القصة القصيرة النسوية اللبنانية (أنطولوجيا)

حجم الخط
0

شوقي بدر يوسفلا شك أن محاولة اكتشاف هذه الخصوصية التي تكتنف واقع القصة القصيرة التي تكتبها المرأة في لبنان ربما يضع أمام أعيننا العديد من الحقائق الملتبسة في الإبداع الذي تكتبه المرأة على إطلاقه، ذلك أن المبدعة اللبنانية في هذا المجال وما تمر به في حياتها الخاصة والعامة إنما هو نفس النسق الذي تعايشه المرأة المبدعة في كل مكان. إلا أن الكاتبة اللبنانية ربما تعيش حالة خاصة من حالات هموم الوطن والإنسان والانتماء والهوية والذات بأبعاد لها خصوصيتها في الشارع اللبناني أولا، ثم في المنافي الاختيارية التي اضطرت إلى اللجوء إليها في أوربا وغيرها من المدن العربية الأخرى، البيئة، والهم الاجتماعي، وتعدد البنيات العقائدية، هي تعيش هذه الهموم أكثر مما تعيشه بعضهن في البيئات العربية الأخرى اللهم ما نجده الآن في الكتابة الإبداعية للمرأة في كل من فلسطين والعراق حيث الهم العربي الخاص بالوطن والهوية يحتل مساحة تتماثل إلى حد كبير مع ما تعيشه الحالة في المشهد اللبناني، والكتابة الأنثوية في مجال القصة القصيرة في لبنان تتقاطع مع الأجناس الأدبية الأخرى في استحياء شديد حيث تجيء الرواية في المقام الأول في كتابات المرأة، ثم القصيدة الشعرية ونصوصها الملتبسة مع النثر، ثم القصة القصيرة بعد ذلك أي أن معظم الكاتبات اللبنانيات يحتفين بالمنجز الروائي في المقام الأول باعتبار أن العالم الروائي هو العالم صاحب الزخم الأصيل في المجالات السردية الحديثة، وهن في هذا المجال يضعن التجربة السردية في حالة من حالات الاستنفار الأنثوي النابع من مكامن الذات والحياة المتحلقة حول الشأن والذات اللبنانية في الداخل والخارج وما يدور حولها من قضايا وهموم وإشكاليات خاصة وعامة، كما أن الملاحظ أيضا أن معظم كاتبات القصة اللبنانيات يعملن في مجال الصحافة، وفي وسائل الإعلام المختلفة في الدوريات المختلفة والإذاعة والتليفزيون ووكالات الأنباء وغيرها من وسائل الأعلام، لذا جاءت أعمالهن في صميم القضايا المجسدة لهذا الواقع مما يجدنه متحلقا حول اهتماماتهن الخاصة والعامة في هذا المجال، كما أن النشر بالنسبة لهن لا يحمل أي من مشاكل النشر الموجودة في الساحات الإبداعية الأخرى، لاستئثار المشهد البيروتي في صناعة الكتاب والصحيفة بمركز متميز في هذا المجال. كما نجد أيضا ملمحا مهما يتجاوز هذه الملاحظات وهو أن بعض من الكاتبات اللبنانيات يعشن خارج الوطن في منفى اختياري، بسبب ظروف الحرب وغيرها من الملابسات المتعلقة بالمعيشة في تلك البلاد، مما أتاح لهن حرية التعبير والحركة والانتشار والاحتكاك بالمشاهد الإبداعية المتميزة في منافيهن. والمرأة الكاتبة والتي هي في نفس الوقت مكتوب عنها هي محور الاختيار الذي جعلنا نتوجه إلى الساحة اللبنانية لاختيار عدد من إبداعات القصة القصيرة التي تكتبها القاصات اللبنانيات اللاني كانت تجاربهن في هذا المجال لها طابعها الخاص من جوانب عدة أهمها لحظة المشاهدة التي تثير هاجس الكتابة عند الكاتبة وتدفعها إلى الإمساك بالقلم للتعبير عن هذه اللحظة الثرية