تقديمهم بها عبر وجه إصلاحي ناصع السمعة يحظى بقبول واسع لدى مختلف القوى السياسية. لكن ما حدث كان العكس تماما فقد تم فصل الرجل من الجماعة كليا بدعوى أنه خالف قرارا تنظيميا بعدم تقديم أي مرشح لخوض الإنتخابات الرئاسية. لكن الطريقة المنفعلة في قرار فصله والتي بدت خروجا على تقاليد الاخوان، جاءت دليلا إضافيا على صحة ما تردد عن الدوافع الشخصية وراء إبعاده، دون أن ينفي ذلك الاسباب الموضوعية بالغة الاهمية لخلافه مع قيادة الجماعة وأبرزها مطالبته باجراء انتخابات داخلية جديدة وإنتقاداته للطريقة التي ولد به حزب الحرية والعدالة وكذلك رفضه لما اعلنه المرشد العام محمد بديع عن عدم مشروعية إنضمام أعضاء الاخوان لأحزاب سياسية أخرى غير حزب الجماعة.

أيا تكن المبررات والدوافع وراء إبعاد إبو الفتوح بهذه الطريقة، فإن الأمر المؤكد أن جماعة الأخوان المسلمين هي التي خسرت الرجل بينما كسبه الوطن كله بما يحمله من فكر ورؤية، رغم إن حديثه عن الجماعة يبقى حديث المحب العاشق المعاتب وليس حديث الخصم المفارق لجماعته، وهو ما يعيد التأكيد على ما يمثله الرجل من نبالة وقيمة. ربما يقول قائل إن هناك مبالغة في دور الرجل وتأثيره، وأن الأبقى هي الفكرة والمبادىء لا الأشخاص مهما علا شأنهم وتعاظم تأثيرهم وأنه لا قداسة لاشخاص وأن الثورة المصرية كانت في أحد أهدافها تسعى للقضاء على شخصانية السلطة وبناء دولة المؤسسات وليس الأشخاص. وهذا صحيح تماما، لكن الصحيح أيضا أن الإفكار والمبادىء تحتاج إلى روافع وأعمدة تحملها وتنشرها وذلك يتأتى عبر شخصيات تحظى بالمصداقية والأحترام لدى الناس، كما أن الفكرة تحتاج لمن يجددها ويعيد إنتاجها بما يتواكب مع التطورات وإستحقاقات الحاضر والمستقبل، لا أن يحافظ عليها كما هي فتصاب بالجمود وتفقد صلاحيتها مع الزمن. وليس أدل على أهمية ودور وتأثير الرجل داخل جسد الجماعة ولا سيما عند شباب الجماعة الذين ينظرون اليه باعتباره مرجعية وملهما، سوى الانتقادات التي وجهها بعض هؤلاء الشباب لموقف قيادتهم منه، وهذا ما أوقع هذه القيادة في مأزق أخلاقي ومبدئي مع شباب الجماعة. لذا لم يكن مستغربا تمرد عدد كبير من شباب الاخوان على قيادتهم وهو التمرد الذي برز سواء مخالفتهم لكثير من قرارات الجماعة بشأن المشاركة في مليونيات دعم الثورة، أو ما تمثل في إنشقاق بعض رموز الشباب وتشكيلهم حزبا سياسيا مستقلا، أو في دعم الكثيرين منهم للدكتور أبو الفتوح في حملته للترشح للانتخابات الرئاسية على غير هوى القيادة التي ذهب البعض إلى الحديث عن أنها لتجاوز مأزقها الاخلاقي مع شبابها، دفعت الدكتور محمد سليم العوا للترشح للانتخابات الرئاسية وحتى تقنع جيل الشباب بأن هناك من يمكن أن يماثل أبو الفتوح في فكره وطروحاته.

أيا تكن حقيقة هذا الأمر من عدمه، فإن المؤكد أن عبد المنعم أبو الفتوح بخروجه أو باخراجه من تنظيم الاخوان المسلمين حقق الكثير من المكاسب ربما يكون أهمها على إلاطلاق تحرره الكامل من الحسابات السياسية الضيقة للجماعة لرحابة المشهد المصري برمته، وهذا ما جعله في مواقفه خصوصا من المجلس العسكري وقرارته، يكشف عورات بعض مواقف الاخوان ويضعهم في حرج بالغ أمام قواعدهم الشعبية وتجاه شركائهم في الثورة، ربما دون قصد أو رغبة منه، ولكن هكذا شاءت قواعد ومقتضيات اللعبة السياسية.

قد لا تكون لدى الرجل حظوظ كبيرة في الفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة بالنظر إلى الكثير من العوامل والأسباب، ليس هنا مقام الخوض فيها، لكن الأمر الأهم في تجربة الرجل السياسية هو في مواقفه التي تمثل، في إعتقادي، اختبارا حقيقيا لصلابته وإرادته السياسية وإتساقه مع ما يقول ويعتقد من أفكار ومبادىء بدرجة تدفع عنه شبهة أي إنتهازية أو واقعية سياسية يمكن أن تطال الكثيرين عدا أن هذا الرجل ومعه نفر قليل من مختلف التيارات السياسية مازالوا قابضين على مبادئهم رغم كل المغريات والمعوقات، وعلى هؤلاء فقط يبنغي أن نراهن لانجاح ثورة المصريين وإكمال مسيرتها.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية