خيري منصور
انها ليست جمهورية فرحات كما صوّرها يوسف ادريس مسرحيا، ولا جمهورية الموز او المانغا او الكاكاو في البحر الكاريبي، كما انها ليست جمهورية الصمت التي عاشت لأربع سنوات فقط، اثناء الاحتلال النازي لفرنسا كما شهد عليها جان بول سارتر… انها جمهورية من طراز عجيب في التاريخ، لا يهم ما اذا كان اسمها هذا او ذاك، لأنها ملفّقة من دبابة ومنشور وبيان اول واذاعة رهينة.
هذه الجمهوريات وعدت الناس بالرغيف ثم سلبت آخر حبة قمح في بيادرهم من فم الطفل ومنقار العصفور، ووعدتهم بالحرية فاعتقلتهم جميعا وتحولت الى زنزانة بسعة وطن، ووعدتهم بتحرير فلسطين فساهمت في احتلال ما تبقى منها، لهذا كانت وما تزال شهاب الدين الأردأ من أخيه والرّمضاء التي حلت مكان النار ان كان حقا ما سبقها من عهود هي نيران وجحيم… جمهورية براقش بشرت بالحداثة سياسيا وثقافيا لكنها اعادت الذائقة قرنا الى الوراء، وفي ذروة المزاعم بأنها معاصرة اعادت انتاج الكلاسيكيات العربية بدءا من الشعر لكن بأساليب حولته الى مسوخ.
جاءت محتجة وشاجبة للوراثة، ثم تحولت الى مشاريع توريث بالقوة، وبلغت عدواها حتى معارضاتها التي اصابها فيروس الاحتكار والامتلاك والتوريث ايضا.
كانت العواصم العربية وبالتحديد الاكثر عراقة وتمدنا قبل براقش مضاءة بشكل أفضل، وكانت الشوارع وأرصفتها لا تعج بالمتسولين والباعة المتجولين وكثبان القمامة، وكان يمكن لمثقف ان يكون عضوا في برلمان ويهدد رأس الدولة بأن يعاقبه اذا تجاسر على الدستور، كما فعل مثقفو مصر والعراق وسورية في اربعينات القرن الماضي.
وهذا ليس حنينا الى فردوس مفقود، او نوستالجيا او بكاء على الاطلال، فالعهود ما قبل براقش وجمهورياتها لم تكن يوتوبيات او مدنا فاضلة، لكن الفقر فيها كان صريحا ويمكن تعريفه والامساك به، وكذلك الثروة والانتلجنسيا والريف والمدينة، لكن جمهوريات براقش تحولت الى ديستوبيات بامتياز، اي الى مدن راذلة، لا يسود فيها الجاهل ويزهو بجهله المسلّح، وعادت الموجات الرعوية التي حذّر منها ابن خلدون ودفع الخليفة المعتصم ثمن فتح الابواب على مصاريعها امامها لتجهز على التمدن النسبي، تماما كما طفت العسكرتارية سواء بمعناها الاسبارطي او الانكشاري على السطح كالسرخس التي سرعان ما عقدت مقايضات لا آخر لها مع الطحالب والفطريات من اثرياء الحروب وتجارة السلاح والاسواق السوداء والتهريب وكوبرادور الثقافة والاقتصاد. تسلحت جمهورية براقش بما يكفي لخوض حروب كونية لكنها لم تستخدم من السلاح الا ما يكفي لابادة شعوبها، ولم تفطن الى الخوذة الا عندما رأت حجرا بيد طفلا.* * * * * * * *ثقافيا، استبدلت براقش ذات الاناشيد الصاخبة والتعويضية عن كل ما هو مفقود من الكرامة الوطنية والكبرياء القومي الانتلجنسيا العضوية بنماذج من الاشباه، وهؤلاء على الاغلب من غير المثقفين، ومن اصحاب المواهب الفذة في الرقابة والتلصص والاستعداء. وكان على من يحترمون انفسهم ان ينأوا بها عن السيرك المفتوح بالمجان على مدار الساعة، حتى نسينا بعضهم، وتواطأنا ضدهم بقصد او من غير قصد، واعلاميا حاولوا اقناعنا ان الغراب هو حمام يرتدي ريش السهرة الاسود، وان الكلب اذا اسرج صهل، وان السلحفاة تطير لكن على ارتفاعات محدودة… جاؤوا