المستثارة من الحكي والنابعة من جبلة الثرثرة والسرد والشهرزادية المعروفة في طبيعتها الخاصة، ثانيا هي لحظة النص ذاته ولحظة تماس التجربة التي تمارسها المبدعة في كتابتها السردية على وجه الخصوص عندما تختار جانب التعبير عن الواقع الحي المحيط بها والمتفاعل مع حياتها من خلال هواجسها الذاتية والبوح الأنثوي الذي يأتي أحيانا متوازنا مع الحياة العامة التي تعيشها المرأة خاصة في بلد مثل لبنان بأحواله الاجتماعية والسياسية والثقافية الخاصة، ثالثا لحظة الأزمة والتي هي نتاج التجربة الحياتية المعيشة والتي ينتج عنها النص في شكله وإيقاعه ولغته وصيغته النهائية المطروح بها في ساحة الفن. هذه الجوانب جميعها تفرز الكتابة السردية في ساحة القصة إلا أن تجربة المرأة في هذا المجال ربما تكون لها خصوصية داخل النص القصصي من خلال بعد إنساني له طاقته الخاصة التي تفرزها ساحة المرأة في لبنان، وهي ساحة كما ذكرنا لها أبعادها الثقافية والسياسية والاجتماعية المتحلقة حول قضايا متعددة تنبع وتكمن في إطار ما تحمله البيئة والمناخ والإنسان في كل مكان من لبنان. ولعل تعريف الكتابة الأنثوية في مجال الإبداع في حد ذاته هو محاولة للإجابة على التساؤل الذي تثيره بعض النماذج المختارة من ساحة الكتابة السردية للمرأة في لبنان، كما وأن الجدل المثار حول المصطلحات المتحلقة حول طبيعة كتابات المرأة، من نسوية وأنثوية ونسائية، وما يتحلّق حول هذه المسميات من رؤى وجدل والرفض القاطع حول مدلولات بعض هذه المصطلحات كل هذا يثير حول إبداعات المرأة أحاديث كثيرة نتيجة لهشاشة المصطلح، وزيف الجوهر على حد دفاع المرأة عن رؤيتها تجاه ذلك، والبعد عما تثيره هذه المقولات من توافق بين الإبداع وبين واقع الحال في هذا المجال. ولعل الكاتبة الإنكليزية فرجينيا وولف قد وضعت في كتابها الشهير ‘غرفة له وحده’ رؤيتها في وضعية كتابات المرأة والترابط والاتصال الذي يجمع كتابات المرأة في هذه الغرفة المتمردة إن صح هذا التعبير، والتي تقول فيها إن على المرأة أن تكتب ما تكونه هي لا ما يكونه الآخر، ففي هذا المؤلف الصغير تربط الكاتبة بين أسماء كاتبات حقيقيات بأسماء وهمية لتبين من الرمز الموجود في هذه السطور البسيطة طبيعة كتابات المرأة وأن تضع أسماء كتابات مغمورات أو شبه منسيات في التاريخ الأدبي بين سيل من الرجال العظماء، وقد أثارت فرجينيا وولف في هذا الكتاب إشكالية أساسية هي علاقة المرأة بالكتابة والإبداع، وللمرة الأولى ظهرت نظرية الترابط بين هوية الكاتبة والعمل الأدبي من خلال كتاباتها عن نساء سبقنها في هذا المجال أمثال جين أوستن وإميلي برونتي وغيرهما من الكاتبات اللاتي احتللن مكانة متميزة في عالم السرد الأنثوي. وتجربة الكتابة البحثية عن القصة اللبنانية القصيرة على قلتها إلا أن هناك بعض محاولات جادة لتأصيل هذا الجانب من الإبداع القصصي اللبناني الحديث على مستوى الأبحاث والدراسات، بدأ منذ أوائل الخمسينيات على يد عدد من الباحثين والدارسين لهذا المجال كانت بدايتها كتاب ‘القصة العربية في الأدب العربي الحديث’ للدكتور محمد يوسف نجم، ويعتبر هذا الكتاب من أهم المراجع لإرهاصات وبدايات القصة اللبنانية خلال الفترة من (1870- 1914) بدء قيام الحرب العظمى الأولى، وهو عبارة عن أطروحة الماجستير الخاصة بالكاتب وكان مشرفا عليها في ذلك الوقت الأستاذ أمين الخولي، وقد صدرت لأول مرة عام 1952 في القاهرة، ثم صدرت بعد ذلك عن دار الثقافة في بيروت عام 1966، وقد تناولت هذه الدراسة البنية القصصية في لبنان في القرن الماضي من خلال القصة الاجتماعية والتاريخية وفن الأقصوصة في إرهاصات المشهد اللبناني وبواكيره الأولى، وقد احتفى الكتاب ببعض كتابات المرأة في هذا المجال أمثال لبيبة هاشم، وزينب فواز، ولبيبة ميخائيل صوايا، وفريدة عطية. صدر بعدها كتاب ‘القصة في لبنان’ للدكتور سهيل إدريس عن معهد الدراسات العربية بالقاهرة سنة 1957 وهي مجموعة من المحاضرات كان يلقيها الدكتور سهيل على طلبة المعهد في هذا الوقت وقد نشر معظمها في مجلة ‘الآداب’ البيروتية في فترة الخمسينيات من القرن الماضي، احتفى فيها الكتاب برواد الكتابة القصصية في لبنان أمثال جرجي زيدان وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني. كما أصدر الدكتور علي حجازي كتاب ‘القصة القصيرة في لبنان 1950-1975 تطورها وأعلامها’ ويؤسس هذا الكتاب لمرحلة القصة في ربع قرن من الزمان وما طرأ على فن القصة القصيرة في المشهد اللبناني من تطورات طالت العديد من الجوانب في الشكل والمضمون، ففي هذه الفترة حدثت تطورات كبيرة في ساحة القصة اللبنانية القصيرة من ناحية الكتابة والتقنيات والقضايا التي تناولتها الأقلام، فبعض كتّاب القصة الذين تناولتهم الدراسة خلال تلك الفترة لا يزال بعضهم يبدع حتى الآن وبعضهم طّور مفاهيمه تجاه هذه الفن وقضاياه ومضامين أعماله اجتماعيا وثقافيا وأيديولوجيا، وهي دراسة يغلب عليها الطابع الأكاديمي ولكنها دراسة رصينة وتحمل جهد كاتبها. كما صدر كتاب ‘تطور فن القصة اللبنانية العربية بعد الحرب العالمية الثانية’ للدكتور على نجيب عطوي عام 1982، عرض فيه الكاتب لنشأة القصة في الآداب العالمية ومراحل تطورها، ثم عرّج على أنواع القصة العربية واتجاهاتها، ثم القصة اللبنانية تطورها وتأثرها بالقصص العربي والأجنبي، واستعرض الباحث ألوانا من القصة اللبنانية بعد الحرب العالمية الثانية من قصة قصيرة وعادية ورواية، واختتم دراسته بالاتجاهات الفنية للقصة اللبنانية، كما صدر أيضا في هذا الصدد كتاب الدكتور عبد المجيد ترحيني ‘القصة اللبنانية القصيرة في النصف الأول من القرن العشرين’، وكتاب القصة القصيرة في مجلة ‘الآداب’، كما رصدت الدكتورة يمنى العيد واقع القصة القصيرة النسوية في لبنان منذ بواكيرها الأولى في الدراسة التي أعدتها عن المشهد الأدبي اللبناني والببليوغرافيا المصاحبة له والصادرة ضمن الجزء الأول منها في ‘موسوعة الكاتبة العربية’ (ذاكرة المستقبل)، في الجزء الخاص بلبنان وسورية، عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة بالاشتراك مع مؤسسة المرأة العربية للأبحاث والنشر عام 2004، محددة في هذه الدراسة موقع البدايات في قصص المرأة في لبنان وما طرأ على هذا المشهد فيما بعد البدايات من