باسم الفقراء فأكلوا لحمهم احياء وموتى، وباسم الحرية حولوا اوطانا الى زنازين، وباسم التحرير حولوا شعوبا برمتها الى رقيق من مختلف الالوان. لقد عالجت ظاهرتهم اعمال فنية عديدة بمختلف اللغات، بدءا من مسرحية ‘العادلون’ لألبير كامو، ومسرحية ‘الايدي القذرة’ لسارتر و’الخادمات’ لجان جينيه، و’النمور في اليوم العاشر’ لزكريا تامر و’العصفور الاحدب’ للماغوط، لكن هؤلاء لا يقرأون حتى ما يكتبونه بأردأ نثر عرفته لغتنا منذ قرون، وهو نثر سياسي وصفه بدقة جورج اورويل عندما كتب عن النثر السياسي في زمانه، وقال ان ما يكتب هو أشبه بحبر متخثر يتدفق بصعوبة من مثانة خنزير!* * * * * * * * *جمهوريات براقش حرمت شعوبها من الرغيف والوردة على السواء، وحولت الابن الى جاموس على ابيه والزوجة الى كمين للزوج، وكأن ما كتبه برتولد برخت كان نبوءة مبكرة عما سيحدث في واقعنا العربي وليس عما حدث في المانيا، وما من نظم الزمت الناس بطقوس الدين وهي تنتهك جوهره كما فعلت جمهوريات براقش حيث حذفت من العقيدة ثالوث العدل والخير والمساواة، ليحل مكانه ثالوث النّهب والرشاوى وافساد كل شيء حتى الملح… لم تأخذ جمهوريات براقش من فقه المقاومة والدفاع عن الأرض وما عليها الا الجنوح الى السلام رغم انتهاك الغزاة لنخاع البلاد والعباد، وكان شعار لا تقربوا الصلاة هو دستورها، وهذه الجمهوريات الرّخوة كانت حاتم الطائي التي ذبحت الخيول كلها لأعدائها عندما خلعوا الأبواب، لكنها بخلت على الشقيق اللدود بقليل من البول اذا كان صحيحا انه يعقم الجرح، ووفرت لنا ما تستحق عليه براءات الاختراع عندما كافأت الحمقى وعاقبت الذكاء، فمن مدحوا كرومر اورثونا من يمدحون بريمر بعد عقود عجاف من الاستقلال الكاذب والحمل الأشد كذبا، بحيث بدت التضاريس كما لو انها كاذبة ايضا كما وصفها ازوالد اشبنجلر في كتابه ‘سقوط الحضارة الغربية’. ما قبل جمهوريات براقش كان الاستشراق رغم كولونياليته يرتدي اقنعة اكاديمية او طاقيات اخفاء، لكنه اصبح في زمانها استشراقا عسكريا بحيث لا يأتي الرحالة على مطايا او قوارب بدائية بل على متن طائرات وتحت اصابعهم حواسيب ذكية لضرب اهداف غبيّ. ان ما كان يشكو منه علي عبد الرازق وقاسم امين وطه حسين وعلي مشرّفة في عهود ما قبل براقش يبدو دعابة اذا قورن بما حرم احفادهم حتى من الشكوى منه.* * * * * * * *ليست نوستالجيا وليس دفاعا عن عصور ذهبية ولّت، فالقصدير والصدأ موجودان في كل الأزمنة، لكن الجمهوريات ذات الاناشيد المبالغ فيها كان عليها ان تصبح جوفاء تماما كي تتحول الى طبول، وهذا بالضبط ما كتبه الروائي كونديرا في دراسة طريفة عن الاناشيد الوطنية في العالم المعاصر، فكلما ضعفت الدولة او صغرت كبر نشيدها وازدحم بمفردات فولاذية.
قبل براقش كان الفساد طفلا يحبو ويتعثر وبعدها بلغ سن الجنون وتمأسس وصار ثقافة سائدة، لأنه تحول الى نمط انتاج. كم كان مصيبا ذلك الذي قال ان الطبيعة احتاجت الى ملايين السنين كي تحوّل القرد الى انسان، لكن نظم براقش اعادت الانسان الى قرد في نصف قرن فقط!
انها براقش لكن التي ترتدي خوذة تقيها من حجارة الاطفال وزق العصافير، تلك هي التي جنت على ابنائها واحفاد احفادها لكن بعد ان جنت على نفسها وهي آخر من يعلم!