أساليب وتمايز في لغة التعبير وتطورات في الصيغة والنسق الحكائي لكتابات المرأة، ثم التوجه الحداثي واستثناءاته في أعمال المبدعات اللبنانيات، ثم ما طرأ على القصة القصيرة النسوية في لبنان من نضج حداثي مستشهدة في ذلك بالعديد من الكاتبات ومنجزهم القصصي المتميز في هذا المجال. ومن الكتب التي تناولت القصة اللبنانية أيضا كتاب المنحى الوجودي في القصة اللبنانية المعاصرة، لجوزيف شهوان، 1978، وكتاب الدلالة الاجتماعية لحركة الأدب الرومانطيقي في لبنان بين الحربين العالميتين، للدكتورة يمنى العيد، 1979، وكتاب الحرية في أدب المرأة، لعفيف فراج، 1980، وآخر ما صدر في هذا المجال كتاب ‘القصة القصيرة في لبنان.. سير ونصوص’ 2008 للدكتور ميشيل جحا ويعد هذا الكتاب سجلا توثيقيا ببلوغرافيا لما صدر لهذا الفن منذ بواكيره الأولى في لبنان تناول فيه الكاتب 94 كاتبا وكاتبة، أولهم أمين الريحاني وأخرهم القاصة بسمة الخطيب، مع نماذج قصصية لكل منهم ومختصر لسيرة الكاتب. وقد صدر هذا السفر التوثيقي عن الجامعة اللبنانية الأمريكية.. مركز التراث اللبناني، بالاشتراك مع المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت. وقد استشهد الكاتب بكل ما قيل عن هذا الفن خاصة مما قاله رواده الأوائل في لبنان أمثال كرم ملحم كرم صاحب المجلة القصصية الأسبوعية ‘ألف ليلة وليلة’، وبأقوال الباحث محمد يوسف نجم، وغيرهم من المهتمين بالفن القصصي في لبنان. ولعل هذه الأنطولوجيا الأخيرة التي صدرت في مصر 2010 عن القصة القصيرة النسوية اللبنانية والتي تم اختيارها وانتخابها من عدد من المجموعات القصصية والدوريات المهتمة بمثل هذا الشأن القصصي هو الذي دفعنا إلى هذا الاختيار لوضع هذا المشهد في ذائقته ونسقه الخاصة، وقد ضم هذا السفر عددا من الكاتبات اللبنانيات في مجال القصة القصيرة تضمن في مستهله قصة ‘ما روته السيدة عفاف’ للناقدة الكبيرة الدكتورة يمنى العيد، وهو نص نشر في مجلة أدب ونقد المصرية جسدت فيه الكاتبة هوية الذات وبعد المقاومة تجاه العدو الاسرائيلي ثم تتالت بعد ذلك قصص بقية الكاتبات إميلي نصر الله، إيمان بقاعي، بسمة الخطيب، حنان الشيخ، رجاء نعمة، رحاب ضاهر، رشا الأطرش، رفيف فتوح، روز غريّب، رينيه الحايك، سلوى صافي، سليمى حميدان، عائدة مطرجي إدريس، علوية صبح،غادة السمان، لنا عبد الرحمن، لور غريّب، ليلى بعلبكي، ليلى عساف، ليلى عسيران، منى جبور، مي غصوب، نجوى بركات، نجوى قلعجي، هاديا سعيد، هالة كوثراني، هدى بركات، هدى سويد، وداد سكاكيني، وصال خالد. من هذا المنطلق نجد أن هذا الزخم القصصي والروائي عند الكاتبة اللبنانية كان هو المحرك لاسترجاع المشهد القصصي في لبنان، منذ أن بدأ إلى أن صار، وأن نتعرف من قريب على ما تكتبه المرأة في لبنان، عن ذاتها، وعن واقعها، وعن قضاياها الخاصة والعامة، وعن حساسيتها تجاه هذا الجنس الأدبي المثير في هذه المجموعة من المختارات القصصية التي أرجو أن أكون قد وفقت في تنضيدها وفق هذا النسق، وفي صيغة تمثل بانوراما القصة القصيرة للكاتبة في لبنان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية